بيان الكتب: جيرار جانجامبر مؤرخ فرنسي جعل من الفترة النابليونية مركز اهتمامه الرئيسي، وله عدة دراسات نشرها في الدوريات المختصة حول هذه الحقبة. في هذه السيرة الخاصة بحياة نابليون حياته واسطورته، وهو ينقل قول الشاعر والكاتب «الفريد دووموسيه» قوله في نابليون: «كان هناك رجل واحد حي في اوروبا آنذاك، اما بقية الكائنات فإنها كانت تعمل كي تملأ رئتيها من الهواء الذي كان قد استنشقه». ونابليون بونابرت هو من مواليد جزيرة كورسيكا، ولهذا يدعيه المؤلف بـ «المايسترو» الكورسيكي الذي رأى النور في مدينة اجاكسيو بتاريخ 15 اغسطس من عام 1769، اما اسم نابليون ذاته فهناك الكثير من النقاش حول اصوله.. ولكن من المؤكد انه قد تم استخدامه في «جزيرة الجمال» كما تسمى جزيرة كورسيكا ـ منذ القرن الثالث عشر ولكن «تاريخية» هذا الاسم تبدأ بكل الاحوال مع «نابليون بونابرت»! هناك كتب كثيرة جعلت من نابليون موضوعاً لها، ولكن لعل هذه السيرة اكثر الكتب اكتمالاً عن هذه الشخصية التاريخية اذ انها تبحث في حياة الانسان وسياسة القائد وحروب الجنرال لتنتهي بالتعرض لـ «مصير» الجميع، الذين ليسوا في نهاية الامر سوى شخص واحد مثل نابليون هذا الرجل الذي لم يترك احداً لا مبالياً حيال شخصيته، انه ابن «الثورة» التي خانها الثورة الفرنسية الكبرى لعام 1789 التي قامت عندما كان عمره عشرين عاماً. ان الصورة الشائعة لنابليون بونابرت في المخيلة الجماعية الفرنسية هي حصيلة تكدس آراء كثيرة متضاربة احيانا بحيث انها اصبحت صورة غير صحيحة، تماما وغير خاطئة، تماما. ولكن هذا لم يمنع كاتباً كبيراً مثل «شاتو بريان» الذي قال ان المكانة الاستثنائية التي امتلكها وكذلك الصورة التي تركتها للاجيال اللاحقة تسمح باعتبار ان القرن التاسع عشر هو «قرن نابليون». لقد استولى نابليون على السلطة بواسطة انقلاب عسكري ثم قوى كثيرا السلطة التنفيذية واعلن نفسه امبراطورا انه بذلك لم ينه الثورة فحسب وانما خانها. لكن البعض يرون انه اراد مجرد «قنونة» تلك الثورة من اجل ان تأخذ مجراها بصورة اكثر هدوءاً وانه بالتالي لم يتخل عن مبادئها اذ كان هو نفسه احد جنرالات الثورة وبالتالي تعود امجاده كلها لتلك المسيرة الثورية التي شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ فرنسا بل وكان لها آثارها العميقة على عموم مناطق القارة القديمة بل وعلى صعيد العالم كله، وبعد وصول نابليون بونابرت الى السلطة بعدة اشهر فقط قال امام مجلس الدولة: «لقد ختمنا قصة الثورة، وعلينا الآن ان نبدأ كتابة تاريخها؟ وألا نرى إلا ما هو واقعي وقابل للتطبيق من مبادئها وليس ما يعود منها الى عالم الاشاعة والفرضيات ان اتباع اي طريق آخر اليوم يعني التفلسف وليس ممارسة الحكم وقد كان نابليون يريد ان يحكم وان يكون الامبراطور الذي يدافع عن مكتسبات الثورة الكبرى، وحماية المؤسسات التي قامت باسمها. بل وقد اكد نابليون بعد اربع سنوات من وصوله الى الحكم محافظته على سلامة اراضي الجمهورية، واحترام حرية العبادات والمساواة في الحقوق والحريات السياسية والمدنية.. ان مثل هذه الالتزامات وغيرها التي تتسم بنفس الذهنية انما تدل على التمسك ب«مكاسب ثورة 1789» وليس دفنها. ان نابليون نفسه منع استخدام تعبير الجمهورية في القاموس الرسمي اعتباراً من عام 1807 هذا بعد ان استفاد من مؤسساتها اي الجمهورية كي يثبت سلطته الشخصية ثم سلطته المطلقة، لكن جميع التطورات الدستورية والمؤسساتية لم تكن بعيدة عن تطلعات الطبقات البورجوازية الصاعدة اذ ان ثورة 1789 لم تقم من اجل تغيير النظام السياسي فحسب وانما ايضا كي تفتح آفاقا جديدة امام الشرائح التي كانت وراءها، واذا كانت هذه الشرائح قد دعمت عمليا المشروع النابليوني في بداياته ولكن عندما ابدى نابليون طموحات توسعية اوروبية متطرفة ولا معقولة كان لابد وان تؤدي الى اشكاليات اقتصادية وحروب لا تنتهي، اخذت البورجوازية بالابتعاد شيئا فشيئا عن الامبراطور وذلك قبل ان ترفضه خلال عامي 1814 و1815. وعلى الصعيد الداخلي استطاع نابليون خلال فترة خمسة عشر عاما فقط اعادة تنظيم هيكلية الدولة والمجتمع في فرنسا، ويرى مؤلف هذا الكتاب أن آثار تلك الهيكلة لاتزال بعض معالمها موجودة حتى الآن رغم عملية الاقلمة المستمرة التي تعرضت لها.. ثم ان المؤسسات التي قام نابليون ببنائها لاتزال بمثابة احد الحوامل الاساسية لـ «الجمهورية» بصيغتها الحالية. لكن نابليون كان مأخوذاً بالنموذج الروماني، وكان يرى نفسه كثيرا في جلد اوجست الامبراطور الروماني الذي اوجد صيغة الحكم والادارة الرومانيتين، وبهذا المعنى كان نابليون يميل الى ممارسة حكم فردي مطلق ولم يتردد قام بسجن معارضيه وتقييد الصحافة وكل اشكال التعبير بحيث ان الحياة السياسية كانت غائبة تقريبا عن فترة حكمه، وفي عامي 1814 ـ 1815 سقط نابليون مرتين وعادت الملكية كي «يصعد» أخ لويس السادس عشر الى العرش مما بدأ انذاك وكأنه بمثابة وضع حد نهائي لـ «الثورة» ولـ «الفترة الامبراطورية» في ظل نابليون. تبقى الحروب هي التي صاغت بالدرجة الاولى «اسطورة نابليون» هذا لاسيما ان فرنسا لم تكن قد بلغت في تاريخها كله مثل تلك القوة التي عرفتها في ظل فترة حكم نابليون.. وتتم الاشارة في هذا السياق الى عمليات «النهب» المنظم الذي قامت بها جيوش نابليون في اوروبا وغيرها، كما تدل المعروضات في مختلف المتاحف الحربية الفرنسية.. لكن من اكبر الاخطاء التي ارتكبها نابليون اجتياحه لاسبانيا، اما بالنسبة لحريق موسكو الذي قيل الكثير حول مسئولية نابليون فيه فيبدو وان الروس انفسهم هم الذين قاموا به. سيرة حياة نابليون الذي انطلق من لاشيء كي يصبح ظاهرة عصره