بيان الكتب: «هل لليهود مستقبل» اثار ضجة كبيرة فور صدوره.. هذه الضجة هي القاعدة وليس استثناؤها عندما يبدو هذا الكتاب او ذاك بمثابة خرق، مهما كانت درجة بساطته، للافكار والاطروحات السائدة حول الاضطهاد، الذي تعرّض له اليهود في اوروبا عامة، وفي المانيا خاصة، اثناء الحرب العالمية الثانية. وكان روجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي، والعضو في اللجنة المركزية للحزب، الشيوعي في بلاده لسنوات عديدة، قبل ان يعتنق الاسلام، قد تعرّض للمثول الى المحكمة، والحكم عليه بدفع غرامة مالية لانه نشر كتاباً فنّد فيه الاساطير المؤسسة لاسرائيل، كما اضطر الكاتب الفرنسي رونو كامو الى التعديل في كتاب له بعد ان تم سحبه من الاسواق لتشكيكه بحقيقة بعض ما قيل عن اضطهاد اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية. والامثلة كثيرة عن هذا النمط في الممارسات لاسيما وان القانون الفرنسي قانون جيسو يعاقب على اية مناهضة للسامية. وكتاب: هل لليهود مستقبل؟ هو آخر مثال عن مدى ما يثيره المساس باي شيء يتعلق باليهود من نقاشات واحتجاج.. ذلك ان مجرد اشارة الاستفهام وراء الجملة التي اختارها المؤلفان لكتابهما تبدو وكأنها ذات طبيعة فضائحية، كما اشار سيلفان سيبل، الناقد والباحث، في صحيفة «لوموند»، لوموند الكتب، مع الاشارة الى ان اختيار مثل هذا العنوان لم يكن بعيداً عن الغاية التسويقية لدى الناشر، لكن خصوصية هذا الكتاب تأتي من واقع ان مؤلفيه «جان كريستوف اتياس» وزوجته «استير بنباسا» هما مؤرخان يهوديان لا احد يمكنه ان يشكك بمعاداتهما للسامية.. لا احد او تقريباً اذا اتهمهما البعض بانهما يهوديان سيئان، بل ومعاديان للسامية. تجدر الاشارة هنا الى ان هذا الكتاب قد اثار النقاش فور صدوره، بل وقبل صدوره عندما نشرت بعض الدوريات، وخاصة مجلة «لوبوان» الاسبوعية الصادرة يوم 19 اكتوبر، مقتطفات منه.. وجعلته موضوع ملفها الرئيسي وصدّرت غلافها بجملة تقول: ان يكون المرء يهودياً اليوم.. وقد طرح فرانسوا دوفاي الذي قدّم للملف عدة تساؤلات، هي بدورها تساؤلات المؤلفين مثل هل معنى ان يكون المرء يهودياً اليوم العيش في اطار الذكرى التي لا يمكن تجاوزها للمجازر ضد اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية، شواه؟ وان تعيش باستمرار من اجل اسرائيل؟ كلاّ يؤكد المؤلفان في كتابهما المثير للجدل، كما يشير الكاتب. والذي لا يتردد ايضاً في وصف الكتاب بانه تحريض لانه يرفض في الوقت نفسه اعتبار ذكرى الشواه اي اضطهاد اليهود من قبل النازية، بمثابة دين كما يرفض الولاء بلا حدود لاسرائيل.. وبلا تأمل وتفكير. ومن الواضح ان مسألة العلاقة مع الشواه، اي ذكرى اضطهاد اليهود من قبل النازية. واعتبارها بمثابة عقيدة بذاتها، هي التي تشير الكثير من النقاشات والجدل. لاسيما وانها كانت موضوعاً للكثير من الاعمال والنشاطات خلال السنوات السابقة التي شهدت في واقع الامر العديد من الندوات حول الموضوع وعشرات الكتب من اخرها الهولوكوست، مصادر التاريخ SOURCES OF HOLOCAUST RESEARCH للمؤرخ «هبلبيرج» و«الهولوكوست في الحياة الامريكية THE HOLOCAUSTE IN AMERICAN LIFE للمؤرخ الامريكي بيير ايمانويل روزات وكتاب سيرج كلاسفيليد تحت عنوان «ذكرى الشواه في فرنسا» باربعة اجزاء.. وعشرات الكتب الاخرى.. وقد تفيد الاشارة هنا الى فيلم كلود لانزمان، حول نفس الموضوع، وكانت استيربنباسا احد مؤلفي هذا الكتاب قد تحدثت عن مفاجأتها الكبيرة كأستاذة في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، عندما كان طلبتها، من يهود وغير يهود، يرددون عند اختيار الموضوع الذي سيقدمون اطروحتهم الدراسية عنه بالقول: انني اريد العمل عن مسألة اضطهاد اليهود» شواه ويرى فرانسوا دوماي، فيما كتبه بصحيفة «لوبوان» كان استير بنباسا وجون كريستوف اتياس، مثلهما في ذلك مثل نورمان فنكلشتاين، مؤلف «صناعة الهولوكوست» والان فنكلكراون، مؤلف كتاب «اليهودي الخيالي»، وكلهم يهود يعتقدون بان تلك الذكرى المسيطرة الشواه انما ترمي الى ملء فراغ في الهوية لدى اليهود. ما يمكن قوله هو ان جون كريستوف اتياس، واستير بنباسا يتبنيان اطروحات بعض المؤرخين الذين يتم تصنيفهم تحت لواء «ما بعد الصهيونية» ولا شك بانهما كانا يدركان جيداً بأن عاصفة هوجاء تنتظرهما وبأنهما يعرّضان نفسهما لموجة من النقد الشديد. وهذا ما اثبته الواقع سريعاً كما يبدو من بعض الآراء المرفقة والصادرة عن عدد من اشهر الكتاب الفرنسيين المعاصرين. وكما هو متوقع تراوحت شدة النقد تبعاً لموقف الناقد، وبدا ان الصراع الدائر في الشرق الاوسط لم يكن بعيداً، بهذه الصورة او تلك عن الآراء الصادرة. هذا ويبدو ما كتبه فرانسوا دوناي، عن تفاؤل المؤلفين هو ألطف اشكال النقد اذ قال حول اعتبارهما بان مناهضة السامية هي في ادنى اشكالها اليوم، وبأن اليهود هم في درجة من الامن لم يشهدوها من قبل، ما يلي: «لا شك بان هذه الآراء تعود الى خلفية تفاؤلية مشهورة في اللحظة التي غدا فيها من الصعوبة اكثر التمييز، في الشرق كما في الغرب، بين مناهضة السامية وبين نزعة كره اليهود بالمعنى الدقيق للكلمة». قد يكون من المفيد هنا الاشارة الى ان استير بنباسا قد عاشت طفولتها في تركيا، فهي من اب بلغاري وام من سالونيك وقد هاجرت الى اسرائيل عندما كان عمرها خمسة عشر عاماً.. لكن خاب املها فيها حيث وجدتها اكثر قسوة من الشرق الذي ولدت فيه، فهاجرت الى فرنسا حيث مارست مهنة التعليم وتعرّفت على جون كريستوف اتياس وتزوجا وهي تصفه بانه كان يهودياً ارثوذكسيا، عندما تعرّفت عليه. وهو من اب جزائري يهودي وام فرنسية، وقد حرصا، كلاهما، على عدم الغاء عقلهما النقدي وبحيث ان افضل ما يحدد موقعهما، قد يكون ما كتبه سيلفان سيبيل، في صحيفة «لوموند»، بانهما ليسا مع اسرائيل وليسا ضدها وانما خارجها، ولعل من اهم فضائلهما الخلقية انهما يهوديان ويطالبان اليهود بالاستفادة من ذكرى الاضطهاد وعدم اضطهادهم بالتالي للآخرين.