استير بنباسّا وجان كريستوف اتيا هما استاذان جامعيان، ومديرا ابحاث في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا.. وهما باحثان «يتمتعان بشهرة عالمية» كما قدمهما ناشر هذا الكتاب. لهما عدة اعمال مشتركة من بينها: «قاموس الحضارة اليهودية» و«الارض والمقدس» و«كره الذات». وقد نشرت السيدة «استير بنباسّا» عدة كتب من بينها «يهود البلقان» و«تاريخ يهود فرنسا».. ولـ «جان كريستوف اتيا» عدة كتب من بينها «التعليق التوراتي». هذا كتاب «حوارات» بين مفكرين يهوديين فرنسيين يثيران فيه الكثير من التساؤلات حول الافكار السائدة. انهما يتحدثان عن العلاقة بين العبرانيين واليهود الحاليين، وعن العلاقة بين مناهضة اليهودية اثناء العصور الوسطى وبين العداء للسامية الذي يبرز بهذه الطريقة او تلك في اوروبا، وعن التوترات القائمة بين اسرائيل وما يسمى بالشتات اليهودي في العالم، وايضا عن العلاقة بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين ـ الاشكناز والسافارادت وبين اليهود الارثوذكسيين المتطرفين واليهود العلمانيين.. واسئلة اخرى كثيرة عن مستقبل اليهود ومدى التشوش الذي يحيط بعدد كبير من المسائل وخاصة حقيقة ما تعرّض له اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية وتطابق ما يقال مع الواقع.. ولعل جملة جاءت في الكتاب حول هذه النقطة الاخيرة توضح بشكل جيد الذهنية التي تمت كتابته بها. تقول هذه الجملة: «ان الفكرة القائلة بان المجازر التي تعرض لها اليهود هي فريدة من نوعها تماماً انما هي فكرة لا معنى لها». يأتي هذا الكتاب وكأنه حلقة جديدة في مسلسل من الكتب التي ألّفها باحثون يهود ووضعوا فيها الكثير من المقولات المحيطة باسرائيل وبالحركة الصهيونية وبالمجازر التي تعرّض لها اليهود موضع التساؤل. ويمكن في هذا الاطار ذكر عملين يحمل اولهما عنوان «المليون السابع» وقد اثار هذا الكتاب «فضيحة» في اسرائيل نفسها بسبب اطروحاته، وكتاب «صناعة الهولوكوست» الذي صدر في العام الماضي بامريكا وتمت ترجمته الى العديد من اللغات ـ قدمه بيان الكتب في احد اعداده السابقة ـ والذي يبين مؤلفه اليهودي مثل مؤلف الكتاب الاول مدى التضخيم الذي تم اللجوء اليه فيما يخص المجازر التي تعرض لها اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية على يد النازية وذلك بقصد «تبرير» مساندة الغرب غير المشروطة لاسرائيل. ان مثل هذه الكتب لابد وان تذكّر بكتاب صدر منذ عدة سنوات للفيلسوف الفرنسي الذي اعتنق الاسلام روجيه جارودي في كتابه الذي حمل عنوان «الاساطير المؤسسة لاسرائيل» وتم تقديمه للمحاكمة من اجله بتهمة «مناهضة السامية» وحيث كان جارودي قد شكك ايضا بحقيقة ما عانى منه اليهود في ظل النظام النازي وبين ما تم نشره وترويجه حول اضطهاد اليهود في ظل النازية. ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو اختزال التاريخ الذي عاشه اليهود الى «ما تعرضوا له من اضطهاد على يد النازية». انهما يرفضان استخدام هذا التاريخ القريب والاختباء خلفه من اجل اقامة نوع من «الرابطة السرية» مع اسرائيل.. ايضا استخدام عقدة الاضطهاد لـ «اليهودي التائه» الذي يستهدفه الجميع، يقول المؤلفان: «لم تكن جميع الحقب معادية ـ لليهود، ولو ان الامر كان كذلك لما كان هناك ثقافة او بقاء لليهود». ويكفي للتدليل على هذا دافع الشهرة التي نالها الروائي مارسيل بروست والممثلة المسرحية سارة برنار في القرن التاسع عشر.. هذا بالاضافة الى عشرات الاسماء التي يمكن ذكرها في هذا السياق. تجدر هنا ملاحظة الكم الكبير الذي شهدته السنوات الاخيرة من كتب ودراسات وندوات وافلام حول اضطهاد اليهود في اوروبا اثناء الحرب العالمية الثانية.. ومن هنا يبدو هذا الكتاب بمثابة «سباحة ضد التيار». ويبدأ المؤلفان الزوجان ـ حوارهما بالتعرض لمسألة «تاريخية» الاصول العبرانية لليهود.. هذا مع التأكيد على الانقسام تبعاً للجغرافية واللغة بين اليهود الاشكناز ـ من بلدان اوروبا الشرقية والوسطى ـ واليهود والسافارادت، الذين تعود اصولهم لاسبانيا وهي في البحر الابيض المتوسط واليهود الشرقيون. ويؤكدان المؤلفان هنا على ان مفهوم «اليهودي» كان يحتمل عدة تعريفات وحتى في العصور الوسطى وكان مفهوماً مجرداً مما كان يقتضي اعطاء بعض المضمون لهذه الكلمة من خلال اضافة التنوع الثقافي...».. وهكذا كان الطبيب ابن ميمون المولود في اسبانيا والتي غادرها شابا الى القاهرة وعاش فيها سنوات طويلة يعتبر نفسه «اسبانيا، اندلسيا» وحيث كان تأثره بالفكر الفلسفي العربي ـ اليوناني واضحاً، كما يبدو في كتابه المعروف «دليل التائهين». ويتم التأكيد في عدد من التحليلات التي يقدمها المؤلفان في اسئلتهما واجوبتهما على القول بان المجتمع الاسرائيلي يضم يهوداً لايزالون يحسون بانتمائهم الى المجتمعات التي قدموا منها مثل التأكيد على القول «يهودي فرنسي او يهودي بولندي». ان مثل هذا التأكيد يشكل مؤشراً واضحاً على ان المجتمع الاسرائيلي يملك درجة كبيرة من الهشاشة، هذا بالاضافة الى تبيين نوع من العلاقة، التي يتم وصفها بـ «المتوترة» بين اليهود في اسرائيل وبقية يهود العالم. ان مؤلفي هذا الكتاب يطرحان العديد من الاسئلة حول مسألة «المجازر» التي تعرض لها اليهود على يد النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن ليس من منظور «نفيها»، وانما من منظور استخدامها والذي يميل نحو جعلها حدثاً متفردا، الى حد التطرف وبالتالي قطعها عن تاريخ الشعوب التي تعرضت هي ايضا للكثير من الآلام، بل وقطعها عن التاريخ الانساني عامة، وتتساءل «استير بنباسّا» في احد الافكار التي تطرحها «ما هو موقفنا نحن اليهود حيال آلام الاخرين؟» وتجيب: «من واجبنا ان نستخلص الدروس من تجربة المعاناة اليهودية ونعرف كيف نتصرف وكيف نجيب على الامتحانات الرهيبة التي ولدتها المجازر ضد الأرمن والمجازر في كمبوديا وفي رواندا .. وكذلك الاجابة على كل ما يجري في الجوار المباشر لاسرائيل. ان العديد من المثقفين الاسرائيليين يطرحون على انفسهم المسألة بالطريقة نفسها تقريبا. انهم هم الذين يقولون اولا بانه ينبغي لتجربتنا الخاصة ان تساعدنا على ان نصيغ من جديد سلوكنا حيال الفلسطينيين. ان مثل هذا الرأي يخالف الآراء السائدة وخاصة في فرنسا حيث تتكاثر الادبيات والاعمال السينمائية التي جعلت من اضطهاد اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية «حدثاً فريداً»، وتتحدث المؤلفة «بنباسا» بشكل محدد هنا عن فيلم المخرج كلود لانزمان عن «المجازر» ضد اليهود على يد النازية. تقول: «انه لمن المثير للفضول انه في فرنسا تحديداً بلد القيم الكونية ـ يونيفرسال ـ شاع استخدام تعبير ـ شواه ـ الذي يشير الى خصوصية المجازر ضد اليهود.. وحيث ان هذا التعبير قد شاع خاصة بعد عرض فيلم كلود لانزمان. اما «جون كريستوف اتياس»، المؤلف الثاني للكتاب فانه يؤكد هو الآخر بان هذا التأكيد على «فرادة» ما تعرّض له اليهود لابد وان يؤدي الى «نتائج عكسية» وبحيث يصبح مثل هذا السلوك «عادياً» و«كل شيء يصبح مجزرة ابادة والجميع يصبحون نازيين». وهذا ما توضحه «بنباسّا» بجلاء بالنسبة لرؤية اليهود حيال الفلسطينيين. تقول: فلنتذكر معادلة مختصرة شهيرة تقول عرفات «هتلر «...» فهل يمكن حقا الاستمرار برواية الاعداء في كل مكان وبالقول بان الفلسطينيين ليسوا سوى نازيين جدد اي انهم يجسدون عدوا ابدياً جديداً. وبالتالي هذا خطاب يمكن رده ايضا باتجاه مصدره. هكذا يستخدمه المعسكر الاخر حيث يصبح الاسرائيليون بنظره ايضا نازيين ويصبح كل قائد من قادتهم هتلراً». ويتم في هذا السياق ايضاً التأكيد على الدور الغربي، حيث ان الغرب «يريد بشكل واضح دفع دين عليه والتحرر من وزن احساس كبير بالذنب حيال المجازر ضد اليهود. وهنا يتم الوقوع بنوع من التضليل عبر الرأفة المعممة والتباكي من قبل المثقفين غير اليهود... كما جاء في احد اطروحات السيدة بنباسا، التي اعتبرت بان مثل هذا السلوك لا يؤدي الى «الامتهان» فحسب وانما ينقصه في احيان كثيرة «صدق العواطف» هذا وكما لو ان هؤلاء المثقفين المعنيين يبحثون عن «محاربة» البشر عبر الحديث باستمرار عن «مجازر اليهود» و«ملاحقة اولئك الذين يتجرأون بالافصاح عن آراء ولو مخالفة قليلاً». ولا يتردد المؤلفان في طرح اسئلتهما و«تشككهما» حول استمرارية الافراط في التأكيد على «فرادة الاضطهاد الذي تعرض له اليهود اثناء الحرب العالمية الثانية لاسيما وانه «ليس هناك اي مظهر لمناهضة السامية وحيث يعيش اليهود عامة في حالة من الأمن، وحتى لو كانوا يتمتعون بدرجة اقل هذه الايام في اسرائيل.. انهم نادراً ما عرفوا طيلة تاريخهم هذا القدر من الحرية في اعلان هويتهم وتأكيدها» كما يقول جون كريستوف اتياس الذي يرى بانه وللمفارقة قد اصبح من الصعب على اليهود العيش الا في اطار احساس بالذنب حيالهم.. ولهذا ترى «استير بنباسا» بدورها بان البعض منهم يميلون الى رؤية مناهضة السامية في اي شيء. ولهذا ايضاً تخصص الصحافة اليهودية حيزاً كبيراً من اهتمامها لأتفه الحوادث، والتي لا تثير عامة الا القليل من القلق «ويضيف» اتياس» قائلاً: وبعيداً ايضاً، اكرر القول عن اي خطر للاضطهاد». وبتعرض مؤلف هذا الكتاب لبحث واقع اليهود في فرنسا ودورها التمثيلي على صعيد الحياة السياسية وحيث يتم التأكيد على وجود «مجموعات تبرز وتنتظم وتحاول ان تعمل مجموعات ضغط ـ لوبي، هذا الى جانب اشتراك العديدين في «جمعيات انسانية» او «جمعيات الدفاع عن البيئة» او الى حزب سياسي من احزاب اليمين او اليسار او الوسط. ولكن يتم التأكيد على عدم وجود «مؤسسات» بين الفرد والدولة وبانه ليس هناك اي خطر ذي طابع طائفي بحت طالما ان الدولة الفرنسية لا تعطي قروضاً اضافية او سلطة اضافية لبعض المؤسسات. ولكن وفي جميع الحالات يدعم «اليهود في العالم واليهود الفرنسيون» اسرائيل مهما تكن الحكومة القومية تلقى قدراً اكبر من التقدير وذلك على اساس ان اسرائيل تقدم على مستوى المخيلة على الاقل الامن والحماية للشتات. ومن هنا ليس هناك اي مكان للحديث حول ما بعد الصهيونية، «ان مثل هذا الخطاب مرفوض سلفاً» حسب تعبير استير بنباسا: كي تؤكد في موضع آخر بانه ينتشر منذ اندلاع العنف في الشرق الاوسط اعتباراً من شهر اكتوبر عام 2000 خطاباً متزمتاً لدى الكثيرين مفاده: «لقد تمت خيانتنا، ووسائل الاعلام ضدنا والسياسة الفرنسية معادية لاسرائيل ومناهضة السامية تنبعث من رمادها». «هل لليهود مستقبل؟» كتاب ضد التيار السائد وقد اثار منذ صدوره في شهر اكتوبر 2001 سيلاً من الاتهامات لمؤلفيه بانهما «يهوديان سيئان» بل و«معاديان للسامية».. هذا مع انهما لم ينفيا بأية لحظة «يهوديتهما» وانما اكدا عليها.. كما اكد على رؤيتهما النقدية دون محاباة».