بيان الكتب: لم يحظ كتاب المفكر الانجليزي والنمساوي المولد فريدريش فون هايك (1899ـ 1993) الموسوم بـ «الطريق الى العبودية» حين صدر في اواخر عام 1943 في لندن باهتمام جدي ويعود ذلك الى ان ذلك الزمن لم يكن زمن المدرسة الليبيراولية (لاحقا الليبيرالية الجديدة) التي ينتمي اليها هايك بقدر ما كان زمن هيمنة الكيترية، التي اعادت النظر جذريا بمسلمات النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الليبيرالية التي يعيد هايك التمسك بها، والدفاع «النضالي» عنها ولقد اشتهر هايك بمؤلفاته العديدة التي تبحث في الفكر والفلسفة الاجتماعية والسياسية والقانونية لكن عبر صلتها باختصاصه الاساسي في الاقتصاد الذي حاز فيه على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 1973، حين اخذت معالم المأزق الكيتري الديمقراطي الاجتماعي او الاشتراكي بالظهور وادت الى استئناف الصراع الضاري بين الكيتريين ومن سيسمون بالليبيراليين الجدد، والذي انتهى بهزيمة الكيترية وانتصار الليبيرالية الجديدة، وترسيخ هذا الانتصار بعد انهيار المنظومة السوفييتية على مستوى كوكبي في اطار العولمة، ولقد شكلت الليبيرالية الجديدة هنا ايديولوجية حزب المحافظين الذي وصل الى السلطة في عام 1979 في بريطانيا وايديولوجية يمين الحزب الجمهوري الامريكي الذي وصل في عام 1980 مع ولاية ريجان الاولى الى البيت الابيض الامريكي في واشنطن وقد اتخذ اليمينان المحافظ والجمهوري من الليبيرالية الجديدة ايديولوجية متكاملة لهما، فكان ميلتون فريدمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد مستشارا اقتصاديا لريجان في حين كان هايك مستشارا لتاتشر وتكاد مسيرة التحول من نمط دولة الرعاية الاجتماعية الكيترية الى نمط الدولة الليبيرالية الجديدة ان تكون على مستوى التحول في الفكر الاقتصادي هي مسيرة التحول من كيتر الى هايك، والتي يكثف اثنان من ابرز نقاد العولمة وهما هانس بيترمارتين وهارالد شومان في كتابهما «فخ العولمة» مضمونها تحت عبارة «حرب تحرير لرأس المال» تتكثف ترسيمنها بـ «كل ما يفرزه السوق صالح اما تدخل الدولة فطالح» بل لايقترف البعض مبالغة حين يعتبرون ان هايك هو المؤسس الحقيقي لليبيرالية الجديدة التي تعتنقها اليوم المؤسسات الدولية الكبرى التي تقود عملية العولمة الجارية. لا ريب ان مؤلفات هايك القديمة والحديثة قد حظيت باهتمام خاص بعد انتشار الايديولوجيا لليبيرالية الجديدة للعولمة، اذ اعتبر اولئك المدفوعون باعتناق الليبيرالية الجديدة كمعتقد ان هايك هو من اوائل المتنبئين منذ عام 1938 في عصر كانت تضج فيه اصوات الشيوعية والاشتراكية والفاشية والنازية بـ سقوط الانظمة التوتاليتارية وتراجع الاشتراكية وفشل القطاع العام في معالجة المسائل الحياتية معالجة فعالة ومجدية. لقد كان من الممكن ترجمة كتاب هايك «الطريق الى العبودية» بشكل اعتيادي في اطار حركة الترجمة العربية، الا ان من حرص على ترجمته هو مؤسستا رينيه معوض وفريدريش ناومان في «سياق نشاطات فكرية اطلقتها المؤسستان منذ حوالي سبع سنوات ترويجا للديمقراطية ودفاعا عن الحرية وفق تقديم المؤسستين له ورغم ان المعلومات الشحيحة والعامة التي قدمتها المؤسستان عن هايك نفسه، ومبررات ترجمة كتابه الى العربية، والتي لا تليق بطريقة احتفائهما البلاغي الايديولوجي بهذا الكتاب الذي يعتبر من نوع الكتب المؤسسة فانه من الواضح ان هذه الترجمة تأتي في سياق مشروعهما «ترويجا للديمقراطية» بوصفهما من نوع منظمات العولمة الاجتماعية التي تعتنق الليبيرالية الجديدة ايديولوجية لها. يستمد كتاب هايك الطريق الى العبودية والذي يعتبر من اول كتبه، اهميته من موقعه التأسيسي في تطور الليبيرالية الجديدة، وكي نفهم هذا الموقع لابد من العودة الى حيثيات تأليفه التي اخرجته بنبرة «نضالية» بشكل يمكننا فيه وصفه بـ «البيان الليبيرالي الجديد» الذي صدر بالفعل في اواخر عام 1943 في زمن ينفيه، فلقد كان هذا الكتاب من ناحية روحيته النقيض حرفا حرفا للنظرية الكيترية الاساس النظري اللاحق لدولة الرعاية الاجتماعية التي عمت العالم الغربي بين نهاية الحرب العالمية الثانية واواخر الثمانينيات حيث تلاشى ما سمي بالعهد الذهبي للرأسمالية والتي بلورها كيتر في عام 1936، وهاجم فيها دون اي هوادة النظرية الكلاسيكية وافقدها وفق تلامذته هيبتها وقوض دعائمها وقضى على الاحترام الذي تمتعت به في ميدان التطبيق العملي، تعود المادة الاساسية لهذا الكتاب ـ البيان الى مقال نشره هايك في عام 1938 تحت عنوان «حرية ونظام اقتصادي» ثم ظهر هذا المقال بشكل كامل في «كتيب السياسة العامة» الذي نشره البروفيسور ش.د جايدونز في مجموعة «منشورات جامعة شيكاغو» في عام 1939 ولقد اندرج تبني مدرسة جامعة شيكاغو لمقالة هايك في اطار تبنيها لتعميم السوق في مواجهة المدرسة الاجتماعية التي هيمنت على الفكر الاقتصادي والسياسي الليبيرالي الغربي في الثلاثينيات تحت تأثير الازمة الرأسمالية العامة وتحدي الانظمة الجماعية (النازية والفاشية والشيوعية) الا ان هايك لم يطور مقالته بالشكل الذي بات فيه كتابا صغيرا تحت عنوان «الطريق الى العبودية» الا في اواخر عام 1943 حين بات واضحا ان المدرسة الكيترية قد باتت هي المدرسة المهيمنة على الفكر الاقتصادي لعالم ما بعد الحرب ولعل هذه الهيمنة الكيترية التي افزعت هايك بكل تأكيد وراى فيها مسيرة نحو تجديد العبودية وفق مصطلحه، هي ما تفسر عنوان كتابه المشحون بنزعة ايديولوجية استثارية، وهو عنوان «الطريق الى العبودية» فلقد فكر هايك رغم اختصاصه الاقتصادي بهذا الكتاب كرسالة اوحتى بيان سياسي في مواجهة المدرسة الاجتماعية على مختلف اشكالها «الجماعية» الاشتراكية الديمقراطية او النازية والفاشية او الشيوعية، لتبين خطرها على مستقبل القيم الفردية التي تكثف لديه جوهر الحضارة الغربية وكان الدفاع عن هذه القيم الاساسية هو رائده في رفض الايديولوجيات والنظم الجماعية. لقد كان هايك الثلاثينيات من القرن العشرين وحتى وفاته مندرجا في فضاء تجديد الليبيرالية في مواجهة النزعات الجمعية التي تتميز بتدخلية الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية باسم الحقوق الجماعية، ولقد ذهبت مدرسة جون راولز في كتابه «نظرية العدالة» يومئذ في محاولة توفيقها ما بين عفوية الحرية ونظامية العدالة، الى المفصلة البنيوية بلغة مطاع صفدي ما بين المعرفي الاخلاقي الذي يميز ثقافة القارة الهرمة (الاوروبية) وبين المصلحي العملي الذي طبع اصلا الفكر البريطاني ثم احتل قمة الذرائعية الاوروبية وتفرعاتها وهو ما مثل في كل الاحوال جديد راولز غير ان زميله هايك سار في تجديده لليبيرالية في طريق معارض يتجنب تلك التوفيقية وعبر عن معارضة راديكالية حادة ومبكرة تجاه اي مفهوم للعدالة ينطوي على اي شكل من اشكال الجماعية والتدخلية والتوجيهية ولعلنا لانجافي الحقيقة ابدا اذا ما اعتبرنا أن مشكلة هايك الحقيقية ليست مع النظم التوتاليتارية في الثلاثينيات ومنتصف الاربعينات ذلك ان موقفه الراديكالي تجاهها على مختلف اشكالها مفروغ منه بقدر ما ان «عقدته» تتمثل في النزوعات «الجمعية» التي تولدت في الليبيرالية وفي تكيف هذه الاخيرة معها عبر اعتناق مفهوم الاقتصاد الموجه، او السوق الاجتماعية ومن هنا يرى في كتابه الطريق الى العبودية ان اكثر المعادين للنازية وللنظم الجماعية نبلا وصدقا يقودون في الافكار «الجمعية» التي تغلغلت في وعيهم الى اعادة انتاج تلك النظم لكأن هؤلاء «نازيين» من دون ان يدروا ومن حيث انهم ضد النازية ولقد كان تركيز هايك على ذلك يتميز بالافراط شديد الحساسية الذي يصل الى حد السذاجة والتبسيط، فلقد اعتقد ان الانحراف قد حصل لدى الليبيراليين لانهم لم ينصتوا الى تحذيرات الآباء الليبيراليين وعبر في اكثر من صيغة مباشرة عن ان الليبيرالية قد ضلت طريقها فالتوجه الى اية صيغة من الصيغ الجمعية «الاشتراكية» على مختلف مسمياتها يعني بالنسبة له قطيعة فجة مع كل اصول وتطور الحضارة الغربية التي تقوم على الفردية، ومن هنا يصف التوفيق ما بين الاشتراكية والليبيرالية، على انه «السراب الكبير الذي طبع الاجيال الاخيرة» وان التوفيق ما بينهما مستحيل التطبيق فان هذا امر مفروغ منه على حد تعبيره، ان كلمة «اشتراكية» ويفضل هايك عليها صفة «الجمعية» تعني بالضرورة وحكما بالنسبة له ازالة المبادرة الفردية اي ازالة اساس الليبيرالية ومنطلق تطورها وانجازها في التاريخ البشري. يمسك هايك في بيانه كتابه بالجوهر، ويدخل مباشرة في الاصول وليس في الفروع فالاصل لديه هو رفض التخطيط بالمعنى الجماعي» او الذي يسمح بأدنى قدر منه. وهايك يرى في زمن سطوة التخطيطيين الذين يرون «ان التخطيط هو الوسيلة العقلانية الوحيدة لتسيير امورنا» ان المشكلة تكمن هنا بين من يسميهم بـ «الليبيراليين والتوجيهيين». لم يبدل هايك في مسيرة انتاجه الفكري الكثيفة منذ الثلاثينيات الى اواخر حياته في التسعينيات من القرن العشرين قناعاته بتجديد الليبيرالية، اي قناعاته بالليبيرالية الجديدة كما تسمى اليوم، لكنّه كان يعمقها باستمرار. وبالنسبة لمن يستهويهم ادراك ما في العودة الى الاصول من اصولية فإن هايك هو دون اي جدال «اصولي» الليبيرالية الغربية، الذي دعا حتى بنبرة ايديولوجية قحّة الى العودة المرجعية اليها. ليست اشكالية هايك في تجديد الليبيرالية هي التوفيق ما بين عفوية الحرية ونظامية العدالة على الطريقة الراولزية او «الجمعية» بتعابيرها السائدة يومئذ الشيوعية والنازية والفاشية، بل هي اشكالية التعارض ما بين التخطيط الموجّة للاقتصاد (وبالتالي للفكر ومؤسسات المجتمع المختلفة.. الخ) وبين حرية المنافسة. ان تدخل الدولة الوحيد المقبول عند هايك هو تدخل الدولة لضمان حرية المنافسة. ويعارض هايك بكل حزم اي توجيه اذا كان سيحدّ من حرية المنافسة. وادراك المسألة بسيط، اذ ان المنافسة هنا ليست الا الترجمة الاقتصادية للقيم الفردية الليبيرالية «الصافية» بالنسبة لهايك. كان هايك يناقش في الواقع نظرية الامبريالية، غير انه لم يشأ ابداً ان يتطرق اليها، وظل يعتبر الاحتكار اي الامبريالية نتاج ارادات وليس نتاج التطور الرأسمالي نفسه. لقد كتب اولى مؤلفاته في زمن السلطات التوتاليتارية، ومن ثم انجز بقيتها في زمن الحرب الباردة. خلال ذلك كله لم يفارق عصاب الدولة المركزية او دولة التوجيه والتخطيط الاجتماعي رؤية هايك، والحق انه كان اصيلاً فيه، وبالأدق كان «اصولياً» دون رتوش او الغاز. ولقد اعاد هايك في هذا المجال ومنذ كتابه «الطريق الى العبودية» انتاج النزعة المحافظة الليبيرالية الجديدة، بكل مفاصلها الاساسية، التي تقوم على تقديس السوق او «اليد الخفية» حسب تعريف الجد آدم سميث، وخصخصة القطاع العام الذي ارسته الدولة التدخلية، واطلاق المجتمع المدني الذي عليه ان يحلّ مشاكل الرعاية الاجتماعية. وبكلام اخر لم يكن منطق هايك الا منطق الدولة ـ الحارس او منطق دولة الجباية في عرف البعض، في مواجهة منطق دولة الرعاية. وليس هذا المنطق جوهرياً الا منطق الليبيرالية الجديدة التي كان هايك من ابرز مراجعها. ربما يكمن هنا احد العوامل الاساسية التي جذبت اليمين الامريكي والبريطاني الى هايك الذي بات نجمه شديد الاشعاع بعد حصوله على جائزة نوبل، واليمينية هنا لا تكمن في السياسات اليمينية الجمهورية والمحافظة تجاه القيم الثقافية القومية، ومقاومة الاجهاض مثلاً وما شابه ذلك، بقدر ما تكمن في عبادة السوق ضد اي حمائية اجتماعية تتولاها الدولة وتنفق عليها. وربما كان هايك من اوائل من استخدموا مصطلح العولمة بشكل عارض في معرض التعابير، وتحديداً في كتابه «الطريق الى العبودية»، وربما يدهشنا هايك في انه قد اشتمل مسبقاً على بعض اساسي من فلسفة منظمة التجارة العالمية، وادرك دون اي شك بعض اهم تناقضاتها اللاحقة، غير اننا لن نستطيع في اي نقاش لتصور هايك في الفصل الاخير المعنون بـ «آفاق نظام دولتي» الا التقاط رؤية هذا المنظر البعيد الرؤية، لنظام سياسي واقتصادي جديد متعدد الاطراف، يحقق المنافع لكل من فيه. غير ان هايك المعادي للامبريالية اي لرأسمالية الاحتكار قد بشّر منذ اواخر عام 1943 بالسلطة الدولية العالمية التي تقود العالم «فيدرالياً» لكن دون الانتقاص من استقلالية اممه، ولكن ايضاً في سبيل مثالية القانون الدولي. وربما يدافع هايك عن فكرة الفيدرالية في انها فكرة معظم الفلاسفة الليبيراليين، غير انه يستبق قوى العولمة بتنظيرها مسبقاً في قوله «ان السلطة السوبر وطنية يجب ان تكون في اقصى قوّتها كي تفرض القانون العام، غير ان تكوينها يجب تصوره بطريقة تمنع السلطات الوطنية والدولية من ان تصير سلطة طغيان». لكن لا شيء يدل ابداً في ذلك المؤلف «الطريق الى العبودية» على ان هايك كان يتصور العالم كونياً بل اوروبياً ـ امريكياً، ولقد تصوّر هايك هذا التنظيم الدولي في شكل مبكّر لكنه محدود، لتأسيس الامم المتحدة، على اساس ان ينشأ في قسم من اوروبا الغربية، نستطيع فيما بعد ان نوسّعها تدريجياً. لكن هايك لم يشأ الا ان يقول يومئذ في اواخر عام 1943، الا جملته الحلوة «كل ما نستطيع ان نأمل به، بصورة معقولة، هو ان نقلل من مخاطر الاحتكاكات القادرة على ان تقود الى الحرب» لكن مخيلة هايك المديدة لم تكن تدري انها ستخلق من ان تدري ـ ربما ـ افظع الحروب. محمد جمال باروت