بيان الكتب: عبر مسيرته في كتابه التاريخ السياسي للعراق، يتناول الكاتب هادي حسن عليوي في مؤلفه «الاحزاب السياسية في العراق ـ السرية والعلنية» نشوء الحركة الحزبية متقصيا اياها منذ اواخر القرن التاسع عشر حيث لم تكن هناك تربة خصبة لنمو الحركة القومية. وعبر مسيرة الحركة الحزبية يسرد التاريخ العراقي بوقائع مبتسرة تارة ومفرطة اخرى، فنجد ان تاريخ كل حزب سياسي هو تاريخ لجزء او حقبة من التاريخ السياسي العراقي. ولا يفوت الكاتب ان يعلل ويخلق صلات بين المقدمات والنتائج محاولا تلمس الوقائع عبر عشرات الوثائق التي تبقت لديه دون نشر وعبر مقابلة عشرات الشخصيات وفق ما ورد في مقدمته التي افتتح بها مؤلفة والتي اشار فيها الى مؤلفاته العديدة في كتابه اجزاء متفرقة من ذلك التاريخ. تبدأ مسيرة الاحزاب السياسية منذ العهد العثماني الذي شجع بفعل سياسته السلبية ازاء المجتمعات العربية على نمو النشاط السياسي والقومي كرد فعل واضح برز في اواسط القرن التاسع عشر معللا ذلك بجملة اسباب منها ان الحكم العثماني استبدل حكم سيطرة اجنبية بعد تلاشي الحكم العربي نهائيا بسقوط بغداد على يد هولاكو 1258م وتعاقب العديد من الاقوام الاجنبية على حكم العرب. ويرصد في هذه المرحلة بروز الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، وحركة محمد علي والي مصر، كأهم مظاهر الوعي القومي العربي. اذ دعت الحركتان الى خلافة عربية واقامة دولة عربية مستقلة على التوالي. ولعل اهم تلك الجمعيات كانت الجمعية العلمية السورية التي انشئت عام 1857 كرد فعل لسياسة السلطان عبدالحميد الطاغية «1876 ـ 1908» ثم سياسة التتريك لجمعية الاتحاد والترقي، وكان لها دور كبير في بروز جمعيات سياسية ضد السلطة العثمانية وتطور حركة القومية العربية. ثم جمعية بيروت السورية 1875 والتي عدت اول جهد قومي منظم بشكل واسع وانشأت فروعا في دمشق وطرابلس وصيدا، وكانت قد بدأت سراً ودفعت السلطة العثمانية الى قيادة حملات اضطهاد ضد المواطنين بحثا عن قادتها. وفي الفترة نفسها يلاحظ تصاعد العمل الحزبي الذي يؤشر لنمو الوعي القومي والعربي فظهرت جمعية الاخاء العربية العثمانية بعد اعلان الدستور ثم يؤثر ظهور جمعيتان علنيتان هما: المنتدى الادبي «1909 ـ القسطنطينية» وحزب اللامركزية الادارية العثمانية «1912 ـ مصر»، وجمعيتان سريتان منهما الجمعية القحطانية اواخر 1909 وجمعية العربية الفتاة 1911. وفي عام 1912 قامت موجة جديدة من الحركة العربية باجتياح مقاومة الاتراك وعتادهم مبتدئة من بيروت اواخر ذلك العام ووصل صداها الى باريس حيث عقد مؤتمر عربي بعد ذلك بستة اشهر، ووضع برنامج تناسب مع شكل التقسيمات الادارية القائمة آنئذ، واستمرت انشطة الجمعيات في هذه المرحلة والتي كانت مدخلا للحركة القومية في العراق التي اشر المؤلف بدايتها عام 1908. في فصله الثاني يمر الكاتب بالجمعيات والاحزاب السياسية في العراق منذ عام 1908 حتى قيام الدولة، ويقسمها الى عدة مراحل تبدأ أولاها بين 1908 ـ 1914 وفي هذه المرحلة يؤشر الكاتب للواقع العراقي الذي لم يكن على صلات وثيقة بالافكار الاوروبية او البعثات التبشيرية فضلا عن ان مستوى التعليم لم يكن عاليا وكان مقصورا على اولاد الاغنياء الذين يملكون ثمن الدراسة في الخارج. ما أثر سياسيا وفكريا في الحركة القومية في العراق حزب اللامركزية الادارية الذي نظم المؤتمر العربي في باريس عام 1913 وتمثل ذلك التأثير بتشكيل النادي الوطني في بغداد والجمعية الاصلاحية في البصرة اللذين تبنيا البرنامج السياسي للحزب وكانا على اتصال دائم بقيادته في مصر. ويقرأ الكاتب في التحولات التدريجية التي حدثت في العراق على انها بذور التغيير التي شقت طريقها بعد سنوات الركود، واشرت نتائج سياسية هامة ومحسوسة ولم يكن المثقفون العراقيون بعيدين خلالها عن افكار المصلحين الاسلاميين والقوميين العرب. وفي سياق تقصي نشاط القوميين العرب وحركة التغيير السياسية العربية يمر الكاتب بمؤسسي هذه الجمعيات والحركات مؤرخا لحقبة تاريخية مهمة وعارضا لاحداث مهمة قد لا تكون تناولتها الدراسات السابقة بمثل هذه الدقة. ورغم ان الفصول غنية بالحركة والاسماء إلا اننا نجدها تمر بعجالة على الحدث، عارضة ما قل ودل، كما نجد حشداً هائلاً من الاحداث والاشخاص والحركة السياسية لا تجعلنا نلتقط الانفاس عند محطة ما. يعرج الكاتب الى المرحلة الثانية المؤرخة بين عامي 1914 ـ 1920 وهما سنتان مهمتان الاولى بدأت فيها الحرب العالمية الاولى التي هزمت الامبراطورية العثمانية وحولت الفعل السياسي معها الى فعل من نوع آخر والثانية تشكل بداية الفعل الثوري العراقي اذ تؤرخ لثورة شعلان ابو الجون ضد الانجليز. ويذكر الكاتب ان نشوب الحرب العالمية الثانية فاجأ القوميين العرب فبات عليهم الاختيار بين الغرب وبين مساندة الاتراك، وفي حين اسند الهاشميون بريطانيا وفق شروط معينة، تخوف فريق آخر من العرب القوميين من ذوي النزعات الاصلاحية الاسلامية من الاحتلال الانجلو ـ فرنسي وقرروا اسناد تركيا. اما العراقيون فتوجسوا من الغزو البريطاني وتؤشر هذه الحقبة لانتفاضات الثورات، منها ثورة الحجاز وانتفاضة النجف وكربلاء والحلة، وساهم تباين الموقف البريطاني في تعميق الانقسام بالحركة القومية العربية. يمر الكاتب على هزيمتين بريطانيتين في هذه المرحلة شهدها شتاء 1915 ـ 1916 تمثلت في اضطرارها اخلاء شبه الجزيرة العربية غاليبولي المشرفة على الدردنيل، وعلى جبهة العراق تمثلت في مقاومة تركية عنيفة للتقدم البريطاني اجبرهم الى التراجع حتى الكوت والتحصن فيها ثم استسلام قواتها التي قدرت بـ 13 الف مقاتل في ابريل 1916. ولا ينسى الكاتب ان يعرض لدور لورنس الذي ارسل في مهمة مزدوجة للبصرة هي محاولة رشوة الاتراك لفك الحصار عن الكوت، ثم دراسة امكانية قيام حركة قومية عربية تؤزرها بريطانيا، الامر الذي فشل معه لورنس بسبب رفض حكومة الهند البريطانية تقديم اي تعهد للقوميين العرب. وفي هذه المرحلة يسجل الكاتب ظهور جمعية العهد العراقي اوائل عام 1918 انشقت فيما بعد الى جناحين سوري وعراقي، وعرض لغايتها ونظامها الداخلي، وفروعها ثم النادي الادبي في الموصل، والنادي العلمي في الموصل، ويلاحظ هنا ظهور دور الموصل في الحركة السياسية، تليها جمعية النهضة الاسلامية في النجف وجمعية حرس الاستقلال وجمعية الشبيبة ثم نادي الاصلاح ويلاحظ ان نشوء هذه الجمعيات والمنتديات تركز بين اعوام 1918 ـ 1920م. ما تجدر الاشارة اليه هو ان هذه الجمعيات والاحزاب عملت بشكل أو بآخر على تجميع وتنظيم الكثير من العناصر الواعية والمثقفة والمؤثرة في المجتمع والعمل بشكل او بآخر لتخليص العراق من الاحتلال الاجنبي. شهد قيام الدولة العراقية نشاطا قاده المثقفون العراقيون امتد حتى قيام الحرب العالمية الثانية وهو ما يعرض الفصل الثالث والذي يعكس تنوع الاتجاهات السياسية والفكرية الممتدة لاتجاهات حركة النهضة العربية، ويؤثر في هذه الفترة دورين مهمين، الاول منذ صدور قانون الجمعيات عام 1922 وانتهاء بتأسيس البرلمان عام 1924، واثناءها تأسست اربعة احزاب علنية هي: الحزب الوطني برئاسة محمد جعفر ابو التمن والذي سجل اسمه خطأ في الكتاب اينما ورد مما يؤثر جهل الناشر او تقصيره في تقصي الاسماء الصحيحة فنشره «محمد جعفر ابو الثمن» ثم حزب النهضة برئاسة امين الجرجفجي وحزب الحر برئاسة محمود النقيب وحزب الامة الذي اندمج بحزب الشباب فيما بعد والذي اسسه ياسين الهاشمي. اما الدور الثاني فكان بعد تأسيس البرلمان حتى قيام الحرب العالمية الثانية، اذ اثيرت خلال هذه الفترة مشكلة الموصل حيث تأسست احزاب في انحاء العراق كافة للدفاع عن الموصل وتأكيد الوحدة الوطنية انتهت بانتهاء المشكلة. هذه المرحلة تؤثر ظهور ايديولوجيات سياسية وتمر على وزارات تتشكل وتنفرط مثلما تؤشر لبدء مرحلة النضال السياسي ضد حكومة ادرك العراقيون انها ليست مستقلة تماما عن الانجليز، وبدأت مرحلة التصدي للمعاهدات الدولية وسياسة الاحلاف والتكتلات العسكرية كما مرت على انتفاضات وثورات كثيرة اخرى تؤثر لتصاعد العقل القومي السياسي، كما تشهد تنامي الحركة الشيوعية وظهور حزب البعث العربي الاشتراكي وسقوط حكومات وقيام حكومات اخرى. وتميزت هذه المرحلة ايضا بظهور تيارات فكرية مثل التيار الاشتراكي الاصلاحي، التيار القومي، التيار الماركسي، التيار المحافظ والتيار الديني. في الفصل الرابع يمر الكاتب بالاحزاب والجمعيات خلال الفترة من انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عام 1958 وفيها تنبعث الحياة الحزبية في العراق ثانية، فتشهد استقالات وظهور احزاب جديدة سرية اثرت لتراجع الفعل الوطني العلني مع تصاعد الاضطهاد لحكومة الملك كما تشهد تصاعد المد الجماهيري. الكاتب وعبر استعراضه للحركة السياسية افرادا وجماعات، حكومة وشعبا يكتب تاريخ العراق عبر اتجاهات تياراته وتكتلاته واهداف هذه الجماعات التي تمثلت في تحقيق الاستقلال وتأييد الحريات الديمقراطية مثل الحرية الفردية وحرية الكلام والنشر والصحافة والاعتقاد وتوطيدها عدا عن اصلاح الجهاز الحكومي والجيش اصلاحا عصريا وضمان استقلال القضاء. يجيء العهد الجمهوري على واقع متخلف ساد فيه الفساد اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وهي سمة سادت العالم الثالث وجعلته غير مستقر سياسيا. الفترة الاولى في هذه الحقبة تتحدد بين عامي 1958 ـ 1963 حيث قيام ثورة 14 يوليو عام 1958 بانقلاب عسكري اسقط النظام الملكي واقام الجمهورية وانسحب العراق من الاتحاد العربي الذي اقيم بين العراق والاردن قبل ذلك بشهرين، فالغى قانون العشائر وشكلت حكومة وطنية ضمت الاحزاب الوطنية واقامت علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي ودول اوروبا الشرقية وانسحب العراق من حلف بغداد واعلن قانون رقم 80 لتحرير الاراضي العراقية. وتمر هذه المرحلة بعملية التناحر السياسي وبدء تأسيس الدولة وتثبيت سياستها وتوجهاتها وتحديد اهدافها ويعرض بنفس الطريق الكاتب لهذه المرحلة عبر الاحزاب السياسية وحركتها. اما الفترة الثانية فتسجل منذ 8 فبراير 1963 ـ 18 نوفمبر 1963 وقيام ثورة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وسقوط حكم عبدالكريم قاسم وتسلم البعثيين السلطة وقضائها على المد الحزبي الشيوعي، اما الفترة الثالثة فتؤشر منذ 18 نوفمبر 1963 حتى 17 يوليو 1968 حيث قيام ثورة 17 يوليو الذي يعد اليوم العيد الوطني لجمهورية العراق. وبمروره على الاحزاب التي شكلت في هذه الفترة يعرض الكاتب لفترة مهمة عاصرت تغييرات مماثلة في المنطقة العربية ليخلص بعد ذلك الى ان العراقيين عرفوا الحياة الحزبية منذ اوائل القرن التاسع عشر، لكن التجربة الحزبية نضجت في العقود الثمانية الاخيرة للقرن الماضي حيث شهد العراق تكتلات وانشقاقات داخل الاحزاب وعرفوا الالاعيب السياسية واتقنوها للدرجة التي كانت كافية وفق رأيه لانجاح تجربة التعددية الحزبية الجديدة في العراق، مشيرا الى ان الديمقراطية نهج سياسي اختاره العراقيون لا رجعة فيه. لهيب عبدالخالق