بيان الصائم': الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. الاسلام يدعو أتباعه الى العمل واتقانه والأخذ بالأساليب والتوكل على الله ويرفض التواكل والسلبية والاعتمادية، والاسلام ليس هو سبب تخلف المسلمين أو فقرهم، كما يحاول البعض ان يتهمه بذلك، وقد عنى الاسلام بالعمل وعقود العمل ونظم العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال بما يحقق مصالح الطرفين، بحيث يكون أجر العامل ملائما لما يؤديه من عمل. والاسلام لم يميز بين الرجل والمرأة فالعمل حق لكل منهما في مختلف المجالات وقد شاركت المرأة الرجل في صدر الاسلام في مختلف الأنشطة وكان لها دورها في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية. ورغم ان كثيرين يركزون على السلبيات التي ترتبت على خروج المرأة الى العمل ودعوة هؤلاء الى عودة المرأة الى البيت للعناية بالأسرة وتربية الأبناء الا ان أحدا لا يستطيع ان يمنع المرأة من العمل والمساهمة في الانفاق على أبنائها وأسرتها. في الحوار التالي مع الدكتورة نادرة محمود سالم أستاذ الشريعة والقانون بالمعهد العالي للدراسات النوعية بالجيزة نناقش بعض القضايا التي تتعلق بالعمل وعلاقة العامل بصاحب العمل وقضايا المرأة المسلمة. ـ رغم ان الاسلام يدعو الى العمل والاتقان فيه الا ان المسلمين يتهمون بالتواكل والفقر والتخلف فما ردك على تلك الاتهامات؟ ـ العمل له أهمية بالغة في الاسلام والذين يشككون في الاسلام ويتهمونه بأنه السبب في تخلف المسلمين مخطئون، فالاسلام يدعو الى التوكل والأخذ بالأسباب والايمان بأن الله هو الذي يرزق الناس، وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه رأى أناسا يلازمون المسجد فقال لهم: لو أحسنتم التوكل لأحسنتم العمل لأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، ويرغب الاسلام في العمل وأن يأكل الانسان من عمل يده فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو انسان أو بهيمة الا كان له به صدقة»( ويقول أيضا: ما أكل أحد طعاما قط خير من ان يأكل من عمل يده وأن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده) فالاسلام يدعو الى التوكل ويرفض التواكل، ولو كان الاسلام يحث على الكسل والزهد لما وجدناه يهتم بأمر المال «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا» فالاسلام يدعو الى تحصيل المال من وجوه الحلال وانفاقه في الحلال أيضا وأداء حق الله فيه ممثلا في الزكاة وذلك حماية للمال وحرصا على تنميته باستمرار، وقد وصلت عناية الاسلام بالمال والحفاظ عليه الى الحكم بالحجر على السفيه حتى لا يبذر المال وكذلك المحافظة على مال القاصر. أما بالنسبة لاتهام الاسلام بالدعوة الى الفقر فإن من مبادئ الاسلام.رجل أتاه الله مالا فسلطه عليه في الحق، ولا حسد الا في اثنتين رجل أتاه الله مالا وينفق منه في وجه الله، ورجل أتاه الله علما فيعمل به، وغني شاكر خير من فقير صابر. والمقصود ان يحث الاسلام على الزهد والامتناع عن الحرام، أما الأحاديث التي وردت في شأن الفقراء فتهدف الى تخفيف حدة الفقر عنهم، فالاسلام يحث على العمل والسعي على الرزق، كما يحث على العزة وهذه تنبع من القوة وليس الضعف، فالمؤمن القوي - في نظر الاسلام - خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف، والقوة تبنى على العلم والعمل معا. والاسلام هو دين القوة والعلم والعمل. الاجارة ـ ما الشروط التي ينبغي توافرها في عقد العمل طبقا لأحكام الشريعة الاسلامية؟ ـ جمهور فقهاء المسلمين يطلقون لفظ الاجارة على اجارة الأشخاص والأشياء. ولم يفرق الفقهاء بين اجارة الانسان وغيره باستثناء فقهاء المالكية الذين استعملوا لفظ الاجارة وما اشتق منه في استئجار الانسان ولفظ الكراء وما اشتق منه في استئجار الحيوانات والأشياء، ويعرف جمهور الفقهاء الاجارة بأنها عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم. ومشروعية عقد العمل بمثابة تيسير من الاسلام لتلبية احتياجات الناس لأنه ليس كل انسان يستطيع ان يعمل بيده وبالتالي يستأجر هذا ذاك ليحصل هذا على العمل وذاك على المال. لأن الفقير يحتاج الى المال والقادر ماديا يحتاج الى الأعمال. وهذا يؤكد شدة احتياج الناس الى عقود العمل. وحتى ينعقد العمل فلابد من توافر هذه الأركان: - الصيغة التي يتكون منها العقد وهي ما يصدر عن المتعاقد من عبارة كاشفة عن ارادته ومظهره لرغبته في التعاقد على العمل. - وجود المتعاقدين الراغبين في انشاء العقد وتكوينه للوصول الى أثره المترتب عليه شرعا ويلتزم كل بحكمه. - محل العقد الذي يقع عليه التعاقد ويكون الالتزام بخصوصه وواقعا عليه وحتى المنفعة والأجرة. - الأثر المترتب على التعاقد مما يطلق عليه الفقهاء حكمة العقد أي قيام العامل بأداء العمل مدة عقد الاجارة بعوض لأن العقد طالما كان صحيحا مشفوعا وجب الوفاء به. وباختصار لابد في عقد العمل من وجود الصيغة أي الايجاب والقبول بين المتعاقدين وهما طرفا العقد العامل وصاحب العمل والمعقود عليه أي الأجرة والمنفعة وأن يكون سبب التعاقد غير مخالف لأحكام الشريعة الاسلامية ـ كيف ينظم الاسلام العلاقة بين العامل وصاحب العمل بما يحقق مصلحة الطرفين؟ وما تقييمك للعلاقة الحالية بين العمال وأصحاب الأعمال في ظل الخصخصة؟ ـ الاسلام يعمل على تحقيق مصلحة الطرفين فهو يفرض التزامات - أي حقوق واجبة - على العامل تجاه صاحب العمل وفي المقابل هناك التزامات على صاحب العمل، فالعامل يجب عليه الالتزام بأداء العمل وطاعة أوامر صاحب العمل وضمان ما يلتزم به من تكليفات.. أما صاحب العمل فيجب ان يلتزم بدفع الأجرة للعامل وتحديد ساعات العمل وتوفير الرعاية الصحية للعامل وقد أوضح الفقهاء ضرورة استحقاق العامل لاجازة مرضية والنص على توقف أو استمرار العقد أثناء فترة المرض. وتحديد مدة الاجازة المرضية ونفقات التداوي أو العلاج وحق العامل في السلامة والوقاية من المخاطر والرعاية الاجتماعية والجسمانية للعامل من خلال توفير نفقات السفر وضروريات الحياة وتوفير الاجازات ورعاية العامل أثناء الشيخوخة من خلال منحه مكافأة وفي حالة وفاته التكفل بنفقات جنازته. أما في ظل الخصخصة فيجب على الدولة ان تحافظ على حقوق العامل تجاه المستثمر الجديد لأنه الطرف الضعيف في العقد واعتقد ان هذا ما تفعله الدولة. ـ كيف يمكن تحديد الأجر العادل للعامل من وجهة نظر الاسلام؟ ـ الأجرة تعني ما يأخذه العامل مقابل عمله عوضا عن استيفاء رب العمل لمنافعه وتحديد الأجور الأصل فيه حرية الانسان في ان يقدر لعمله ولمنفعة ملكه ما يراه من قيمة يريدها، ونظرا لأن حقوق الفرد في الفقه الاسلامي منحة الهية وليست حقوقا طبيعية فإنه اذا تعارضت المصلحة العامة مع المصلحة الخاصة تقدم المصلحة العامة على الخاصة، واذا حدث تعسف في استعمال الناس لحقوقهم فإنه يجب على ولي الأمر ان يتدخل ويلزمهم بما يحقق المصالح العامة، ويقوم بتحديد أجور العمال والمنفعة التي تقابلها بحيث يجبر صاحب العمل على اعطاء العامل الأجرة العادلة التي تتلاءم مع العمل الذي يؤديه وأن يقوم العامل بواجبه ازاء صاحب العمل بما يحقق العدل ويمنع الظلم لقوله تعالى: «ولا تبخسوا الناس أشياءهم» وتحديد الأجور عند شيوع الظلم يساعد على استقرار العلاقات بين العمال وأرباب الأعمال في ظل ما تأمر به الشريعة الاسلامية، وأن كان التطبيق العملي يؤكد ان تدخل الحكومات في تحديد الأجور تترتب عليه آثار سيئة ولذلك اختلف الفقهاء المسلمون حول جواز أو عدم جواز تدخل ولي الأمر لتحديد الأجور. لكن الذين أجازوا التسعير اشترطوا ان يحقق العدالة بين طرفي العقد وأن يحقق المصلحة ويدفع الضرر، وألا يكون أمام ولي الأمر حل آخر غير التسعير، لكن القاعدة الأصلية تتمثل في تحريم التسعير، أما الاستثناء لذلك فيكون من أجل تحقيق مصلحة الجماعة، لكنني أرى ان تحديد الأجور عند شيوع الظلم يساعد على استقرار العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال ومنع الشقاق. ـ هل يختلف حق المرأة المسلمة في العمل عن حق الرجل المسلم فيه؟ ـ المرأة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت داعية وشاركت في مختلف المجالات ومارست الأنشطة المختلفة، وقد روي عن رسول الله أنه قال: «انما النساء شقائق الرجال» واعترف الاسلام بمسئولية المرأة كما اعترف بمسئولية الرجل، وكان للمرأة دور بارز في صدر الاسلام وشاركت في الحروب والغزوات فعلى سبيل المثال شهدت أسماء بنت أبي بكر الصديق موقعة اليرموك كما شهدت أمية بنت قيس العفارية غزوة خيبر، وكان للسيدة عائشة دورها في أمور الدين فكانت مرجعا في علم الحديث وهناك محدثات كثيرات روين عن رسول الله، وفي المجال السياسي هاجرت المرأة المسلمة فرارا بدينها من المجتمع الكافر وكان للنساء دورهن في بيعة العقبة وتأسيس دولة الاسلام في المدينة ومارست المرأة دورا لا بأس به في مجال الفقه مثل خديجة بنت سحنون، كما مارست الوعظ والارشاد مثل سيرين بنت نهيك، وفي مجال الفن والأدب كان لبعض النساء مؤلفات في الأدب والسير والتاريخ ومن هؤلاء بنات عبد المطلب أروى وأميمة وبرة وكذلك خولة بنت ثعلبة من الشاعرات ونحن ندعو الآن الى الرجوع الى نصوص القرآن والسنة لتصحيح الأوضاع واعادة ما سلب من المرأة والتصدي للمحاولات الرامية الى تحجيم دورها وتؤكد في هذا الصدد على دور العقيدة الصحيحة في بناء مجتمع يكون أفضل صورة لخير أمة أخرجت للناس. التعاون والتكامل ـ البعض يرى ان خروج المرأة للعمل كان له سلبيات كثيرة على رعاية الأسرة وتربية الأبناء ويطالب بعودتها الى البيت فما رأيك في ذلك؟ ـ قضية نزول المرأة الى العمل من القضايا التي شغلت بال كثيرين من الناس ولا تزال تثير الرأي العام عند التفكير في اثارتها أو الخوض فيها سواء كان ذلك برأي أو قانون بالعمل نصف الوقت حفاظا على رعاية الأسرة وتربية الأبناء، ولاشك ان المرأة في العصر الحالي تشارك في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهذا ما جعل نظرة المجتمع تتغير كما تغيرت نظرة المرأة الى نفسها. والمرأة قد تعمل لتثبت كفاءتها وقدرتها على انجاز الأعمال التي كانت وقفا على الرجال، كما ان العمل يساعد المرأة على مواجهة مشكلات الحياة وقضاء وقت الفراغ والمساهمة في زيادة دخل الأسرة وتلبية احتياجات الأبناء، وفي الوقت نفسه فإن رعاية الأم لأبنائها من أهم وظائفها، فالمرأة العاملة يجب ان تضيف الى دورها كأم عنصرا جديدا يتمثل في الرعاية التعليمية للأبناء والتعامل مع أبنائها بطريقة أكثر دفئا وتفهما وأن تدربهم على الاستقلال التدريجي والاعتماد على أنفسهم، وليس في الاسلام ما يمنع المرأة من ان تعمل ما دامت تلتزم العفة والفضيلة والاحتشام لأن المجتمع الذي رسمه القرآن يقوم على التكامل بين الرجل والمرأة والتعاون الوثيق بينهما عن طيب نفس، فاذا استطاعت المرأة ان توفق بين عملها وبيتها وتربية أولادها فلا بأس بالعمل، واذا كانت في حاجة الى العامل الاقتصادي والتزمت بالضوابط الشرعية التي يقرها الاسلام فإنه لا مانع من العمل لكن يجب ان تقدر الضرورة بقدرها. القاهرة: ضياء الدين أحمد ـ هناك من يرفضون عمل المرأة في بعض المجالات مثل تولية القضاء ورئاسة الدولة والوزارة وعضوية البرلمان فهل يتفق رأي هؤلاء مع الشريعة؟ ـ من الثابت تاريخيا ان المرأة المسلمة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت تزاول كثيرا من الأعمال مثل رعي الغنم وعلاج المرضى وتقديم خدمات للجيوش وأعمال النظافة وقطع الثمار وغير ذلك وكتب الأحاديث الصحيحة شاهدة على ذلك، وقد ولى سيدنا عمر بن الخطاب قضاء الحسبة في سوق المدينة لأمرأة اسمها الشفاء. وكانت أحكامها نافذة على الرجال والنساء فكانت تحل الحلال وتحرم الحرام وتقيم العدالة وتمنع المخالفات، وبالنسبة لتولي المرأة منصب القضاء فلا يوجد في الشريعة الاسلامية ما يحرم المرأة من حقها في كرسي القضاء. لكن هناك أكثر من اتجاه في الفقه الاسلامي، الاتجاه الأول يمنع الاشتغال تماما، والثاني يخير المرأة ان تعمل في القضاء والثالث ما ذهب اليه أبو حنيفة من جواز اعتلاء المرأة لكرسي القضاء فيما عدا الحدود والقصاص وهو جانب من التشريع الجنائي، وقول الله تعالى: «واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» أمر الهي موجه الى الرجل والمرأة على حد سواء ولا يختص به الذكر دون الأنثى فالخطاب عام لا يفرق بين الرجل والمرأة، فالمرأة بنص القرآن الكريم لها ان تتولى أمر القضاء وأن تحكم بين الناس بالعدل.