بيان الكتب: ما إن بدأ صوت المثقفين ـ في الغرب والشرق ـ يعلو باتجاه حوار الحضارات لا حربها، حتى اسرعت كبريات دور النشر الى تبني هذا التوجه العام لدى المثقفين والاستفادة القصوى منه، وهي الى ذلك ساعدت في تقريب وجهات النظر، بين الثقافات المختلفة الى حد ما، وأعتقد انه لولا الاحداث الاخيرة التي وقعت في نيويورك واستغلالها من جديد في الحرب ضد المثقفين لكانت الاوضاع تسير نحو الافضل. ومن جانب ثان، فإن هذا المشروع الذي طرحته الأمم المتحدة بمقدار ما طرح من قيم نبيلة فإنه في الوقت نفسه لم يتمكن من عكس وجهات نظر ابناء الشرق عموماً والعرب خصوصاً، لأنه باختصار ينطلق من جملة من المسلمات الغربية تجاه ثقافة الآخر، تلك المسلمات الحداثية التي حددت دائماً ان الغرب هو منطلق ثقافة العقل، والشرق هو منطلق ثقافة البيان والعاطفة وما يستتبعهما من استنتاجات لا تخرج عن حيز مقولة المركز والأطراف. وفي الحقيقة فإن مثل هذا الطرح القديم المتجدد غير مجد لأنه بدلاً من ان يتجه للحوار حول أزمة عدم الفهم الناشبة الآن في الفكر العالمي مع تطور وسائل الاتصال وتقنياتها المختلفة، يعيد انتاج ثقافة الامس التي اسس لها رحالة مغامرون ومستشرقون خضعوا لجملة من الثوابت باتت معروفة. هذا الكتاب الذي ألفه ارنست جيلنر» بطلب من ناشره، هو كتاب حواري بين علماني مناصر لمبدأ الشك والتنوير، ومفكر مسلم هو الدكتور أكبر أحمد، ولكننا مع الأسف سنطلع على جانب واحد من الرأي حيث لم تنشر وجهتا النظر سوية في كتاب واحد، وإنما كل في كتاب منفصل، وبالتالي فإننا في هذه القراءة سوف نعاين خطاب جيلنر الفكري فقط، وذلك من خلال اطروحته القائلة ان حالة الفكر العالمي المعاصر تتحدد بثلاث ايديولوجيات رئيسية، أولها الاصولية الدينية التي تؤمن بواحدية الحقيقة وتعتقد انها تملكها، وثانيها النسبية التي تتلبس جملة متنوعة من الصيغ وتنكر فكرة الحقيقة الواحدة، ثم الأصولية العقلانية التي تؤمن بواحدية الحقيقة التي لم تمتلك بعد. وإلى ذلك فإن هذه الأيديولوجيات الثلاث ترسم خريطة الفكر العالمي المعاصر بتوازن تام فيما بينها. وعلى الرغم من اقتناعه ان الاديان جميعاً تفرز اشكالاً من الاصولية، إلا انه يرى ان الاصولية الاسلامية اشدها قوة، وبالتالي فإن خطابه في الفصل الأول سوف يتركز على الاسلام الذي ظل صامداً بحسب تعبيره، ولم يخضع لجملة التغيرات التي طالت الاديان والحضارات الاخرى، بمعنى انه دين يخضع لركود دوري تعاقبي متأصل في الشرقيين المسلمين دون غيرهم من ابناء الطوائف والملل الاخرى، وذلك لجملة من الاسباب هي «الرسالة السماوية المقدسة وتفصيلاتها الشرعية المحكمة، اجماع الامة، وأخيراً الامامة الدينية المقدسة». ثم يذهب في تبيان آرائه حول الجدل الذي دار بين السنة والشيعة وسيادة اللاهويين «الفقهاء» المعادين للفلسفة في زمن التوسعات الاستعمارية الكبرى للغرب المسيحي. ويرى المؤلف انه بغض النظر عن الانشقاق الطائفي والمذهبي، فإن المقوم الأكثر اهمية في الاسلام هو انشطاره داخلياً الى اسلام نخبوي رفيع يمثل ثقافته الفقهاء والعلماء والمفكرون، واسلام شعبوي قاعدي تمثل العامة ثقافته الدنيا. ولكن الحدود بين الشطرين ليست واضحة المعالم بشكل حاد، وكثيراً ما تتدرج نحو الغموض والالتباس، بمعنى انه لم يتم الفصل تماماً بين الطرفين خشية المواجهة، ولكن من حين لآخر. وعلى نحو دوري، يشن الاسلام النخبوي الرفيع نوعا من الحركة التطهيرية الداخلية، ويحاول فرض نفسه على المجتمع برمته، ولكن على المدى الطويل لم يصادف الشكلان في الماضي أبداً أي حظ من النجاح النهائى الحاسم، وبالتالي كان النموذج الناتج ما يمكن ان يسمى بالاصلاح اللانهائي أو الدوري. أما اسلام العامة بثقافته الدنيا، فإنه برأي المؤلف مختلف تماماً، وإذا ما عرف القراءة والكتابة، فإنما لأجل استخدامها لأغراض السحر، وليس كأداة للعلم والثقافة! ثم يذهب المؤلف في تحليلاته المستقاة من بعض النماذج عن اسلام متخيل في ذاكرته اكثر مما يلتمسه من حقائق في الحياة الاسلامية التي تعيشها البلدان الاسلامية في المرحلة الراهنة، ثم انه يرفض المقولة الذاهبة الى ان التخلف الحاصل في بعض البلدان انما كان بفعل عوامل عديدة كالاستبداد والاستعمار الطويل، والتنوع الاثني والثقافي. وقد يكون ما ذهب اليه حول العامل الريفي احدهما، ولكن ذلك لا يطال الفكر والمنهج بمقدار ما يطال فاعليات التحديث الخاطئة التي اقتحمت بعض المجتمعات الاسلامية، وعلى كل حال فإنه لا يرى في الاسلام أية امكانية للتطور بمقدار ما يعيد نفسه في حلقة مفرغة لا بداية ولا نهاية لها، فيضرب امثلة مضحكة في الحقيقة عن حضور الريف القوي في المدينة الاسلامية، بينما ذهب اغلب المفكرين الى ان الاسلام هو دين مديني بامتياز، وهو أول من مصر الامصار وذهب الى حياة جديدة ومنقطعة عما كان قبل سائداً من حضارات. ولدى تناوله التيار الثاني ـ النسبية ـ أي تيار ما بعد الحداثة فإنه لن يلبث ان يتعامل نقدياً على غرار ما ذهب إليه مع الاسلام الاصولي، مع اعترافه ان حركة ما بعد الحداثة لها تأثيرها القوي في الحركة الفكرية المعاصرة، وقد تجلى هذا التأثير في الدراسات الانثروبولوجية الحديثة وخصوصاً الأدبية والفلسفية منها التي تؤيد مبدأ النسبية، وتعادي مبدأ واحدية الحقيقة، إلا أنها أيضاً عبارة عن «صرعة» أو «موضة» ثقافية زائلة لا تحظى بالأهمية إلا لكونها عينها معاصرة وحية للنسبية، التي تتمتع بدورها بشيء من الأهمية، وذلك ما يمنحها استمراريتها، وهو إلى ذلك سيعتبرها حركة بمثابة تكفير عن الزمن الاستعماري، فاتجهت الى المناداة بأهمية المساواة والاحترام المتبادل في عملية المثاقفة، سيما وان العالم مصنوع من ذاتانية ملتبسة وقلقة، في حين ان الحقائق الموضوعية والتعميمات هي مجرد تعبيرات وأدوات للهيمنة، وهذه الحقائق الموضوعية انما كانت من نتائج مرحلة الاستعمار الذي فرض سلطته ورؤيته على ضحاياه، حيث نادى مفكروه بالتحرر من العبودية، ولكنهم الى جانب آخر كانوا يريدون من الشعوب ان تخضع لهم باسم الموضوعية، ومن هنا فإن فكرة الموضوعية والوضوح اللتين بشر بهما الزمن الاستعماري انما هما خدعة ماكرة رسمها المستعمرون المهيمنون. أما الأصولية العقلانية، وهو الخيار الثالث، وخيار المؤلف في الوقت نفسه، فإنه على حد تعبيره: موقف ملتزم بشدة، مثل موقف الأصوليين الدينيين، يرفض النسبية ويلتزم بالرأي القائل بوجود معرفة برّانية، موضوعية، تتجاوز نطاق الثقافة. وهو إلى ذلك سيوضح هذه المقولة عبر مثال لشخص قادم من كوكب آخر أخبر بأن كوكب الأرض متنوع ثقافياً واجتماعياً، فعندما يسأل عن الحالة السائدة على الكوكب الأرضي، وخصوصاً فيما يتعلق بحالة المعرفة والاعتقاد، سيكون جوابه اعتماداً على حالة ظنية تبدأ من نقطة انطلاق معروفة ألا وهي وجود التنوع الثقافي، ولذلك فإنه سوف يجازف بالظن بأن لكل ثقافة طريقتها المفهومية المتميزة في التعامل مع الأشياء وتصنيفها. وأن لكل منها معاييرها الإدراكية وأولوياتها الأخلاقية الخاصة بها، وان كلا منها يشكل منظومة متماسكة الى حد ما، ولكنه في الوقت نفسه لن يعطي إجابة عن السؤال المتعلق بأي من المناهج المفهومية الثقافية المختلفة هو الصحيح، لأن الحكم على أي منها بالنسبة الى الأخرى سيكون انحرافاً خاطئاً. وقياساً على ذلك فإنه سيستنتج ان ليس ثمة حقائق جوهرية قبلية تحظى بالأولوية أو تتمتع بالامتياز، فكل الحقائق متساوية، وبالإمكان وضعها جميعاً موضع الشك والتساؤل. بمعنى آخر، لا معجزات ولا تدخلات سماوية وفعاليات سحرية مشعوذة، أو «مؤتمرات صحفية»، لا منقذين مخلّصين، لا كنائس مقدسة أو مجتمعات مؤمنة، وكل شيء خاضع للبحث والتدقيق، وكل الحقائق مفتوحة للتأويل. لكن ما يجري اضفاء الاطلاق عليه وإعفاؤه واستثناؤه ربما يكون المنهج ذاته.. المنهج الذي يترك ظلاله على العالم، فهو يولد الطبيعة المنظمة المرتبة والمتساوقة. كما أن نظام البحث الاستقصائي يخلف ظلاله بدوره، فيبدو وكأنه منظمة فريدة. ولكن هل يزعم المنهج، ونفاذ البصيرة التي يجسدها، التعالي والتفوق؟ سيجيب الكاتب عن السؤال قائلاً: اعتقد انه يفعل ذلك مرتين، فهنالك نوعان من « التفوق المتعالي»: نوع يقع فيما وراء وخارج نطاق الثقافة أو أية ثقافة. ونوع يقع فيما وراء وخارج نطاق هذا العالم، وذلك هو نهج ابستمولوجيا التنوير التي تمكنت من تجاوز الثقافات السابقة بما قدمه المنورون من اسهامات كبيرة في هذا المجال. وهو الى ذلك سيتناول مواقف كانط وهيوم وغيرهما، كما سيتعرض بالنقد الى الماركسية والنازية وأشكال الاستبداد الأخرى، ليعرض أخيراً وجهة نظره حول الأصولية العقلانية و«الدين الدستوري» المناظر للملكية الدستورية كنظام يحتفظ بطقوسه ورموزه من جهة، في حين يحوّل مهمة ادارة شئون المجتمع الحقيقية الى مجال أكثر تقنية ودنيوية وعلمانية من جهة أخرى. عزت عمر