بيان الكتب: بعد ان أصدر الدكتور عبدالكريم اليافي كتابه المهم «بدائع الحكمة: فصول في علم الجمال وفلسفة الفن» وتحدث فيه عن المقولات الجمالية وعن المذاهب الجمالية وعن تصنيف الفنون ورفعة الانسان، عام 1999 قام باصدار كتاب آخر، على صلة وثيقة بالأول سماه «شجون فنية: بحوث في علم الجمال التطبيقي» ليكون علم الجمال التطبيقي وجها آخر لما تحدث عنه الكتاب الاول حديثا نظريا . وفي علم الجمال التطبيقي تمتزج النظريات ويذوب بعضها في بعض، وتتداخل الافكار لتعبر عن وحدة هذا العلم على الرغم من تعدد مذاهبه. ولابد من التذكير اولا بأن هذا العلم في نظر د. اليافي انما هو علم غائي وليس علما ترفيهيا كما قد يوحي اسمه وبعض نظرياته، انه في نظره علم يهدف الى صلاح المجتمعات ومنافع الناس وتلبية ميولهم السليمة التي تضمن المحبة بينهم والتآلف والتعاون، وهو يحفز على عمارة الارض وتجميلها والافادة بما فيها من نعم وخيرات ومباهج مشروعة. بدأ المؤلف بحوثه بدراسة الازياء دراسة جدلية اجتماعية تاريخية، فالبحث هنا هو بحث في فلسفة الازياء، وكان كارليل قد سماه «فلسفة الملابس» لكن استخدام لفظ «الازياء» ادق من لفظ الملابس لانه يوحي بالتبدل والتغير والتنوع. والازياء لها وظائف اجتماعية تعلو على الضرورة المفترضة، قال اشبنفلر ما معناه: «خابت محاولات الباحثين ابان القرن التاسع عشر في رد اصل الثياب الى شعور الناس بالخجل ورغبتهم في الاستتار او اضطرارهم لوقاية اجسامهم، وقد ضل عنهم ان ينظروا الى الثياب على انها لغة يعتمد عليها الناس في التعبير، لها اشاراتها ودلالاتها، وقد ترقى هذه اللغة في الحضارات الكبرى كحضارتنا اليوم فتبلغ ذروة القوة والعظمة في اسلوبها التعبيري، وقبله نظر الفيلسوف كنت الى الازياء على انها فرع من فروع فن التصوير الجميل مثله في ذلك مثل التصوير الصرف وفن الحدائق. بحث المؤلف في الازياء مستخدما حوار الجسد والروح او الظاهر والباطن، فالانسان الذي يعتني بمظهره: بلباسه واناقته عناية مبالغا فيها، قد يفعل ذلك ليتستر على خواء في فكره وعلمه مما يجب ان يتحلى به الانسان .. فالمظهر الخارجي قد يخدع الرائي، لذلك قال عمر بن الخطاب لرجل متجمل حسن الهيئة: كلمني حتى اراك .. وقد ازدرى معاوية النخار العذري لهيئته الرثة فقال له: يا أمير المؤمنين، ان العباءة لا تكلمك وانما يكلمك من فيها، فملأ سمع معاوية حكمة ثم نهض ولم يسأله شيئاً. فقال معاوية. ما رأيت احقر أولا ولا اكبر آخرا .. فالتفضيل انصب جماليا على الباطن دون الظاهر على ان بعضهم اشار الى فضيلة التوازن بين الظاهر والباطن. وضح الدكتور اليافي ان الازياء تقوم على عنصري الاختراع والتقليد او الابتداع والمحاكاة، وذلك ان الزي يبدأه فريق ويقتدي بهم آخرون، وقد ينقلب الزي في فترات الركود الى عادة راسخة، والعامل النفسي في الازياء هو ايثار الجديد والصروف عن القديم، والجديد هنا هو ما كان وليد الوقت والموسم، والقديم هو الزي الفائت، فالميل الى الجدة والرغبة في الطرافة مطية الزي الدارج، فالازياء علامة التجدد وامارة الحيوية كما هو شأن الطبيعة ولا سيما ايام الربيع، وكذلك تبهى الازياء في ريق الصبا ووارف الشباب. ويحلق المؤلف في عالم الازياء في حوار الامتياز والمحافظة او حوار الانفراد والتشابه، وفي حوار الطبقات حيث تجري الازياء من اعلى الى اسفل . تبدأ الازياء بالطبقات الفنية ثم تقفو الجماهير على الآثار، حتى اذا شاع الزي ودرج وامتنع ان يكون علامة فارقة بدأ زي آخر جديد .. ثم تحدث عن الازياء عند العرب قديما مستعينا بنصوص المؤرخين والرحالة وكتب الادب، وذكر ما كان من تقليد الاوروبيين للعرب في بعض الازياء جريا على مقولة: ان الادنى يقلد الاعلى ويحاكيه لان الاقتداء في الزي علامة ضعف . ورأى ان الازياء كانت في اغلب جوانبها فنا نسويا وهو يكاد يكون مقصورا على النساء قديما وحديثا، والازياء لا تجري على قواعد الفن والجمال الاصيلة دائماً، انما شعارها «كل جديد جميل» او كل جديد متعة يستمتع بها الى حين .. في عالم الازياء يكون اجمل الازياء دارجها .. وللازياء وظائف متعددة منها الوظيفة الدينية والوظيفة الحربية مما لا يزال ساريا الآن كما كان الامر في التاريخ البعيد، ولعل من اهم وظائف الازياء الوظيفة الاقتصادية، وهذه الوظيفة لا تخلو من آثار نافعة في تدوير الثروة ولا سيما في المجتمعات الرأسمالية حيث ثمة ميل دائم الى تجديد الاثاث والمنازل والاشياء الاخرى مما من شأنه ان يسرع في تداول المال. ولخص المؤلف تاريخ الازياء في العصر الحديث ذاكرا اشهر مصممي الازياء واشهر المؤسسات المتخصصة بذلك، وضرب مثلا شخصية كريستيان ديور الذي يمثل تاريخه وتاريخ شركته تطور الازياء من معمل يدوي بسيط الى مشروع رأسمالي ضخم. ويرى المؤلف اخيرا ان الازياء ليست قضية ملابس فحسب، انها تعبير نفسي وفني واجتماعي يدل على ماتنزع نحوه فئات الشعب من محاكاة او تمرد او ولع او قلة مبالاة مما يحتجب وراءه دائما اموراً اقتصادية منظمة وسعياً للربح وكنزاً للاموال، ان الازياء تيار عارض في التفكير والسلوك وهي حادث فردي اجتماعي دوري يقوم على التقليد، باعثه الاستطراف والجدة والغنى من جهة وحب التميز او الاندماج من جهة اخرى، ووجوده وتجدده مقرونان بوجود الطبقات وتجددها في المجتمع، وهو حادث طفيلي يعيش على هامش الطبقات الغنية، واهم وظائفه الوظيفة الاقتصادية. فاذا ما تركنا الازياء وجمالها فان الدكتور اليافي ينقلنا الى الحدائق التي يشارك الانسان الطبيعة في صنعها، وفن الحدائق يختلف عن سائر الفنون لانه يعالج مادة حية لها قوانينها ونظامها في النمو والتكامل او النكوص والتراجع في ضرب من التناقض والانسجام بين المادة الحية والاشكال التنظيمية المفروضة، وليس فن الحدائق الا تعهد ذلك الانسجام والتناقض، والنجاح في الملاءمة بين هذه الاضداد، ان طغيان المادة الطبيعية يجعل الحدائق اقرب الى عفوية المناظر الطبيعية، كما ان غلبة التنظيم في الحديقة تجعلها قريبة من مواد فن العمارة وذلك بتقليم الورود والاشجار وترتيب المروج والازهار، وقد الحق الفيلسوف كنت فن الحدائق بفن الرسم والتصوير، ووضع شوبنهور فن الحدائق وتصوير المناظر ورسم الطبيعة الميتة في مرتبة واحدة من تصنيفه للفنون لانها تشف جميعها عن تصورات الطبيعة النباتية من نمو وتشكل الى جانب سيولة الماء الجاري والظل والنور والحرور وهي كلها نغمات الطبيعة الصم العميقة كالجاذبية والثقل والمقاومة وغيرها مما يؤلف تصورات فن العمارة وينم عن درجة من درجات تحقق الارادة التي هي جوهر الرغبة في الاستمرار والبقاء .. وقد انطوى التراث الحضاري العربي على صور فكرية وفنية وادبية بديعة في حب الطبيعة وتصوير مفاتنها، وربط المؤلف بين هذا الامر وبين تطور علم الفلاحة في المنطقة العربية منذ عهود ما بين النهرين ومصر القديمة حيث تألق فن الحدائق المعلقة في بابل والحدائق المستلقية في وادي النيل، كما برز الاسلوب الفارسي الذي يعتمد سعة الارض وتضاريسها معا ويمزج العناية بالنبات، بعنايته بالحيوان، وفي هذا السياق عرض المؤلف وصفا مفصلا لقصر شيرين كما عرض وصفا مفصلا لبستان «مشيد الاركان رفيع البنيان له باب مقنطر كأنه ايوان» مقتبسا من خمس ليال من ليالي الف ليلة وليلة، اضافة الى استعراض ملامح جمال الحدائق كما صورها شعر البحتري. وتناول المؤلف في اطار علم الجمال التطبيقي فن الخطابة الذي يستخدم للتأثير في الجمهور تأثيرا اجتماعيا وسياسيا، ورأى فيه فنا مشتبكا يعتمد على بلاغة الخطيب واسلوب القائه وعلى صوته واشاراته وعلى مدى اقتناعه بما يعرب عنه او يحث عليه وعلى موقفه تجاه الجمهور، واذا كان فن الخطابة قريبا من فن الشعر والادب فانه كذلك قريب من فن المسرح، وكما يسعى الممثل المسرحي الناجح المتفوق ان يؤثر في الجمهور بالغ التأثير، كذلك يسعى الخطيب المتفوق الى الهدف نفسه، وضرب مثلا من الخطب البليغة خطبة خالد بن الوليد قبيل اليرموك مبينا جماليات تلك الخطبة من حيث بيانها الموجز وتأثيرها العميق، كما اشار الى جماليات خطب ابن الجوزي. وللدكتور اليافي ولع بفن ابي تمام، يشيد به مبينا لروائع الجمال في شعره، فهو يعده اكبر مجدد في الشعر العربي، وقد جمع في بيانه رقة بردى وعظمة النيل وتدفق الفرات وغطرسة دجلة وزركشة بلاد سيحون وجيحون وتهاويل وادي سيحان وجيحان وقد ركز المؤلف على الاتجاه الدياليكتيكي في شعر ابي تمام، مما ساعد على توليد المعاني وابتداع الصور، مما دفع ابا العلاء المعري ان يقول فيه «كان صاحب طريقة مبتدعة ومعانٍ كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار، ويفض عنها المستغلق من المحار» وقد مثل اليافي للديالكتيك في شعر ابي تمام بأبيات من قصيدته الرائية التي وصف فيها لربيع من خلال حوار الفصول وتناغمها. ولا يمكن ان نعطي بحوث هذا الكتاب حقها في عرض موجز، ولا ان نلم بها بشيء من الاستفاضة، لذلك اقتصرت على اشارة موجزة الى جماليات فن ابي تمام وانتقل الآن للتحويم عن بعد على مبحث علم الجمال الحيواني في كتاب الحيوان للجاحظ وفي هذا المبحث لفتة موفقة في جدتها وطرافتها، فقد ألفى اليافي في الجاحظ الرائد في علم الجمال الحيواني نظرا لتناوله في احاديثه وبيانه مواطن الجمال والقبح في حياة الحيوان من بناء البيوت والاعشاش ومن حلاوة الاصوات وسماجتها ومن القدرة في ذلك على نصيب من البيان لدى الحيوان، ومن الصور المستحبة والصور المجتواه المستكرهة ومن اعاجيب ما يستطيعه الحيوان من التعلم والتقليد والمحاكاة ومن الهراش والتنازع وامثال ذلك . والتساؤل هنا: من اين للانسان ان يبحث في مثل هذه الامور لدى الحيوان؟ يجيب المؤلف اننا نستطيع ذلك بالمشاهدة والتتبع وبالمقايسة والمقارنة والتشبث واستطعنا بما هو متعارف ومستقرأ بين الناس ومتداول بالنسبة اليهم وان كان يصعب الجزم، ولكن لابد من الجرأة في العلم ومن اقتحام العقبات. هذه جولة عامة في صفحات هذا الكتاب الجميل المشتمل على كل لطيف ورقيق، مع وجوب الاشارة الى ان هناك نصوصا لم اقف لديها كمبحث الحياة حلم والنائم واليقظان لانه يحتاج الى تفصيل قول وبسط كلام. د. عبدالإله النبهان