عندما هاجر الرسول وتبعيته المؤمنة من مكة الى المدينة بناء على الامر الإلهي بذلك، ترك المسلمون في مكة كل اموالهم واملاكهم، ونجوا بأنفسهم من بطش قريش وعدوانها عليهم. وكان بالطبع ان استولى المشركون والكفار على كل أموال وممتلكات المسلمين المهاجرين، وأخذوا يتاجرون بها ضمن تجارتهم مع بلاد الشام ومصر، وغيرها من البلدان المحيطة بهم. وعندما نزل الأمر الإلهي بالجهاد وقتال مشركي قريش الذين يتوعدون ويهددون بمقاتلة المسلمين في المدينة مصداقا لقوله تعالى «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وان الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ان يقولوا ربنا الله».. بدأ خروج سرايا المسلمين من المدينة لاعتراض قوافل قريش القادمة من الشام، وكانت اول سرية في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة وتبعتها عدة سرايا جعلت قريش توجس خيفة من تنامي قوة المسلمين في المدينة وتتحسب لها جيدا. خرج الرسول عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين الثامن من رمضان لملاقاة عير لقريش قادمة من الشام، وكان معه 313 رجلا منهم 83 من المهاجرين و61 من الأوس و169 من الخزرج، ولم يكن برفقتهم سوى فرسين وسبعين بعيراً صاروا يتعاقبون ركوبها كل اثنين او ثلاثة او حتى اربعة، وقد تساوى الرسول مثل اصحابه في ذلك. ووصل نبأ خروج الرسول الى أبي سفيان الذي كان يقود القافلة القادمة من الشام، فبعث رسولا ليستنفر قريشا لنجدة القافلة، حيث كان لمعظم رجال قريش نصيب فيها، فقد بلغت قيمتها نحو 50000 دينار، وفي اثناء الطريق علمت قريش بنجاة القافلة حين سلك بها ابوسفيان طريقا آخر غير مطروق متبعا ساحل البحر، وأرسل الى قومه يخبرهم بذلك ويشير عليهم بالرجوع، إلا ان ابا جهل قال: «لا نرجع حتى نحضر بدرا فنقيم فيها ثلاثاً ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا». وبالفعل فلقد سار من قريش الى بدر نحو 1000 رجل في عدتهم معهم 100 فرس و700 بعير، ونزلوا بالعدوة القصوى من المدينة خلف كثيب يحتمون به. علم الرسول وهو بوادي زفران ان قريشا خرجت لتدافع عن قافلتها، وأنها نجت، إلا ان القرشيين يتحدون المسلمين، اذن فالموقف اصبح اخطر من كونه مجرد تعرض لقافلة تجارية مكونة من 40 رجلا تصحبهم احمال ثقيلة معوقة.. بل ضد جيش قوي يتفوق عليهم في العدد والعدة، وأن مصير هذه المعركة المقبلة سيتوقف عليه مدى ما سيتحقق للمسلمين من هيبة في شبه الجزيرة من عدمه، بل مدى استمرار دعوة الاسلام وانتشارها او تقلصها. ومن ثم فإن مواجهة هذا الجيش دون اعداد كانت، قد تؤدي الى هزيمته، والى مطاردة القرشيين للمسلمين الى المدينة نفسها، وهنا من المتوقع ايضا ان يعلن اليهود المتواجدون في المدينة ممن لا يؤمن غدرهم، انقلابا على المسلمين ونقضا لمعاهدتهم معهم. وفي ذلك بالطبع أكبر الخطر على المسلمين، اذن لم يكن هناك مناص امام المسلمين الا قبول التحدي ومحاربة قريش حتى تعلو كلمة الحق. جمع الرسول عليه الصلاة والسلام جيشه وشرح لهم الموقف وطلب رأي قادته، فتكلم الصديق ابوبكر والفاروق عمر بن الخطاب مشيرين بالتقدم للحرب، وايدهما المقداد بن عمرو قائلا: «امضِ بنا لما أمرك الله، والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى (اذهب انت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون)، ولكن اذهب انت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى (برك الغماد) لجالدنا معك حتى تبلغه. فقال الرسول: خيرا، ثم التفت الى الانصار، فنهض سعد بن معاذ وقال: «لقد آمنا بك وصدقناك، واعطيناك عهودنا، فامضِ يا رسول الله لما امرت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، فسر بنا على بركة الله». ولم يكد سعود بن معاذ يتم كلامه حتى أشرق وجه النبي بشرا، وقال: «سيروا وابشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني انظر الى مصارع القوم» ثم امر الرسول بالارتحال، فلما صاروا على مقربة من بدر، بدأ في جمع المعلومات عن قوة قريش وعددها وتسليحها وقوادها، فعرف ان عدوه ما بين 900 الى 1000 رجل على رأسهم اشراف قريش جميعا، فقال لقومه «هذه قريش قد القت اليكم بأفلاذ اكبادها». وعندما نزل جيش المسلمين عند ادنى ماء بدر، قال الحباب بن المنذر للرسول، وكان خبيرا بهذا المكان ـ «أهذا منزل انزله الله ليس لنا ان نتقدم او نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟» فأجاب الرسول: بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فأشار الحباب: «يارسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي على ادنى ماء عن القوم، فإني اعرف غزارة مائه وكثرته، فننزله ونغور ما عداه من الابار، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون» فوافقه الرسول على رأيه، وعمل المسلمون به، وبذلك حرموا المشركين من الحصول على الماء من وراء المسلمين. كما تم بناء عريش للرسول فوق تل مشرف على ميدان المعركة، بناء على مشورة من سعد بن معاذ. متى وكيف دارت المعركة؟ دارت معركة بدر في صبيحة يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، وفي بدايتها عدل الرسول صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين، فجعل مناكبهم متلاصقة فصاروا كالبنيان المرصوص، ثم توجه الى الله تعالى داعيا: «اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني»، ثم نظر إلى اصحابه وأخذ يحثهم على الثبات. وفي الوقت الذي كان يشكل المسلمون فيه جبهة قوية متماسكة يعمر الايمان قلوبهم، كان المشركون مختلفين، فقد اراد عتبة بن ربيعة ان يمنع الناس من الحرب، ويحمل دم حليفه عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبدالله بن جحش، إلا ان ابا جهل وسم عتبة بالجبن، وقال: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. ثم بعث إلى عمرو الحضرمي وقال له: هذا حليفك يريد ان يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم وانشد مقتل اخيك، فقام عمرو صارخا: واعمراه. فلم يبق بعد ذلك من الحرب مفر. وقد اعجل القتال ان اندفع الاسود بن عبدالاسد المخزومي من بين صفوف المشركين نحو صفوف المسلمين يريد ان يهدم حوض الماء الذي بنوه، فعاجله سيدنا حمزة بن عبدالمطلب بضربة اطاحت بساقه فسقط على ظهره، واتبعها حمزة بضربة اخرى قضت عليه دون الحوض. ـ وما أن سقط الأسود حتى خرج عتبة بن ربيعة بين اخيه شيبه وابنه الوليد، ودعا الى المبارزة كعادة العرب، فأخرج لهم الرسول عبيدة بن الحارث ابن عبدالمطلب، وحمزة، وعلي بن أبي طالب. فلم يمهل حمزة شيبة، ولا أمهل علي الوليد، فقد قتلاهما، وأما عبيدة وعتبة فقد جرح كل منهما الآخر، فحمل حمزة وعلي بن ابي طالب على عتبة فأجهزا عليه. ثم التقى الجمعان. وقام الرسول على رأس المسلمين يعدل صفوفهم، ويوجه اليهم نصائحه، ولما رأى كثرة المشركين وقلة رجاله، وضعف عدتهم مقارنة بعدة قريش، عاد الى عريشه ومعه الصديق أبوبكر، واستقبل القبلة وجعل ينشد ربه ما وعده به قائلا: «اللهم انشدك وعدك، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول ان تكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام لا تعبد في الارض»، ومازال الرسول عليه الصلاة والسلام يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه فوضعه عليه الصديق أبوبكر الذي قال له: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. ثم اغفى الرسول اغفاءة قصيرة، قال بعدها لأبي بكر: يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل قد أخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النفع، وانزل الله «إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم».. الخ الاية الكريمة. وخرج الرسول وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» وأخذ يحرض المسلمين على القتال قائلا: «والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر إلا ادخله الله الجنة». فقويت عزائم المسلمين، وسرت فيهم روح قوية استمدوها من قائدهم الاعظم، وجعلت كل رجل منهم يعدل عشرة رجال مصداقا لقوله تعالي: «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين». فاشتد القتال وحمي الوطيس، وعلت صيحات الحرب، وصار المسلمون يهللون «أحد.. أحد»، وقد كشفت امامهم حجب الزمان والمكان، وأمدهم الله بالملائكة يبشرونهم ويزيدونهم تثبيتا وايمانا حتى كان الواحد منهم اذ يرفع سيفه ويهوي به على عنق عدوه، إنما تحرك قوة الله تعالي يده، مصداقا لقوله تعالى: «وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى». وقد وقف الرسول وسط هذا الوطيس، واخذ حفنة من الحصباء ورمى بها قريشا وهو يقول: «شاهت الوجوه» ثم قال لاصحابه: «شدوا» فشدوا على اعدائهم، فلم تكن إلا ساعة حتى هزم الجمع وولى الدبر، وانجلت المعركة عن هزيمة مروعة للمشركين، قتل فيها نحو سبعين من صناديد قريش: منهم ابوجهل رأس الفتنة، وأمية بن خلف، وعتبة، وشيبة، والوليد.. الخ، كما اسر منهم نحو السبعين، وهرب الباقون. بينما لم يفقد المسلمون سوى اربعة عشر شهيدا، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ثم أمر الرسول بتضميد الجراح ودفن القتلى في قليب بدر، وصار يتفقدهم ويخاطبهم: يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا. بين رجوعين ولى اهل مكة الادبار كاسفا بالهم، خاضعة من الذل ابصارهم، عادوا بخزي الهزيمة، بعد ان فقدوا صناديدهم. أما الرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمون فقد اقاموا ببدر حتى آخر النهار في تضميد الجراح ودفن القتلى وجمع الغنائم، وقد بعث الرسول بشيرين لأهل المدينة للتبشير بالنصر وللقضاء على رجف اليهود واشاعاتهم ضد المسلمين. وكان المسلمون في المدينة قد انصرفوا في ذلك اليوم بعد دفن السيدة رقية بنت رسول الله وزوجة سيدنا عثمان بن عفان، فانقلب الحزن فرحا، وسرت الطمأنينة في قلوب المسلمين، في حين كان النصر غما وحزنا على يهود المدينة. لاشك ان المسلمين بذلوا جهدهم في معركة بدر فرغم كثرة المشركين وقلة عدد المسلمين، إلا انهم انتصروا على المشركين انتصارا باهرا سريعا، مما جعل المعركة تبدو غريبة وغير مألوفة النتائج في تاريخ الحروب، ودفعت الى التساؤل عن اسباب هذا النصر الحاسم والسريع. لقد كانت قوة روح الايمان المتأصلة في نفوس المسلمين اول هذه الاسباب.. فشتان بين قوم يقاتلون عن دينهم وهم على يقين من نصر الله او الاستشهاد في سبيله، وكلاهما فوز من الله، وبين قوم يقاتلون عن اموالهم وما يملأ نفوسهم من غرور وكبر وخيلاء. وشتان بين قوم يدافعون عن الحق والعدل والحرية وكل المعاني الانسانية السامية، يسترخصون حياتهم في سبيل الله، وبين قوم يدافعون عن الباطل. فلا عجب اذا نصر الله اصحاب دعوة الحق على اصحاب دعوة الباطل، وأمد الله فئة الحق بجنده لتعلو دعوة الحق في الوجود، وما النصر إلا من عند الله. اللواء/ حسام سويلم