هى سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود كانت زوجاً للسكران بن عمرو بن عبد شمس العامرى بن عمر هاجر فيمن هاجروا للحبشة ثم مات فيها وترك أرملته من محنة الاغتراب لمحنة الترمل وفى العام العاشر بعد البعثة توفيت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضى الله عنه عنها وكان النبى - صلى الله عليه وسلم ، - في الخمسين من عمره وقد حزن عليها حزناً شديداً وأحس بالفراغ الكبير الذى تركته وزاد من مصابه أن توفى بعدها بشهر تقريباً عمه أبو طالب وقد فقد بموته السند القوى الحامي المهيب الذي تخشاه قريش وأصبح النبى عليه الصلاة والسلام لا يجد له في القوم نصيراً ولا فى بيته أنيساً فشق عليه ذلك ولزم داره إلا قليلاً وسمي هذا العام بعام الحزن جاءته خولة بنت حكيم السلمية وفى حوار معه أشارت عليه بخطبة عائشة بنت أبى بكر وتأجيل زواجها حتى تنضج كما أشارت بزواجه من سودة فقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشورتها جبراً لخاطرها وعزاء لها عن زوجها ابن عمها السكران بن عمرو الذى هاجر معها وتركها أرملة فقيرة، تأثر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرة المؤمنة المترملة أيما تأثر فما كادت خولة بنت حكيم تذكرها له حتى مد يده الرحيمة إليها يسند شيخوختها ويهون عليها الذى ذاقته من قسوة الحياة ولذا اتم زواجه بها. لم تخدع سودة نفسها قط بل أدركت بتجربة سنها أن بينها وبين قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - حاجزاً لا حيلة لها فيه وعرفت من اللحظة الاولى سبب زواجها هو أن الرسول هو الذي تزوجها لا الرجل الذى لم تجرده النبوة من بشريته. وأيقنت دون شك أن حظها من الرسول - صلى الله عليه وسلم - البر والرحمة لا الحب والتآلف ولم يزعجها هذا فقدمت لحياتها معه قائلة: والله مالي على الأزواج من حرص ولكنى أحب أن يبعثنى الله يوم القيامة زوجاً لك وأرضاها كل الرضا أن تأخذ مكانها فى بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن تخدم بناته وكان يسعدها أن تراه - صلى الله عليه وسلم - يضحك أحياناً من مشيتها وكانت ثقيلة الجسم وأن يأنس أحياناً لخفة روحها أو يستملح عبارة من عباراتها وأقامت سودة ببيت النبى - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءت عائشة بنت أبى بكر وكان هذا في المدينة وأقسمت سودة لها المكان الأول في البيت. ثم وفد على البيت زوجات أخريات منهن حفصة بنت عمر وزينب بنت جحش وأم سلمة بنت زاد الركب فما ترددت سودة فى إيثاره عائشة بإخلاصها ومودتها وإن لم تظهر ضيقاً بهؤلاء الزوجات الأخريات وأشفق عليها الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأنها ليست مثل الأخريات فبذل أقصى مااستطاع لسودة في أن يعدل بينها وبين نسائه فيما يملك من بيت ونفقة أما عواطفه فهو بشر لن يكثرها على غير ماتهوى أو يخضعها بإرادته بضوابط القسمة. ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه إذا طلقها فإن طلاقه يكون أحسن لها من عذابها البشرى الذى يعتقد أنها تعانيه وأخبرها بذلك فما كان ردها عليه إلا مكافأة له عن زواجه منها في تلك الظروف بأن وهبت ليلتها لعائشة راضية أن تكون زوجته أمام الله وأمام المؤمنين وتخلت عن متطلبات أنوثتها كامرأة وزوجة. وهكذا اختارت الرسول وأراحت الإنسان أن يحرج فيما ليس بيده فقد أنزل الله تعالى قرآنا فى ذلك حيث قال سبحانه (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً). هنا وقفة مع التنظيم الاجتماعى في محيط الأسرة فى هذا المجتمع الذي كان الإسلام ينشئه بمنهج الله المتنزل من الملأ الأعلى لا بعوامل التغيير الأرضية في عالم المادة ونحن هنا بصدد النشوز من ناحية الزوج يهدد المرأة وأمنها فى الأسرة وبالتالى أمن الأسرة كلها... وقصة السيدة سودة رضي الله عنها مع زوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهج لتصرف الزوجة في مثل هذه الحالة وهو أن تبقى زوجة على أن تتنازل عن بعض حقوقها المدنية أو الأسرية. إن القلوب تتقلب والمشاعر تتغير والإسلام منهج للحياة يعالج كل جزئية فيها ويتعرض لكل مايعترض لها فى نطاق مبادئه واتجاهاته وتصميم المجتمع ولذا يرسمه وينشئه وفق هذا التصميم. فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة وأن تؤدى هذه الجفوة إلى الطلاق وهو أبغض الحلال أو الإعراض الذى يتركها كالمعلقة لا هى زوجة ولا هى مطلقة فليس هناك حرج عليها ولا على زوجها أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية كأن تترك له جزءاً أو كلاً من نفقتها الواجبة عليه أو أن تترك له قسمتها وليلتها إذا كان متزوجاً من أخرى يؤثرها وكانت هى قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها. وقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - بشراً مثالياً يعلم أن هناك ميولاً لا يملكها منها ميل قلبه البشري لزوجة دون أخرى يؤثرها على الأخريات ،إن نبى الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وهو الصورة الكاملة للإنسانية حين تبلغ وجهها من الكمال فتنمو فيها جميع الخصائص والطاقات نمواً متوازناً متكاملاً في حدود فطرة الإنسان كان هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقسم بين نسائه فيما يملك ويعدل فى هذه القسمة ولا ينكر أن يؤثر بعضهن على بعض لأن هذا خارج عما يملك فكان يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك» ويعنى القلب إن الإسلام يمس الإنسان بالرحمة والمودة لا بالعنف والظل