قال الله سبحانه وتعالى: «وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً» الإسراء : 26. وقال تعالى: «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا» النساء 1. ان صلة الأرحام واجبة وقطيعتها معصية كبيرة والرحم تطلق على الأقارب وهم كل من بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أم لا وسواء كان ذا محرم يعني لا يجوز التزاوج بينهم أم لا، وهذا التعريف هو الراجح كما جاء في فتح الباري. وصلة الرحم درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المجاهرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب فلو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها فيسمى قاطعاً ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلاً والعلماء متفقون على ان صلة الرحم واجبة وان القطيعة حرام من الكبائر، وان أقل درجات الصلة الكلام والصلة يراعى فيها حالة الموصول والواصل بمعنى ان الواصل لو كان فقيراً فإنه لا يكلف بالمساعدة المالية لعجزه والواجب في الصلة ان تكون للأقرب فالأقرب ومن لم يصله بالمال يصله بالزيارة والكلمة الطيبة وهكذا وتكون الصلة أيضاً بعيادة المريض وإجابة الدعوة والتهنئة بما يسر والتعزية في المصائب وسداد الدين أو المساعدة في سداده واغاثة الملهوف وان كثيراً من الناس لا يفقهون دين الله ولا يستطيع التغلب على شح النفس وحقدها فتراه يظن ان الصلة يكفي فيها الكلمة والسلام والزيارة ولكن مفهوم الصلة أوسع وأشمل من ذلك والاعتماد على الأقرب القاطع للرحم لا يعفي الأبعد من المسئولية. وقال القرطبي: الرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالرحم العامة رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم، والعدل بينهم، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى، وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي أبيه وأمه فتجب لهم الحقوق العامة وزيادة مثل النفقة وتفقد أحوالهم وترك التغافل عن تعاهدهم والمعنى الجامع للصلة هو ايصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر حسب الطاقة وهذا في حق المؤمنين، قال تعالى: «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب» الرعد 21. وعن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحب ان يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم. والمراد البركة في الصحة والعافية وطاعة الله تعالى أو ان الله تعالى جعل الزيادة والتوسعة في الرزق سببها صلة الرحم فتتحقق التوسعة حين تتحقق الصلة والزيادة في العمر يراد بها البركة بسبب التوفيق في الطاعة وعمارة الوقت بما ينفع في في الآخرة فتكون صلة الرحم سبباً في التوفيق للطاعة وصيانة الانسان عن المعصية، وأما ان يكون المراد بقاء ذكره الجميل وسيرته الطيبة. وعن أبي أيوب رضي الله عنه ان اعرابياً عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته ثم قال: يا رسول الله: أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار، قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر إلى أصحابه، ثم قال: لقد وفق أو لقد هدى قال: كيف قلت، قال: فأعادها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم دع الناقة» وفي رواية «وتصل ذا رحمك فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تمسك ما أمرته به دخل الجنة» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بفضالهم قيل وكيف ذلك يا رسول الله، قال: بصلتهم ارحامهم» رواه الطبراني. وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» رواه البخاري ومسلم. ومعنى قطيعة الرحم الاساءة إليها، وتدرك الاحسان لها، فالصلة نوع من الاحسان والقطيعة ترك الاحسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رجلاً قال: يا رسول الله: ان لي قرابة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إليّ وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال: ان كنت كما قلت فكأنما تفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك «رواه مسلم والله عز وجل يحذر من قطيعة الرحم واعد لهم عقابا في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به ان يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» الرعد: 25. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم: أما ترضين ان أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت: بلى قال: فذاك لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا ان شئتم «فهل عسيتم إن توليتم إن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم» رواه البخاري ومسلم.