أرشدنا الوحي الإلهي إلى طهارة المسجد ونظافته، حتى يكون المسجد في غاية الكمال والجمال ويشعر داخله بالراحة النفسية والاطمئنان في السجود والمكث فيه بعد الصلاة، ونستلهم ذلك من قول الله تعالى لسيدنا ابراهيم ، (وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود) وترك المساجد بلا نظافة وإهمالها يكون سببا في هجرها ومن يتسبب في ذلك يدخل في عموم الآية (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها) ومن هنا يجب بالإضافة إلى تهيئة المساجد ونظافتها، إنارتها وتهويتها واختيار المكان المناسب من الحي في بنائها، وإظهار البناء الحسن، والشكل المناسب. وأن يعتاد المسلم الذهاب إلى المساجد حتى يعلق قلبه بحبها وأن يحفظ لها مكانتها، وأن يتخلق عند الذهاب إليها أو الجلوس فيها بخلق الوقار والسكينة، وأن يترفع بها عن لغو الحديث، لأن من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، وأن يكثر من ذكر الله ولا يقول إلا حقاً حتى ينال رضوان الله وتتنزل عليه رحماته، والا يجعل المسجد منتدى لحديثه وحل مشكلاته الدنيوية. وبهذين الأدبين المادي والمعنوي يؤدي المسلم حق المسجد عليه، لأن الكثير من الناس ممن يقصدون المساجد لأداء الصلاة، يخلون بأشياء كثيرة تتعلق بالمساجد سواء قبل دخولها، أم بعد دخولها وهناك أخطاء ومخالفات واضحة يرتكبها بعض رواد المساجد. ولعل مرد ذلك إلى سببين: الأول: ضعف التمسك بالإسلام عند جمع من الناس، مما أدى إلى الجهل بأحكام كثيرة تتعلق بالمساجد أو العلم بها ولكن هناك زهد فيها ورغبة عن العمل بها. الثاني: تحول هذه العبادة العظيمة وهي الصلاة إلى عادة عند البعض الآخر، بحيث أن الذاهب إلى المسجد كالذاهب إلى أي مكان آخر، لا يجد فرقاً بين الاتجاهين. ويمكننا أن نقول ان أول المسئولين عن المساجد هو الإمام، ويجب أن يختار من ذوي العلم والأهلية، وممن يتقنون القراءة وأحكام التجويد والمعرفة بأحكام الصلاة وآداب المساجد ليكون قدوة صالحة للمصلين، يدربهم عملياً ويرشدهم إذا أخطأوا بلباقة وأدب، وهو يسهم في نظافة المسجد ويشرف على أعمال الخدم، وهو الموجه لأهل الحي وجيران المسجد ويتحبب إلى الأطفال ويرشدهم إلى الصلاة ويشوقهم إليها. سالم سعيد غبار الشامسي أحكام المساجد وآدابها (2) من آداب المسجد أنه على المصلي إذا دخل المسجد أن يصلي ركعتين تحية له، وهما واجبتان لما روى البخاري في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: دخلت المسجد ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس قال فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين. ويستحب استحباباً متأكداً كنس المسجد، وتنظيفه لما روى أبو داوود والترمذي عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وفي المصنف عن يعقوب بن زيد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يتبع غبار المسجد بجريدة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. ويستحب تجميرالمسجد بالبخور، وكان يجمر المسجد إذا قعد عمر بن الخطاب على المنبر، وأنكر مالك تجمير المساجد، واستحب بعض السلف تخليق المساجد بالزعفران والطيب وذكر أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك، ويستحب فرش المساجد وتعليق القناديل والمصابيح، ويقال ان أول من فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جمع الناس على أبي بن كعب في صلاة التراويح، ولما رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه اجتماع الناس في المسجد على الصلاة والقناديل تزهر وكتاب الله يتلى قال: نورت مساجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب. أما عن الأكل وإطعام الضيوف في المساجد، فيمكن الاستدلال بقول الله تعالى: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين»، وعن عبدالله ابن الحارث قال: كنا نأكل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في المسجد الخبز واللحم، فالأكل في المسجد مشروع، كما كان يفعل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلقد كانوا يعلقون العذق ليأكل الجائعون والغلمان. ومع مشروعية الأكل في المساجد أو ساحاتها فإن لذلك ضوابط، منها أن يتجنب المصلون ترك بقايا الطعام، أو تلويث الفرش والسجاد، والا يشغلهم ذلك عن أداء الفروض والسنن والا يحدثوا جلبة أو ضجيجا تشويشا على الآخرين من المصلين والذاكرين وقارئي القرآن أو متلقي العلم في حلقات الدرس. وينبغي ألا ينشد في المسجد ضالة وألا يكون فيه بيع ولا شراء ولا إيجار ولا استئجار ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا) وروى الترمذي عنه أيضاً أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) ويكره اللغط ورفع الصوت في المسجد، روى أن عمر سمع رجلاً رافعاً صوته في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟. ومن خلال الحديثين السابقين لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتنبيه عمر بن الخطاب للذي رفع صوته في المسجد، نلاحظ أن التنبيهات والتوجيهات للذي ينشد الضالة أو يبيع ويشتري كانت مختصرة وموجزة وبليغة، ذلك حتى لا يكون جدال أو خصومات بين الطرفين حفاظاً على حرمة ومكانة المسجد وإنجازاً للنصح دون الإضرار أو الإزعاج لجماعة المسجد. ويجوز النوم والاستلقاء في المسجد، للمعتكف وغيره، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: كنا زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ننام في المسجد ونقيل فيه ونحن شباب، وفيما أخرجه البخاري: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) جاء وعلي رضي الله عنه مضطجع في المسجد وقد سقط عنه رداؤه عنه شقه وأصابه التراب، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمسحه، ويقول: (قم يا أبا تراب). وقد ذهب الجمهور إلى جواز النوم في المساجد وثبت أن أصحاب الصفة كان لهم في مؤخرة المسجد موضع مظلل يأوي إليه المساكين وهم فقراء المهاجرين الذين لم يكن لهم مأوى، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه وتتعشى طائفة منهم معه. وهناك آداب عامة في المساجد منها: تجنب استطراق حلق الفقهاء والقراء، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (لا حمى إلا في ثلاث) وذكر منها حلقة القوم وهو جلوسهم في المسجد للدراسة والتعليم والتشاور، ومن السنة لمن دخل المسجد ومعه سهم أن يمسك بنصله، أو رمح أن يمسك بسنانه، لما روى البخاري عن جابر أن رجلاً مر بسهام في المسجد فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (أمسك بنصالها) ومن هذا يتضح كراهية إدخال الأدوات الحربية (ومنها في وقتنا الحاضر البندقية والرشاش والمسدس وغيرها) إلا لضرورة قصوى، وفي حالة إدخالها يجب تأمينها بحيث لا تشكل خطراً على المسلمين وخاصة في المسجد الذي هو مكان الأمان والاطمئنان والعبادة. كما يجب أن يتجنب الناس اللغط في المساجد أو إنشاد الشعر، أو رفع الصوت، فقد روى الإمام مالك والبيهقي عن سالم عن عبدالله بن عمر بن الخطاب، أنه بنى إلى جانب المسجد رحبة فسماها البطيحاء، فكان يقول من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوتاً فليخرج إلى هذه الرحبة. وإيجاد البديل عن المسجد وبالقرب منه للأمور التي تشكل تشويشاً على المصلين يعد عملاً ايجابياً، فتخصيص مكان للحديث والتشاور والترفيه (مثل: إنشاد الشعر أو السماع للقصص) يساعد على إيجاد منتدى إجتماعي يقضي فيه رواد المساجد بعض الوقت، وهذا يقودنا إلى سياسات بعض الدول في غلق المساجد مباشرة بعد أداء الصلوات، ونرى أن المساجد يجب أن تكون مفتوحة الأبواب أمام رواد المساجد تحقيقاً لقول الله تعالى: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) وأن يكون الغلق هو الاستثناء عندما يخاف على سلامتها وصيانتها وحفظها، وأن إقامة الأنشطة الدينية والتربوية والاجتماعية، ووجود المصلين ورواد المساجد يمنع الإساءة إلى المساجد أو تخريبها وإنما يؤدي إلى حفظها وصيانتها وعمارتها. والغرض من الجلوس في المساجد يكون في ثلاثة: أ - العلم وسماع المواعظ وقراءة القرآن. ب - انتظار الصلاة. ج - الاعتكاف. ويجلس المسلم في أقرب مكان ولا يتخطى رقاب الجالسين ولا يفرق بينهم، فإذا انتهى المصلي من تحية المسجد وجلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة كما ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيضاً (الملائكة تصلى على أحدكم ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه). ومما ذكره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) وفي هذا استحباب تحية المسجد بأداء ركعتين وتلك سنة حسنة مرعية بإجماع المسلمين، ويلاحظ أن هذه التحية للمسجد امارة لا شك على وجوب إجلال المسجد وتوقيره، وكان للناس في رسولهم (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة، فقد قيل انه لم يترك تحية المسجد في حال من الأحوال ولو كان في وقت النهي وهو ما بعد صلاة العصر حتى دخول المغرب.