هذه الحفنة من حروف المحبة التي ترتاح بين يدي القارئ هنا... هل هي دراسة في علم الجمال؟ ربما. أهي تأملات في جماليات العمارة الاسلامية؟ لعلها كذلك. أتراها محاولة للامساك بخيوط تأثير الصوفية على عمارة المساجد؟ من يدري؟ لكن اتريدني انا الذي اعمته دموع ندمه عن حقيقة جهله ان احدثك حديث العارفين؟ أليس أحرى بنا ان نصغي معا لنصح سادتي السالكين على الدرب من أهل الحقيقة حيث يقولون: «لا تنظر.. تبصّر!»؟ لايذكر اسم المماليك الا قفزت للأذهان سلسلة من الصور النمطية السلبية، تبدأ بظلامية موحشة تفرض نفسها على الحياة العامة، ثم لا تنتهي بالقول انهم بالسيف عاشوا وبه ماتوا. ولست هنا في معرض الدفاع عن هذا العصر ومعطياته، لكنني لا أملك الا الانزعاج من كم التجهيل الكبير الذي يحيط بهذا العصر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية بصفة خاصة تحت ظلاله. الصور النمطية اياها تقدم لنا بداية عصر المماليك على انها مرت بالجهة الصالحية، أم خليل المستعصمية، أجل شجرة الدر لا غيرها، التي ارسل الخليفة العباسي المستعصم بالله لأهل مصر رسالة بعد توليها لعرشهم يقول فيها: «ان كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير اليكم رجلا». ويحدثنا المقريزي في «النجوم الزاهرة» عن نهايتها المأساوية، حيث سجنت أولا بالبرج الاحمر، ثم سلمت بعد عدة أيام الى ضرتها الزوجة الأولى للسلطان المعز عز الدين أيبك، فضربتها الجواري بالقباقيب الى ان ماتت، وألقيت من سور القلعة الى الخندق وليس عليها سوى سراويل وقميص، فبقيت في الخندق اياما، وأخذ بعض اراذل العامة تكة سراويلها، ثم دفنت بعد ايام وقد نتنت وحملت في قفة لتربتها قرب المشهد النفيسي، فسبحان المعز المذل. هذه الصور نفسها تقدم لنا نهاية المماليك بسيوف فرسان محمد علي في القلعة في مشهد اقرب الى لمحة من تراجيديا اغريقية غارقة في الدماء. الحقيقة التاريخية لا علاقة لها بهذا كله، فدولة المماليك في واقع الامر بدأت بتآكل مقومات القوة في الدولة الايوبية من خلال التناحر بين امرائها واستنفاد عناصر استمراريتها ولجوء ملوكها الى الاستعانة بالمماليك واتخاذهم مقدمين على الجيوش ووجوها للدولة وأهلها وهو التطور الذي وصل الى اقصاه مع الصالح نجم الدين. ودولة المماليك لم تنته لا بالسيف الذي حصدهم في مرج دابق ولا الذي اعتصر دماءهم في القلعة، وانما انتهت باهمال نظام الري والصرف في مجتمع نهري تعادل قيمة المياه تحت سمائه قيمة الدماء وباقتحام البرتغاليين المحيط الهندي وأخيرا ببروز نواة المكونات التي سيشيد منها محمد علي دولته. ايا ما كان الامر، فإن ما يعنينا هنا هو ان نلفت نظر القارئ الى ضرورة التدقيق في حقائق التاريخ وعدم قبول القصص الرائجة على علاتها. سبعة ملامح مع اشراقة دولة المماليك وانطلاقها نحو السمت، سنرصد سبعة ملامح مميزة لمآذن مساجدها، تجعلها مختلفة ـ بأوسع المعاني ـ عما سبقها وعما سيلحقها من مآذن على امتداد ارض مصر وهذه الملامح يمكننا ايجازها في ما يلي: أولا: التركيز المطلق على الطول. وهذه السمة ستبرز بصفة خاصة في المراحل المتأخرة زمنيا من الدولة المملوكية، وإن شئت مثالا بالغ الوضوح على ما نقصده هنا فإليك المئذنة التي تشمخ في الركن الجنوبي الشرقي من مسجد السلطان حسن، والتي يصل طولها الى 280 قدما وتعد احدى اكثر مآذن القاهرة ارتفاعا. ثانيا: اختلاف شكل قمم المآذن. ما عليك الا القاء نظرة على خط الافق في القاهرة لكي تدرك انه في المرحلة الزمنية نفسها التي اشرت اليها قبل قليل لم تعد قمم المآذن تأخذ الشكل نفسه الذي ألفته العيون في مراحل سابقة من مبان او طوابق او غير ذلك وانما هي ستصبح ذات رأسين او اكثر، على نحو ما نرى في مئذنة قانيباي الرماح بالقلعة ومئذنة الغوري بالغورية ومئذنته ايضا بالجامع الازهر، ويلاحظ ان هذه الاخيرة اشتملت على سلمين حلزونيين داخليين لا يرى الصاعد فيهما النازل. ثالثا: تطور التقسيم الثلاثي للمآذن. لقد سبق ان رأينا كيف ان المآذن الفاطمية والايوبية ضمت جزءا مربعا وآخر مثمنا ثم قبة صغيرة مضلعة او مفصصة هي التي عرفت تقليديا باسم المبخرة، لكننا في ظل الدولة المملوكية، وعلى وجه التحديد في بداية القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر من الميلاد سنجد ان المئذنة المملوكية البحرية ارتفعت باضافة طابق ثالث عليها ذي بدن اسطواني على نحو ما نجد في مئذنة خانقاه سلار وسنجر الجاولي، التي اشتملت بين كل طابقين على شرفة بارزة ترتكز على صدر مقرنص، يحيط بها درابزين خشبي، كما اشتملت في بدن طابقها المثمن على ثماني دخلات متشابهة ذات عقود حدودية، فتحت في اربعة اضلاع منها اربع فتحات ضيقة للتهوية والانارة، قوبلت في الاضلاع الاربعة الاخرى بأربع مضاصيات. رابعا: الزيادة الكبيرة في عدد المساجد. لا يخفى على الذهن ولا العيان انه في عهود سابقة من تطور العمارة الاسلامية اقتصرت المآذن في وجودها على المساجد الجامعة، اما في ظل الدولة المملوكية فقد اصبحت المآذن جزءا لا يتجزأ من كل المساجد بلا اقتصار على الجامعة منها. خامسا: تطور عناصر الزخرفة. لم تقتصر التطورات الكبيرة في المآذن المملوكية على الجوانب المعمارية وحدها وانما امتدت الى مخططات الزخرفة التي تستكمل روعة هذه المآذن وتأثيرها في العين والنفس، فقد غلب على المآذن المملوكية استخدام الحجر في بنائها واحاطة شرفاتها بدروات حجرية او رخامية ذات شقق مفرغة بزخارف نباتية وهندسية تحيط بها اكتاف صغيرة تعلوها قبيبات بصلية، عرفت تقليديا باسم البابات، وتميزت الدروات الوسطى لمآذن هذا العصر باستخدام الحجارة الملونة، او باستعمال الزخارف الهندسية، او بعمل كورنيش حجري بدلا من المقرنصات كما هي الحال في مئذنة قلاوون ومئذنة منجك اليوسفي وغيرهما كثير. سادسا: التركيز على دور المآذن كمعالم بارزة: لم تقتصر مبررات المآذن على جوانبها الوظيفية المباشرة، وقد جرى التشديد على جوانب اخرى بخلاف هذه الجوانب الوظيفية في مدن كثيفة العمران كالعاصمة المصرية، فالمئذنة هنا موضع اهتمام وتقدير من حيث ان صوت الداعي للصلاة يرتفع من فوقها خمس مرات في اليوم والليلة، ولكنها ايضا اعلان سياسي بالحضور القوي والمؤثر لبانيها، ومن هنا ايضا يأتي الاهتمام الشديد بموضعها من المجمع المسجدي الذي تعد جزءا منه، كما في حالة مجموعة قاينباي المسجدية، حيث نجدها على جانب المدخل الرئيس. سابعا: ظهور التأثيرات القادمة من مناطق اخرى من العالم الاسلامي، لقد سبق لنا ان اشرنا الى بروز التأثيرات الاندلسية في العمارة المصرية ممثلة في المآذن الايوبية، غير انه في عصر المماليك البحرية، اي في القرنين السابع والثامن الهجريين ـ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين ستأخذ هذه الظاهرة ابعادا اكبر، بحيث لا تقتصر هذه التأثيرات الآتية من خارج مصر على التأثيرات الاندلسية وحدها، وانما تمتد الى التأثيرات الشامية والمغولية ايضا. هكذا ستظهر التأثيرات الاندلسية في مئذنة قلاوون ممثلة في افريز المقرنصات الذي يعلو القاعدة، وكذلك في افريز العقود الزخرفية المحيطة بأعلى الطابق المربع الثاني، وايضا في كسوة المعينات الشبكية بالطابق العلوي للمئذنة. ونجد جانبا من هذه التأثيرات الاندلسية ايضا في الزخارف الجصية البديعة التي تزهو بها مئذنة الناصر محمد بالنحاسين. اما التأثيرات الشامية فإن العين لا تخطئها حيث تبرز في تجدد بالاهتمام بالقاعدة المربعة على نحو ما نجد في مئذنة فاطمة خاتون، التي لم يبق منها سوى القاعدة المربعة ذات النوافذ الثلاث المقصوصة التي تعلو فتحاتها عقود منكسرة، تحيط بها افاريز بارزة، وكذلك ظهر هذا التأثير ايضا في مئذنة قلاوون التي اشرنا اليها قبل قليل، ونرصده في قاعدتها المربعة على الرغم مما فيها من زخارف أندلسية. اما التأثيرات المغولية فتتجلى للعيان على نحو لا سبيل الى الخطأ بشأنه في مئذنة بيبرس الجاشنكير، التي كانت اول مئذنة في مصر تغطي قمتها ببلاطات القيشاني، كما نلاحظ تغطية خوذتي مئذتني الناصر محمد ببلاطات خزفية خضراء، وتزيين طابقيهما الاسطوانيين بدالات رأسية، هي عبارة عن ضلوع مموجة منكسرة كانت شائعة في قونية. روائع المماليك البحرية يحار المرء كيف يمكنه رصد عناصر التجديد والابداع في مآذن مساجد دولة المماليك البحرية. هل يمضي في تأملها مئذنة اثر الاخرى وهي تملأ خط الافق في القاهرة وتمتد الى قرافاتها؟ أم يحاول الوصول الى خطوط عامة تشكل ظواهر تجمع بينها تضاف الى الملامح السبعة التي رصدناها للمرحلة المملوكية بشقيها البحري والبرجي؟ من الجلي ان اعتماد المنهاج الاول لن يفضي الا الى طريق مسدود من حيث انه لن يعدو ـ في نهاية المطاف ـ ان يكون تكرار جزئيا لجهود سابقة توجد ثمرتها بين ايدي الناس بالفعل كما في كتاب «الدليل الموجز لأهم الآثار الاسلامية والقبطية في القاهرة» من تأليف دكتور ابو الحمد محمود فرغلي فدعنا اذن نعتمد المنهاج الثاني، من دون ان ننسى ان مقصدنا هور رصد هذه المآذن من منظور جماليات المكان. علينا ان نتذكر اننا عندما نتحدث عن عصر المماليك البحرية فنحن نشير الى فترة ليست بالقليلة من عمر الزمن، حيث يمتد هذا العصر من عام 648 الى 784 هجرية ـ 1250 الى 1382 ميلادية. من المهم ان نلاحظ انه في هذا العصر غلب على المآذن استخدام الحجر في تشييدها وهو ما سمح بالاستطالة في بدنها بطوابقه الثلاثة التي اصبح هذا البدن يتألف منها. هكذا فإن مسار التطور سيصل في نهاية هذا العصر الى ان نجد الجزء المربع من البدن وقد غدا قليل الارتفاع على نحو ملحوظ وتحسن الانتقال منه الى الجزء المثمن حيث تم اعتماد مثلثات ركنية، اما الجزء الثالث من البدن فهو عبارة عن جوسق يتكون من ثمانية اعمدة رخامية تحمل قبة بصلية على نحو ما نجد في جامع السلطان حسن وفي مئذنتي الطنبغا المارداني. اننا إذن امام مئذنة طراز مربع، مثمن، مستدير في آن، هو نفسه الطراز الذي كان على العمارة المصرية ان تجتهد قرنين من الزمان لتصل اليه والذي قال عنه كريزويل في اطار تعبير شهير انه لم ينشأ مكتملا فجأة وكأنه منقول عن طراز سابق، مثلما انبثقت اثينا من رأس ابيها زيوس مكتملة العدة مكتسية بدرعها. تتميز المآذن المصرية في هذا العصر بوجود الشرفة في منتصف الطابق المثمن بعد ان كانت نقطة التقاء تصل الطابق المثمن بالقاعدة المربعة، وكما سبق ان لاحظنا اختفت المبخرة التقليدية او الخوذة المضلعة ليحل محلها الجوسق القائم على الاعمدة والذي تتوّجه قبة صغيرة بصلية الشكل مدببة الطرف. وأنت حر بالطبع حسب ذوقك في ان تختار المئذنة التي تعدها النموذج الاروع والاكثر تجسيدا لجماليات هذه المرحلة، لكنني لو كنت مكانك لما ترددت في اختيار مئذنة مدرسة الملك الاشرف ابي النصر قايتباي المحمودي الاشرفي الظاهري، القائمة على يمين المدخل الرئيس للمدرسة، والتي تعد المئذنة الاروع بامتياز في هذا العصر، لعديد من الاسباب اولها رشاقة بدنها وحسن تقسيمه الى الطوابق الثلاثة ذات النسب المتوازنة، وكذلك سحر زخارفها التي تكسو الطوابق الثلاثة جميعا، وان تنوعت فأخذت شكل النقوش والخط في الطابق الاول، والحنيات المحاطة بصيغ الزخرفة النباتية الاندلسية في الثاني، وعناصر زخرفة الجوسق في الطابق الثالث. اضافات المماليك البرجية لم تذهب المماليك البحرية بالمسجد كله في تطوير المآذن المصرية، واما شاركهم بنصيب وافر نظراؤهم في عصر دولة المماليك البرجية، وهو العصر الذي لا ينقصه بدوره الامتداد زمنيا، حيث تواصل حكمهم من عام 784 الى 921 هجرية ـ 1382 الى 1517 ميلادية ولا ينقصه ايضا الثراء ولا التنوع. التطور الاكثر اهمية في مآذن هذا العصر هو ان البدن الاسطواني للمئذنة غلب على طابقها الاوسط، ووصل التناسق في نسبها وأشكالها المعمارية والفنية الى درجة عالية لم يسبق لها مثيل، من حيث الرشاقة والجمال وروعة المظهر. والاتجاه الى مخططات زخرفية بديعة الذي رصدناه في عصر دولة المماليك البحرية سيصل هنا الى ذروته حيث نجد ان المئذنة قد امتلأت بزخارف حجرية او رخامية تتميز بدرجة رفيعة من الروعة والابداع. هذا التطور الاخير هو، بالضبط، ما نجده في مئذنة الظاهر برقوق، وهي مئذنة ضخمة تشمخ في الطرف الشرقي من الواجهة الرئيسة لمدرسة وخانقاه الظاهر برقوق، وتتميز بالتناسب في ابعادها وكسيت دروتها الوسطى بقطع من الرخام متماثلة الشكل وذلك للمرة الاولى في هذا النوع من المآذن في مصر وتلاحظ ايضا الزيادة الملموسة في حطات مقرنصاتها، على نحو ما نجده ايضا في مآذن خانقاه فرج بن برقوق ومدرسة الاشرف برسباي ومسجد قايتباي بالقرافة الشرقية، وغيرها من المآذن التي شهدت لهذا العصر بالوصول الى قمة النضج المعماري والجمال. يضرب هذا النضج جذوره كذلك في التوفيق الذي حالف المعماريين في تجميل مآذن هذا العصر بالطاقات الركنية والمقرنصات والخوذات المضلعة او الدائرية المحمولة على اكتاف او عمد رشيقة، بالاضافة الى كسوف بعض قممها بالقيشاني في لمسة مغولية مستحدثة وتلبيس بعض ابدان درواتها الاولى بالرخام. هناك تطور اخر مهم نرصده في مآذن هذه المرحلة بالاضافة الى تفرع قممها لتصبح ذات رأسين او اكثر، وهو تضاؤل ارتفاع البدن المربع، لتصبح البطولة للجزء المثمن واختفاء المبخرة او الخوذة المضلعة كليا ليحل محلها الجوسق القائم على اعمدة والذي تتوجه قمة بصلية مستدقة الطرف. هكذا فإن الملمح النهائي الذي يصافح ابصارنا من مئذنة هذا العصر هو قاعدة مربعة قصيرة يعلوها بدن مثمن في اغلب الاحيان ينتهي بصفوف من المقرنصات الصغيرة التي تحمل شرفة الاذان ثم يأتي بعد ذلك الجوسق العلوي المثمن او المستدير ذو الجدران المصمتة او المفرغة، وتعلوه قمة على شكل قلة يتوجها غطاء كمثري الشكل. ملامح عثمانية هذا الطراز الذي يعلو ناهضا كسفينة في بحر الذاكرة اللجي سيظل هو السائد الى ان يطل العصر العثماني حيث سيعرف الخط الافق في القاهرة نوعا مختلفا من المآذن هو في جوهره استحضار مباشر للمآذن التركية التي شاعت في تركيا متطورة عن النمط السلجوقي. هذه المآذن العثمانية تتألف من قاعدة مربعة، يعلوها ـ فوق اربع مناطق انتقال هرمية ـ بدن مضلع مرتفع، يشتمل على شرفتين او ثلاث شرفات وينتهي بقمة مخروطية مدببة، غالبا ما كنت تجدها مكسوة بالرصاص. على نحو ما تجد في مسجد سنان باشا ومسجد الملكة صفية، ومسجد عثمان كتخدا وغيرها من المساجد. يعتبر الاختصاصيون ان مئذنتي مسجد محمد علي الجامع بالقلعة هما من اروع نماذج هذا الطراز الذي يتسم بالارتفاع المفرط، والبدن المتعدد الضلوع حتى ليكاد يبدو اسطوانيا والقمة المخروطية ذات الكسوة الرصاصية مستدقة الطرف، والشرفات الملتفة بالبدن محدثة بروزا خفيفا. وكثيرون هم الذين تروق لهم هاتان المئذنتان اللتان تتوجان مشهد القلعة، خاصة بعد الترميمات الاخيرة التي ادخلتها وزارة الثقافة المصرية. غير اني احسب اني لست منهم، وفي الطفولة عندما مضى عمي بي للمرة الاولى لرؤية القلعة ساورني شعور بأن يدا قاسية تمتد لتعتصر قلبي ولتلقي ظلالا تجرد الافق القاهري من لطافته ورهافته. في سنوات لاحقة عرفت، وأبناء جيلي، من التجارب والاسباب ما يدفعني الى الاشاحة بعيدا كلما اصطدم البصر بهذه القلعة المشيدة من دم والمتوجة على احزان الناس وجراحهم ومواجعهم وليغفر لي ربي اني كلما شاهدتها تذكرت الموت. واني لأرفع الاكف بالدعاء ان تكون المغفرة من نصيبي. ألم يقل اهل الحق ان الموت قمع هوى النفس فمن مات عن هواه فقد حي بهداه؟ ألم يعلمنا التهانوي ان الموت هو الحجاب عن انوار المكاشفات؟