تبرز على الساحة الإسلامية العديد من القضايا العام التي قد لا يناسبها الاجتهاد الفردي، بسبب تعقد العلوم وتداخل المصالح، بحيث أصبح الفقيه الوحيد لا يستطيع الالمام بمختلف جوانبها، ومن ناحية أخرى بسبب عمومية كثير من هذه القضايا واتصالها بأبعاد دولية أو ظروف واعتبارات تؤثر على المسلمين في مواقع عديدة، لكل ذلك تبرز ضرورة الاجتهاد الجماعي في حياة المسلمين اليوم. ولا شك أن تجديد الفكر الإسلامي يقوم في جانب منه على تفعيل هذا النوع من الاجتهاد، فما هو الاجتهاد الجماعي ؟ وما هي مجالاته ؟ وكيف يتم تكوين مؤسساته على نحو يحقق الغاية منه؟ وما هو رصيد الفكر الإسلامي المعاصر في هذا الميدان؟ إن هذه القضية شغلت نخبة من علماء المسلمين المهتمين بقضايا تجديد الفكر الإسلامي وبخاصة في مجال الفقه، ومنهم عبد الوهاب خلاف، ومحمود شلتوت، ومصطفى الزرقا، ويوسف القرضاوي، ومحمد الطاهر بن عاشور، وذكريا البري، وطه جابر العلواني، ووهبة الزحيلي، و جمال عطية، ومحمد سليم العوا. فقد تناولوا هذه القضية ـ بشكل متفرق ـ في كتبهم وأبحاثهم، مطالبين بضرورة الاهتمام بالاجتهاد الجماعي ومؤسساته، ولكن قليلة هي الكتب والدراسات التى تجعل من هذا الموضوع عنوانا رئيسا لها، ولعل من أبرزها: كتاب « الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي» للدكتور عبد الحميد السوسوة الشرفي. وقد عرض علماء المسلمين المعاصرين عدة مفاهيم للاجتهاد الجماعي لعل من أبرزها المفهوم الذي يقول أنه « استفراغ أغلب الفقهاء الجهد لتحصيل ظن بحكم شرعي بطريق الاستنباط، واتفاقهم جميعاً أو أغلبهم على الحكم بعد التشاور».. هذا التعريف يتبناه الدكتور عبد الحميد الشرفي ، موضحا أن الاجتهاد الجماعي يختلف عن الاجتهادي الفردي في كونه جهد جماعة وليس جهد فرد، وإن هذه الجماعة تكون أغلب العلماء المجتهدين أو أكثرهم. ويشير هذا التعريف الى أن الاجتهاد الصادر من جماعة لا يكون جماعياً بالمعنى المقصود، إلا إذا نتج عنه حكم متفق عليه من جميع أولئك المجتهدين أو من أغلبهم. أما إذا لم يتفقوا، وظل كل مجتهد محتفظاً برأيه واجتهاده، فلا يتحقق الاجتهاد الجماعي، وإنما تكون النتيجة مجموعة من الاجتهادات الفردية المختلفة. كما يبين أن هناك فرقاً بين الاجتهاد الجماعي والإجماع،فالإجماع يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على حكم شرعي، بينما الاجتهاد الجماعي يكفي فيه اتفاق مجموعة من العلماء المجتهدين أو أكثر العلماء المجتهدين، ولا يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين، وأيضاً يكفي في الاجتهاد الجماعي اتفاق أغلب المشاركين في الاجتهاد. ويشير هذا التعريف ايضا الى أن الاجتهاد الجماعي لابد أن يكون الحكم الصادر عنه قد أتى بعد تشاور أولئك العلماء وتبادلهم للآراء، وتمحيصهم للأفكار، ومناقشتهم للأقوال بطريقة شورية، من خلال وسيلة يحددونها (كالمجلس أو المجامع أو المؤتمرات أو غير ذلك) ، أما إذا حدث توافق بين آراء مجموعة من العلماء في حكم شرعي، وكان ذلك دون سابق تشاور بينهم حول ذلك الحكم، فإن هذا ليس اجتهاداً جماعياً، وإنما هو توافق في الاجتهاد. فضلا عن الاجتهاد الجماعي يلزم أن يكون مبنياً على الشورى، أما الإجماع فلا يشترط فيه تشاور المجتهدين، إذ لو حدث اتفاق جميع المجتهدين على حكم شرعي دون أن يسبق ذلك تشاور، صح الإجماع. ويرى الدكتور قطب مصطفى سانوا الأستاذ بقسم أصول الفقه بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ان ثمة مرتكزات ينبغى أخذها في الاعتبار عند تحديد مفهوم الاجتهاد الجماعي، وبعد مراجعته النقدية لعدة تعريفات ومفاهيم في هذا المجال، يرى ان الاجتهاد الجماعي هو « بذل الوسع العلمي المنهجي المنضبط يقوم به مجموع الأفراد الحائزين على رتبة الاجتهاد في عصر من العصور من اجل الوصول الى مراد الله في قضية ذات طابع عام تمس حياة أهل قطر أو إقليم أو عموم الأمة من أجل التوصل الى حسن تنزيل لمراد الله في تلك القضية ذات الطابع العام على واقع المجتمعات والأقاليم والأمة» وللاجتهاد الجماعي أهمية بالغة في التشريع الإسلامي، وتتجلى أهميته من خلال مجموعة الأمور التي يحققها، وأبرز تلك الأمورـ التي يرصدها الدكتور عبد الحميد السوسوة الشرفي ـ أنه يحقق مبدأ الشورى في الاجتهاد، كما أنه أكثر دقة وإصابة من الاجتهاد الفردي، وهو في الوقت نفسه يعوض عما قد تعذر علينا اليوم من قيام الإجماع، ويسد إلى حد كبير الفراغ الذي يحدثه غياب المجتهد المطلق.بالإضافة الى أن الاجتهاد الجماعي ييسر للأمة استمرار الاجتهاد، ويمنع أسباب توقفه أو إغلاق بابه، كما أنه يقي الأمة من الأخطاء والأخطار التي قد تنتج عن الاجتهاد الفردي، وهو أفضل نوعي الاجتهاد لمعالجة المستجدات في حياة الأمة، فضلا عن أنه يعد من أنجع السبل إلى توحيد النظم التشريعية للأمة ولكن هذه الأهمية للاجتهاد الجماعي لا تقلل من أهمية الاجتهاد الفردي ولا تلغي دوره فلا بأس أن يكون الاجتهاد فردياً في القضايا ذات الطابع الفردي، إذ أن الخلاف فيها لا يؤدي إلى اختلاف في القوانين العامة التي تنظم أحوال الأمة. وهناك ثلاثة أنواع من القضايا التي تتطلب اجتهاداً جماعياً، تحددها الدراسة،وهي : أولا: القضايا المستجدة ذات الطابع العام أو المعقدة أو المتشعبة بين عدة علوم. ثانيا: القضايا العامة التي سبق لأسلافنا أن اجتهدوا فيها، ولكن تعددت آراؤهم واختلفت اجتهاداتهم، وصارت حاجة الأمم اليوم إلى انتقاء ترجيح أحد تلك الأقوال، ليكون قاعدة قانونية يلتزم الجميع بها وتنظيم علاقاتهم. ثالثا: القضايا التي قامت أحكامها على أساس متغير كالقضايا التي قامت على العُرف أو المصلحة، أو كان لظروف الزمان والمكان دور في حكمها، مما يجعلها تتغير لتغير أساسها. وينبه الدكتور السوسوة الى أن الاجتهاد في المستجدات أكثر ضرورة في حياتنا اليوم، مما يوجب مواجهتها باجتهادات يبين فيها حكم الله، حتى يكون المسلم على بينة من أمره فيما يدع وفيما يذر، اتباعاً لشرع الله وامتثالاً لأمره. وإذا كانت المستجدات اليوم كثيرة، فإنها أيضاً ذات تعقيدات وملابسات وتداخلات بعلوم ومعارف أخرى، مما جعل الاجتهاد فيها يحتاج إلى علم موسوعي في التشريع الإسلامي والمعارف الإنسانية الأخرى، حتى يكون الاجتهاد في تلك القضايا متكاملاً وناضجاً ومستوعباً كل جوانب القضية المجتهد فيها، ويكون حكمه عليها صحيحاً. وهذا القدر الكبير من العلوم والمعارف لا يمكن توفره ـ في عصرنا ـ في عالم واحد، وإنما يحتاج إلى عدد من العلماء ليكمل بعضهم بعضاً. فالعالم المجتهد في العلوم الشرعية يكمله عالم متخصص متبحر في العلوم الإنسانية، وحتى لو افترضنا أن رجلاً لديه إلمام بكل العلوم، فإن تعرضه للخطأ أكثر احتمالاً من تعرض الجمع الكثير، لذلك فالاجتهاد الجماعي يكون أكثر إصابة للحق وأقل خطأ من الاجتهاد الفردي. وتتنوع القضايا التى تتطلب اجتهادا جماعيا وتتوزع في المجالات الاقتصادية والطبية والعلمية، والأخلاقية والمدنية والحربية والسياسية وكل ما له صلة بالحياة اليومية، ومن أمثلتها : ما يتعلق منها بالشركات، وأنواعها وأنظمة التأمين، والسياسات الشرعية في المستجدات، والقواعد الأساسية للحكم الإسلامي المعاصر، والقوانين الإدارية، والعلاقات الاقتصادية داخل العالم الإسلامي وخارجه، فضلا عن القضايا التى تتعلق بوسائل العلاج المتقدمة، وأجهزة الإنعاش، وأطفال الأنابيب وبنوك الحليب، والبنوك المنوية، وأيضاً الكثير من القضايا والأحكام المدنية والتجارية وقوانين البحار والعمل. د. محمد يونس