واذا كان جوهر الدين والاسلام في العقيدة الاسلامية هو الاستسلام والانقياد لله عز وجل وكل طاعة انقاد العبد بها لربه واستسلم فيها لامره فهي اسلام، واذا كان التوحيد هو جماع ذلك كله وهو هدف رسالة الاسلام فإن الانسان المسلم ليبلغ من اسلامه بمقدار ما يتمثل وحدانية الله ايمانا وشعورا، فأولى الدرجات ان يردد لفظها بلسانه وشفتيه ويتلو ذلك صعدا وان يغوص بفكره في معناها والى هنا يظل في مرحلة التعلم، فالمعلم يلقنه «قل هو الله احد» فيرددها المتعلم مرة او مرتين او الف مرة ثم يشرح له المعلم معناها فيعي المتعلم ما شرح المعلم، فهذا المتعلم قد حفظ ووعى معنى ما قد حفظه لكنه لا يدري ماذا يصنع بما قد حفظ ووعي وعندئذ تأتي الخطوة التربوية على ايدي والديه ومعلميه او عن طريق تأمله هو في ذاته اذا اراد الله له خير وهدى وذلك بأن يتحول المعنى المحفوظ والمعلوم الى ضمير وهذا الضمير هو ما استخلصناه لانفسنا مما وعيناه وعشناه، ولقد استخلصناه اما من خبرتنا نحن المباشرة او مما علمنا اياه اباؤنا ومعلمونا فأضمرناه في نفوسنا لنحمله معنا اينما توجهنا فنكون بمثابة من حمل معه دليلا هاديا يرشده الى سواء السبيل اذا ما اشكل عليه الامر في موقف من مواقف حياته، وهكذا تتحول عقيدة الاسلام بالتربية الى ضمير يكون المسلم به مسلما فيما يدع ويختار في كل اموره وذلك لان الانسان حر في اختياره بين البدائل المطروحة لكنه يدفع ثمن هذه الحرية باهظا وهو مسئوليته عن هذا الاختيار حيث تقع عليه التبعة ان خيرا فخير وان شرا فشر. فالفرد المسلم الذي اصبحت العقيدة بمفهومها الشامل تشكل سلوكه بكل ما يشمله من فعل وقول وعمل هو النواة الاساسية والرئيسية للدولة الاسلامية ومثل هذا الفرد يساعد الدولة في اداء وظيفتها التربوية كما انه هو الهدف من قيام الدولة ومن العملية التربوية ايضا وذلك لان بناء الفرد مقدمة ضرورية لاقامة المجتمع العقيدي او الحقيقة البشرية التي تشكل الجسد السياسي للدولة، وبالتالي تتوقف قوة الدولة ونجاحها في وظيفتها التربوية بقدرتها على تربية الانسان وتنمية قواه وملكاته العقلية والنفسية والجسدية والوصول بها الى اقصى قدر ممكن من كماله وسعادته، وقد عن الاسلام بيقين العقيدة وترسيخ الايمان حتى اذا فرغ من ذلك جاء جانب العمل وهو التجسيد الحي للايمان فلو وقفت الحياة عند حدود النوايا والتصديق القلبي لما قام لها امر ولا صلح لها حال والعمل يعني السلوك بكل انواعه وصوره سواء كان سلوكه مع الله في مجال العبادات او سلوكه مع البشر في مجال المعاملات. ومن ناحية اخرى فإن قوة الدولة وقوة اقتصادها يتوقفان على ما تتمتع به هذه الدولة من طاقة بشرية رفيعة المستوى من حيث كم هذه الطاقة ونوعها ومدى تنظيمها بحيث تشكل هذه الطاقة البشرية من خلال تدريبها وتعليمها وتنميتها فريقا متكاملاً مع المجتمع الذي ينتمون اليه وحينئذ لا يكون عددهم في الحقيقة مجرد مجموعة اعداد او ارقام بل يكونون قوة مادية ومعنوية تعمل على رفع مستوى الأمة ودعم حضارتها العلمية والفكرية، وقد جاء الحديث عن الوظيفة التربوية للدولة في تراثنا من خلال الحديث عن الدولة او الامامة ومهامها وشروط الخليفة ومسئولياته والقيمة التربوية لهذه الشروط وتلك المهام. أحمد عرفات القاضي