العسل شراب من أشربة الجنة، ولكن ذلك الشراب لم تتدخل فيه صناعة المخلوقات، بل هو خلق مبتدأ على شكل نهر بل أنهار لا تتوقف ولا تنقص ولا تنضب قال تعالى: «وأنهار من عسل مصفى». أما عسل الدنيا فقد باركه الله تعالى، وجعل فيه شفاء ومن على العباد بهذه النعمة العظيمة فقال تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون) 68 ـ 69 النحل. فالله سبحانه يرينا كيف سخر لنا أصغر الحشرات وجعل ما يخرج من بطونها نافعاً لنا وشفاء لأمراضنا، والله سخر هذه النحلة لتطوف على كل الثمرات والأزهار ثم تطبخه في مصنعها الذي أودعه الله فيها فينقلب ذلك الرحيق عسلاً سائغاً لذة للشاربين. والنبي صلى الله عليه وسلم أحب العسل وأوصى بشربه والتداوي به كما جاء في الصحيحين انه كان يعجبه الحلواء والعسل وكان يقول: «ان كان في شيء شفاء ففي ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية بنار، وما أحب ان أكتوي». أخرجه الشيخان وغيرهما. وتأكيداً لهذا الاعتقاد تمسك النبي صلى الله عليه وسلم بهذا لما جاءه رجل فقال: يا رسول الله ان أخي استطلق بطنه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسقه عسلاً فسقاه ثم جاءه فقال: اني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقا، فقال له ثلاث مرات ثم جاءه الرابعة فقال: اسقه عسلاً، فقال: لقد سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق الله وكذب بطن أخيك». قال العلماء في معنى هذا الحديث إما انه يجب ان يستمر في سقيه أكثر حتى يعطي العسل مفعوله في ايقال الاستطلاق، أو ان المرض الذي عنده ليس استطلاقاً، بل هو مرض آخر. أما العسل في ذاته فهو شراب عجيب في شرابه والتداوي به، فالعسل غذاء مركز يتمثل في الجسم بسهول، ويهضم خلال ساعتين أو أقل، ولا يتعب الكبد برغم السكر الذي فيه كما انه المثالي لا يضر مرض السكر وهو يمنح الجسم الدفء والحركة والنشاط وينفع في مداوة علل كثيرة. قالوا عنه في الطب القديم: ان أجود أنواع العسل للتداوي هو الأحمر اللون الزاهي الطيب الرائحة الصافي الشفاف، فإذا كانت رائحته ضعيفة أو لونه غير مريح أو كان غير شفاف فهو مغشوش، وهو مفتح للعروق وإذا سخن بدهن الورد ينفع السعال، واردئ العسل ما رعى نحله السعتر والبرسيم، وكل السكريات تضر الأسنان إلا العسل فإنه يحفظ عليها صحتها، وإذا عجن العسل بالرواند الطويل نفع الجراحات القديمة المهترئة وأنبت اللحم فيها. وفي الطب الحديث قالوا عن العسل: ان فيه 15 نوعاً من السكر، وفيه نسبة عالية من البروتين والمعادن والخمائر والنتروجين والحوامض والزيوت الأثيرية والمواد القطرانية وهو مليء بفيتامين ب 1و ب2 وب5 وب6 وج وقالوا أيضاً: البكتيريا لا تعيش في العسل ولذا لا يفسد لاحتوائه على مادة البوتاس، وإذا دهنت به القروح شفاها، وهو أحسن علاج لحفظ الحيوية ونضارة الجلد والوجه، ويفيد جداً في نمو الأطفال وهو نافع للكبد والكليتين والالتهابات في المعدة والسل الرئوي وضيق النفس والنزلات الصدرية ويفيد في الأمراض التي تصيب الكليتين المصحوبة بالصديد وكذا قرحة المعدة، وأما الغذاء الملكي منه فهو مقوي جداً ومنبه ومنشط خاصة في الضعف الجنسي، بل ان سمة عندما يلسع ينفع من الروماتيزم وكذلك ينفع في الزكام الذي لا ينقطع إذا تعرض المريض للسعات النحل. وهذا كله مصداق قوله تعالى: «يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس» وسبحان الله خلق الداء وخلق الدواء وما على البشر إلا البحث والمتابعة. د. أبو بكر علي الصديق جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا