على البحر الميت في جنوب الاردن تقع الكرك وهي منطقة زادت اهميتها الى درجة عالية في العصور الوسطى عند ما كانت الحملات الصليبية في اوجها. وشهدت معارك عنيفة في عهد الايوبيين على وجه الخصوص بين المسلمين والصليبين امتدت لعشرات السنين ويقال انها امتدت لاكثر من ستة عقود. وما اكسب الكرك اهمية استيراتيجية وجود القلعة فيها ويعود تاريخها الى القرن التاسع قبل الميلاد وقام ببنائها ملك مؤاب ميشع قيدار للعبادة وبعد ذلك توالى عليها الحكام والدول على مر عصور التاريخ الطويلة وفي اطار خطة الصليبيين التي تهدف الى احكام السيطرة على المناطق القريبة من القدس او المحيطة بها قاموا باحتلال قلعة الكرك واعادوا بناءها في العام 1115 ميلادية. منذ العام 1169 ميلادية عين على الكرك حاكما صليبيا يسمى فيليب ديميليس وسكن الكرك بصورة دائمة لكنه تنازل عن الحكم لابنته التي تزوجت ارناط وهو الامير ريونالددي شتيلون وجعل الاخير من قلعة الكرك قاعدة لانطلاق الحملات الحربية ضد المسلمين وخصوصا القوافل التجارية بين مصر والشام وقوافل الحجاج. وحاصر صلاح الدين الكرك في العام 1189 واستولى عليها الا ان القلعة استعصت عليه بعد حصار دام لمدة ثلاثة اسابيع وهدمه لبعض سقوف ابنيتها وابراجها وقام بالاستيلاء على القلاع التي تقع على طريق القوافل التجارية والحجاج ليعود الى تحرير قلعة الكرك فيما بعد. ومن القلاع التي سيطر عليها قلعة الربض والشوبك في عجلون واحتل طبريا. وشكلت انتصاراته تهديدا للمماليك الصليبية في الساحل السوري وفلسطين فاستنفر الصليبيون وشعروا بالقلق فهبوا لمواجهة صلاح الدين وقتاله فاستدرجهم الى حطين في غور بيسان في يوم شديد الحرارة في صيف العام 1187 ميلادية واحكم سيطرته على عيون الماء ولم يسمح للجيوش الصليبية ان تتخذ مواقعها وقام بشن هجوم مفاجئ عليها فانتصر عليهم نصرا كبيرا فهربوا الى الساحل السوري وفي العام نفسه حرر المسلمون بيت المقدس نتيجة انتصار صلاح الدين في معركة حطين. ثم توجهت قوات المسلمين بعد ذلك الى الكرك وحاصرت القلعة بقيادة الملك العادل وهو شقيق صلاح الدين واستمر الحصار لمدة عام ونصف حتى استلمت في العام 1188 ميلادية. وفي عهد الملك العادل الذي حكم الكرك بعد وفاة صلاح الدين شهدت القلعة ترميما واعادة بناء للعديد من اجزائها فبنيت الاجزاء السفلى من البرج الجنوبي وبني فيها مسجد ومدرسة وسجن. وبعد سقوط عدد من ابراج قلعة الكرك في العام 1211 نتيجة زلزال عنيف ضرب المدينة قام الملك عيسى بن العادل باعادة بناء ما تهدم وجددت اجزاؤها في عهد الملك ناصر داود الذي حكم من العام 1226 الى العام 1249 ميلادية ورممها وأضاف اليها ايضا القاعة الناصرية ودار السلطنة وهو مقر الحكومة ومستشفى لعلاج المرضى. واعادة الملك المغيث عمر اعمار القلعة بعد زلزال آخر ضربها في العام 1461 ميلادية ادى الى انهيار العديد من المباني في القلعة. ولكن القلعة لم تنعم بالاستقرار والسلام لفترة طويلة فبعد الحروب التي شهدتها بين المماليك والصليبيين كتب لها ان تشهد الصراعات التي نشأت بين الايوبيين والمماليك ابان حكم المماليك لمصر حاول الايوبيون استعادة ملكهم هناك. ونتيجة لذلك شن الظاهر بيبرس حملة على القلعة في العام 1262 ميلادية ودخل اليها ليقضي على الملك المغيث وينهي حكم الايوبيين في مدينة الكرك. اهتم الظاهر بيبرس بحماية طريق القوافل والحجاج وعهد الى القبائل العربية بذلك ونقل الى القلعة العديد من الذخيرة والخزائن الخاصة به وصارت خزانة للاموال في عهد المماليك والى سجن في الوقت نفسه. وتوالى على الكرك بعد بيبرس سلاطين المماليك قلاوون والاشرف خليل والناصر محمد بن قلاوون ورمموا الكثير من اجزاء القلعة التي كانت الزلازل المتوالية قدرا ملازما لها. وفي عهد الحكم العثماني حكم الكرك ناصيف باشا لكنه حاول الاستقلال عن الدولة العثمانية فقام والي دمشق باحتلال الكرك واعدم ناصيف باشا. وضرب ابراهيم باشا القلعة بالقنابل في العام 1839 مما ادى الى نسف العديد من الاجزاء فيها وألقى العثمانيون ببعض زعماء الثورة الذين حاولوا الاستقلال عن الدولة العثمانية من أعلى القلعة واعدموا البعض الآخر وكان ذلك في العام 1910. وتتكون القلعة من سبعة طوابق وطولها 22 مترا من الجهة الشرقية و24 مترا من الجهة الغربية وحولها تقع ابراج مربعة لتحميها ويبلغ ارتفاع اكبر هذه الابراج 36 مترا. وجدد بناء الاخير في عهد المماليك وفي عهد الظاهر بيبرس تحديدا. والقلعة بجملتها بناء في غاية الضخامة وبناها الصليبيون اولا بصورة متطورة وقام بعد ذلك المسلمون باعادة بنائها وترميمها وكان يسكنها القائد العسكري والعديد من افراد الجيش لذلك صممت بطريقة تناسب هذا الغرف وتستوعب كل هذه الاعداد من الجنود. وكانت تضم ايضا أجزاء واسعة لاستيعاب الناس الذين يلجؤون اليها في اوقات الحروب والحصار. ويعتبر الخندق الشمالي من ابرز معالم القلعة وهو تقليد معماري كان متبعا في العصور الوسطى في سبيل حماية القلعة من هجوم الاعداء. وعرض هذا الخندق يتراوح ما بين 16-23 مترا وعمقه يتراوح ما بين 16 الى 18 مترا. وسورها الشمالي طوله 12 مترا واقتحموا بوابة في جداره الشرقي في العام 1963 تؤدي الى داخل القلعة. اما السور الغربي فيبلغ طوله 205 امتار ونحتت حجارته بطريقة جيدة وفيه المدخل الرئيس للقلعة من الجهة الغربية ويعود تاريخ هذا السور الى الفترة الاسلامية وهو يمتد لمساحة معينة ينعطف بعدها نحو الغرب. والسور الجنوبي يبلغ طوله 90 مترا وينصرف باتجاه الداخل والخارج ويفضي الى مدخل سري للقلعة صوب جهة الغرب. اما السور الشرقي لقلعة الكرك فطوله 170 مترا وفيه اربعة ابراج من الشمال الى الجنوب وفي هذه الابراج قواعد لاطلاق السهام لردع اي عدوان محتمل وفي القلعة ايضا حوض مستطيل الشكل يملأ بالماء لتأمين احتياجات القلعة. وتقع القاعات في الطابق الاول من القلعة ومنها القاعة الغربية وقاعة النعاس التي تضم نوافذ تطل على القدس والخليل.واكثر التحصينات منعة تقع في جنوبي القلعة وتمتد الى طول 35 مترا من الشرق والغرب وفيها قواعد لاطلاق السهام. وتعتبر الآثار الصليبية في القلعة قليلة بعد ان قام المسلمون بالسيطرة عليها واعادة بنائها وترميمها. وتتميز قلعة الكرك بتاريخ حافل وبتعاقب العديد من الملوك والحكام عليها وشهدت اقوى الحروب التي شنها المسلمون على الصليبيين واضفاء الطابع الاسلامي عليها وجعلها جزءا لايتجزأ من روعة المعمار الاسلامي والحضارة الاسلامية. اميمة وجيه