وردنا سؤال يقول فيه صاحبه: ما معنى الحديثين التاليين: الحديث الأول: عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلْقٍ» رواه مسلم. الجواب وبالله التوفيق: المعنى والله تعالى أعلم: لا تستهن أو تستصغر شيئاً من المعروف ـ وهو ما يستحسن شرعاً ولو كان يسيراً؛ كأن تلقى أخاك المسلم بوجه طَلْق ـ أي متهلل بالبشر والابتسام والسرور للقائه؛ لأن الظاهر عنوان الباطن. ولُقيا المسلم أخاه بهذه الصورة يشعره بمحبته وفرحه بلقائه. والمطلوب من المؤمنين التواد والتحاب.. ومثله حديث «اتقوا النار ولو بشق تمرة» رواه البخاري. والله تعالى أعلم. الحديث الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم» رواه مسلم حسن مصطفى - دبي الجواب وبالله التوفيق: هذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن الحكمة في خلق الزلل والذنب في الإنسان؛ وهي إشعاره بأن له ربّاً يأخذ بالذنب ويعاقب عليه، فيرجع إليه متذللاً خاشعاً طالباً العفو وقبول توبته فيكسر بذلك شموخ أنفه وترفعه وإعجابه بنفسه، ويجعله يشعر بالعبودية لله رب العالمين، ويقوم اعوجاج نفسه بنفسه، ويعترف لله بنقصه وحاجته إليه. وذلك دليل العبودية وتقوى الله عز وجل، كما في قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون) وليس معنى الحديث الدعوة إلى الذنب، ثم التوبة منه، لأن ذلك دعوة إلى المعاصي، والله إنما يأمر بالعدل والإحسان، ويأمر بالطاعة وينهى عن المعصية.. كما تدل على ذلك الأدلة المتكاثرة في الكتاب والسنة. والله تعالى أعلم. الجواب وبالله التوفيق: البدعة في اللغة: اختراع الشيء على غير مثال سبق، ومنه قوله سبحانه: (بديع السموات والأرض) أي مبدعهما ومحدثهما من العدم، وأما في الاصطلاح، فهي قسمان: بدعة هدى، وبدعة ضلالة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فما كان في خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله تعالى إليه وحض عليه الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح، وقد قسم العلماء هذا النوع إلى خمسة أقسام: 1 ـ بدعة واجبة: كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن حفظ الشريعة واجب، ولايتأتى حفظها إلا بمعرفة ذلك، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.. ومثل ذلك سائر العلوم الشرعية التي يتم بها الحفاظ على أصل الشريعة، أو العلوم التي تحتاج إليها الحياة. 2 ـ بدعة محرمة: كاختراع الأفكار الهدامة لدين الله تعالى كالقدرية والجبرية والمجسمة. 3 ـ بدعة مندوبة: كإحداث الربُط والمدارس والاجتماع على إمام واحد في صلاة التراويح. 4 ـ بدعة مكروهة: كزخرفة المساجد، والتباهي بها ونحو ذلك. 5 ـ بدعة مباحة: كالتوسع في ملذات الطعام والشراب واللباس ونحو ذلك. وهذا التقسيم لسلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتابه قواعد الأحكام 2/172 وتبعه كل من أتى بعده من محدثين وفقهاء وغيرهم كابن الأثير في النهاية1/106. والحافظ ابن حجر في الفتح 13/254 وهو تقسيم استقرائي وله ما يدل عليه من نصوص السنة المشرفة. ومن ذلك ما ورد عن سيدنا عمر رضي الله عنه من قوله في جمع الناس على صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه» كما أخرجه البخاري وذلك لأن هذا الفعل لما كان من أفعال الخير وداخلاً في حيز المدح سماه بدعة ومدحه، ومثل ذلك كل ما كان مندرجاً تحت أصل عام من أصول الشريعة.. وإذا كانت البدعة بدعة ضلالة فإن إثمها كبير كما قال صلى الله عليه وسلم: « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» وهي معصية من جملة المعاصي منها الكبيرة والصغيرة، ولكن قد تكبر الصغيرة إذا استمر العمل بها وهو ما يكون في بدعة السوء.عياذاً بالله تعالى من ذلك. إذ لاصغيرة مع الإصرار كما لاكبيرة مع الاستغفار. والله تعالى أعلم.