بيان الصائم: شغلت شبكات الانترنت انظار العالم، فغدت لغتهم وأحاديثهم وتسليتهم وأصبحت مجالا مفتوحاً لبث جميع الأفكار والآراء دون قيود، فتواصل القاصي بالداني، وبها تواصل التلميذ بالدكتور الجامعي ورجل الأعمال برجل الشارع العادي، فلم تعد القيود مفروضة بشكلها القديم على المعلومة وتدفقها، ولم تعد هناك أبواب يقف عندها بوابون يسألونك اتجاهك الى أين ومن تريد؟ المجال اصبح مفتوحا امام طائرة المعلومات.. وأضحى الأشخاص المتعاملون والمتواصلون مع تلك الشبكات المعلوماتية في تزايد.. فالانترنت اصبح نظاما عالميا قائما بذاته. ومن خلال هذه الشبكة العنكبوتية المفتوحة نأخذك يوميا عزيزي القاريء في قصص مثيرة وقعت في ازمنة متفرقة ولكن بفضل شبكة الانترنت استطعنا ان ندخل ونتداخل في أحداثها.. فهل تجرب معنا هذا الدخول المشروع في أوراق التاريخ؟ وزاد أيها الاعزاء هذا القصص زيادة متدفقة في وفرة جعلت رد الفعل يسرع إلى الظهور، وإذا الناس وقد ملّوا هذا القصص الشهرزادي الشرقي بعد أن عاشوا أعواماً على الوفرة الزاخرة منه، إذا الناس يؤلفون إما ساخرين من شهرزاد تلك، أو رامزين بقصصها إلى ما يريدون من قول الحق في عهد أزهقت فيه الحريات، أزهقها سلطان الملك والكنيسة. وكما ألف الكاتب الفرنسي مونتسكيو مجموعة رسائل فارسية لينقد نظام الحكم ومجتمعه على لسان فارسي، أو كما ألف الكاتب الانجليزي سويفت Sweft رحلات جالفر Gulliver لينقد المجتمع اللندني وأهل بلده من خلال نقده لعجائب الآدميين الذين صادفهم في رحلاته، فكذلك نقد كثيرون مجتمعهم من خلال أقاصيص شهر زاد، ففي تحليقات الخيال وتهويمات العاشق بين جوف الأرض وعنان السماء استطاع قلم الكاتب الحر أن يصور سوء الحال من بين قضبان الكنيسة والملك، فقص هاملتون «زهور الشوك» ثم قصة «الكباش»، وأخذ «كريبيون» يُنطّق شهر زاد بأحلى القصص وأتفهها والملك الغافل المستغفل يعلق تعليقات الغفلة في أوجها، وهو لا يكاد يقول إلا ما أحس الشعب أن ملكه المغفل جدير بأن يقوله في زمانهم. ـ قال هانز بعد أن هز رأسه طرباً ونشوة بما يسمع.. إنك رائعة يا دكتوره، لقد أدركت الآن كيف استفدنا من شهر زاد، وكيف استطعنا من خلالها ان نمرر ما نريده دون ان ينتبه الرقيب، سواء أكان ذلك عن طريق حكايات اللصوص والشطار أو العامة والنبلاء. ـ هذا ما أردت الوصول إليه ايصالكم والآخرين إياه، فالتاريخ قد لا يسجل أحداثاً بعينها ولكنه ربما يترك ظواهر تدلنا على أثر، والمهمشون في كل المجتمعات قديمها وحديثها ليسوا إلا إفرازا مجتمعياً علينا أن نخصه بالدراسة والبحث، وما تفعلانه الآن بالتأكيد ليس إلا قناعة داخلية تسكنكما بأن خير وسيلة للوصول إلى أصل الأشياء ومعرفتها هو البحث والدراسة، لهذا أبارك تلك الخطوات الصادقة، وأنا على استعداد لتسجيل شهادة تاريخية لكما بأنني رهن إشارة البحث والدراسة والإفادة بكل ما تسعيان له. وأنصحكما ان تبحثا عن اسم الأستاذ إبراهيم محمد الفحام كي تستزيدا من علمه. كانت كلمات الدكتورة زادنا لمواصلة رحلتنا المثيرة في دنيا الصعاليك والشطار ومن كتب عنهم أو تناولهم بالذم أو المدح، لهذا لم نُكذّب خبراً، فبحثنا عن اسم الدكتور الفحام، وكانت دهشتنا كبيرة، فقد وجدناه من خلال نص له نشرته مجلة العربي الكويتية في عددها (22) الصادر في العام 1960 تحت عنوان في مسامرات العرب. ـ سألت الأستاذ ابراهيم الفحام عن سر هذا المقال، فقال: ـ انه العشق القديم الذي يسكنني، فأنا شغوف ومتابع ومطلّع للحكايات والمسامرات القديمة، وحكايات الشطار والصعاليك جزء لا يتجزأ من تلك الفنون الحكائية القديمة التي أصبحت تراثاً يجب ان ننقب فيه ونبحث في عوالمه. ـ قال هانز متعمداً: إذن أنت لا تستثني في ذلك شعوباً بعينها وتتحدث عن التراث بشكله المطلق؟ ـ نعم أيها الصديق، فأنا أتكلم عن التراث الإنساني، ولكني أنطلق من خصوصيتي أولاً، ومن ثم أتلاقى عبر نقاط التماس وأتواصل مع التراث بشكله العالمي، فمثلاً تزخر الآداب الغربية بألوان من القصص البوليسي تدور بطولاته المثيرة حول رجال ذوي أهواء جامحة، أوتوا من الجرأة وسعة الحيلة، ما جعل سيرهم مثال متعة للقراء وإعجابهم، وبرغم ان تلك البطولات لا تقوم على غير التفنن في أساليب التلصص والاحتيال، إلا ان مؤلفيها قد برعوا في ان ينفثوا فيها نفثات النخوة والإقدام، ضاربين بذلك على وتر خفي خطير، تحنو عليه نزعات البشر. .. وغداً نكمل