إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب ان يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. أما مجال الابتداع الحقيقي فهو الدنيا وشئونها وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، ولهذا حين انتكس المسلمون وساءت حالتهم وفسد أمرهم وانحل مجتمعهم وأصبح الأمر الطبيعي عندهم معكوساً والوضع مقلوباً فوقفوا في شئون الحياة جامدين كالحجارة أو أشد جموداً لا يبتكرون ولا يخترعون ولا يكتشفون، شعارهم: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وأما في الدين فاخترعوا وابتدعوا من صور التعبد ما لم يأذن به الله، ولم ينزل به سلطاناً. وتحريم الاسلام الابتداع في العبادة وتشديده في الأمر باتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد حفظ على المسلمين عباداتهم وصانها من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان. فالعبادات الاسلامية واحدة في جوهرها في كل مذهب من مذاهب الاسلام، الصلاة عند جميع المسلمين منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، عند السنيين والشيعة هي هذه الأقوال والأعمال المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، خمس صلوات في اليوم والليلة في كل صلاة عدد معين من الركعات وفي كل ركعة تلاوة وأذكار وركوع وسجودان عند الجميع ولكل صلاة شروط متفق عليها من الطهارة وأخذ الزينة واستقبال القبلة، والصوم عند جميع المسلمين يتمثل في هذا الشهر العربي رمضان ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين يوماً، يبدأ كل يوم من طلوع الفجر وينتهي عند غروب الشمس، وهكذا الزكاة والحج، كلها عبادات محددة معروفة بتفاصيلها منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر القاطع جيلاً عن جيل وهذه ميزة لعبادات الاسلام لم يظفر بها دين من الأديان فكل العبادات في شتى الديانات قد عدت عليها الأيام وخضعت لتحريف السدنة وألاعيب الكهنة وغلو العامة ولم تجد من يقول للمبتدعين: قفوا عند حدود الله ولا تشرعوا ما لم يأذن به الله. وهل يستطيع أحد ان ينكر على الكاهن إذا ابتدع أو غير وفي يديه مفاتيح الجنة وملكوت السماء؟ انه يستطيع ان يطرد من رحمة الله من شاء ويدخل فيها من شاء ويبيع من قراريط الجنة ما يشاء أما الإسلام فقد نفى في أول الأمر فكرة الكهنوت واحتكار أسرار الملكوت وجعل أمر العبادة في أيدي المسلمين جميعاً ورفضهم حراساً عليها وأوصاهم ان يتبعوا ولا يبتدعوا وان يأخذوا على يد كل محرف كائناً من كان. إن بعض المسلمين في بعض الأزمنة قد ابتدعوا في دينهم ما لم يجئ به كتاب ولا سنة ولكنهم وجدويء في كل عصر من يجهر فيهم بالحق ويردهم إلى سواء الصراط ويحيي فيهم السنة ويطارد البدعة تصديقاً لوعد الله الذي وعد به هذه الأمة الخاتمة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها». على ان الذي امتاز به الاسلام بلا ريب ان شعائره وعباداته الأصلية بقيت سليمة في جوهرها مصونة من التحريف والتبديل. قال أبو بكر رضي الله عنه: لست تاركاً شيئًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى ان تركت شيئاً من أمره ان أزيغ، وقد خطب عمر رضي الله عنه الناس فقال: أيها الناس قد سنت عليكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة إلا ان تميلوا بالناس يميناً وشمالاً، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا يعمقوا وعليكم بالعتيق ـ المأثور الموروث ـ خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون». وقد وقف أئمة الاسلام في وجه كل بدعة يراد لها أن تظهر في عبادة الناس لله حتى وان بدت صغيرة في عين الرائي ولكن الصغير يجر إلى الكبير ومعظم النار من مستصغر الشرر. يقول الإمام مالك: من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم ان رسول الله صلى الله عليه قد خان الدين، لأن الله يقول: «اليوم أكملت لكم دينكم» فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم دينا». فإذا كان الدين قد أكمله الله وأتم به النعمة فلا مجال فيه لإحداث زيادة لأن الكامل لا يقبل الزيادة ومحاولة الزيادة عليه اتهام له بعدم الكمال. وبالله التوفيق.