«موت بائع جوال» مسرحية تدخل ضمن الفئة التي وصفها النقاد بأنها الدراما الاجتماعية وربما خرج هذا الفصيل من اعمال الفن المسرحي المعاصر من عباءة المبدع النرويجي هنريك ابسن، الذي يمكن ان يقال عنه انه انزل الدراما ـ التراجيديا المأساوية بالتراث ـ من سموات الهة الاغريق وشخوص ابطال الاساطير الى ارض الواقع حيث معاناة البسطاء ومأساة الناس العاديين في عام 1949 كان اول صدور لمسرحية «موت بائع جوال» ولعل عنوانها هذا ينبيء بدلالة لا تخفي عن هذا الاتجاه المحدث في صوغ التراجيديا المسرحية حيث البطولة لا يضطلع بها ابن ملك اسمه اوديب او هاملت ولا حاكم مطاع مثل اجاممنون ولا عاهل محبوب مثل ماكبث البطولة مسنده الى بياع بسيط لا يملك دكانا وليس له مستودع او مستقر بل هو يجول بسيارة عتيقة في دروب امريكا واريافها يعرض بضاعته على المشترين، مكان الرواية هو منزل كئيب في حي بروكلين الفقير من نيويورك وتدور احداثها عى مدار 48 ساعة لا اكثر. المبدع آرثر ميللر واحد من الاعلام المعاصرين لفن الدراما المسرحية في الولايات المتحدة والعالم ولد عام 1915 ومازال ناشطا رغم تقدم العمر يدلي بآرائه بين حين وحين في قضايا الفن والفكر والمجتمع وثمة فيلم درامي جديد حول حياته واعماله يعرض حاليا في دور السينما في نيويورك وقد استمد آرثر ميللر شهرته بين اقرانه من امثال وايلدر وايوجين اونيل، اولا لانه كاتب مسرحي موهوب وثانيا لانه تزوج في مرحلة من حياته ـ عقد الستينيات ـ ممثلة الاغراء السوبر شهيرة في ايامها ـ مارلين مونرو وكان زواجا يجسد ـ كما قال النقاد ايامها ـ ارتباط موهبة الابداع وفن الغواية، درس آرثر ميللر علوم الصحافة في جامعة ميتشجن وانضم الى صفوف اليسار الامريكي ومن ثم حاقت به ملاحقات الاضطهاد ايام المكارثية (نسبة الى السناتور مكارثي) التي طالما طاردت العناصر التقدمية من فناني امريكا ومبدعيها في منتصف عقد الخمسينيات حيث وجهت اليهم تهمة القيام بأنشطة لا امريكية (بمعنى معادية لامريكا) ناهيك عن تهمة الشيوعية ومع ذلك فقد ظل المسرحي ميللر مصنفا بوصفه ماركسيا ينتقد شرور الرأسمالية او انسانيا يكشف معاناة الفرد في المجتمع. اصل الحكاية آرثر ميللر ابدع مسرحيته في فصلين تعقبهما ترنيمة عزاء. يفتح الستار في الفصل الاول على يوم من ايام عام 1942 (كانت الحرب العالمية الثانية تدور رحاها) واذا ببطل الرواية الرئيسي ويللى لومان يحكي آلامه ويبث للدنيا شكايته: هو جوال يعمل مندوبا لمبيعات شركة «واجنر» للاقمشة والملبوسات طالما ذرع اراضي الارياف في منطقة نيو انجلاند (شمال شرقي الولايات المتحدة) لكن ها نحن نراه وقد تملكه الاجهاد وانخفضت قدرته على ترويج المبيعات، لا عجب ان قطع رحلة عمل جديدة كان يخطط للقيام بها في سيارته العتيقة وعاد الى مسكنه في تلك البيت الصغير الكئيب في ضاحية بروكلين الفقيرة جنوبي نيويورك. كم تغيرت احوال الدنيا لتضفي الكآبة والقتامة على كل شيء.. المكان .. الضاحية.. البيت.. نفسية البشر وعلاقات الناس، زمان كان البيت محاطا بعدد من الاشجار لكنه اصبح محاطا بل محاصرا بعدد من البنايات السكنية واهرامات من الاسمنت الرمادي المسلح تصدم العيون بمرآها وقد تخللتها مئات النوافذ فأضفت عليها طابع زنزانات السجون.. لا عجب ان يحاول بطل المسرحية البائع الجوال، ويللى» الهرب من هذا الواقع الرمادي الكئيب الى حيث الماضي الذي كان في نظره اجمل واكثر اشراقا واوفر وعودا، صحيح انه يحكي لزوجته ليندا عن وقائع الحاضر ومشاكله ولكنه يحن بين لحظة واخرى الى الماضي القريب بالتحديد عام 1928 ايام كان موفور الصحة والحيوية والشباب (يلاحظ ان عام 1928 هو السابق مباشرة على آفة الكساد الاقتصادي الكبير التي حلت بالمجتمع والناس في امريكيا فوصلت بهم الى حافة الانهيار، مع عقد الثلاثينيات يعود «ويللي» الى البيت حيث ينتظره زائران هما ولداه: بيف ابن الاربعة وثلاثين عاما وقد ظل يبدل الوظائف والاعمال لدرجة انه التحق بعشرين عملا على مدى سبع سنوات و «هابي» الموظف الصغير في محل كبير للمبيعات الذي لاشغل له سوى مغازلة السيدات وخاصة اذا كن خطيبات لرؤسائه في المستودع الكبير. يتجاذب الاب والابنان اطراف حديث .. ويتخلل هذا التجاذب توترات غليظة فليس هناك طرف في الاسرة راض عن الآخر .. يلجأ ويللي الى المطبخ ويهرب من الحاضر الى ماضي الذكريات يدرك كم كذب على زوجته ايام زمان فلم يكن صحيحا ان كان ماهرا في ترويج المبيعات. ثم ما هذه الضحكة التي جلجلت في ارجاء المطبخ ضحكة من الماضي من عام 1928 بالذات، هنالك تذكر البطل الآنسة فرانسيس المرأة الجميلة التي عرفها أيامها واخفى سرها عن بيته طيلة هذه السنين، كم كان الماضي جذابا ومغريا .. ولكم اصبح الحاضر قاسيا وحافلا بالاحباط كيف لا وقد قرروا تنزيل وظيفته من موظف بمرتب الى موظف بالعمولة .. ما اشد قسوة الحياة. وحين يرفع الستار عن الفصل الثاني نلمح ضوء الصباح واشعة الشمس ثمة بصيص من امل بعد كآبة الفصل الاول الذي كان يدور في عتمة المساء يبدو بطلنا «ويللي» متفائلا ويعلن عزمه عن شراء بذور يزرعها في رقعة الخضرة المجاورة وترد زوجته «ليندا» قائلة انها لن تنبت ولن تعيش، فالشمس لا تبعث ضوء كافيا الى هذا المكان وحين يذهب ويللي الى العمل في مكتب نيويورك يدخل في حوار عقيم مع رئيسه الذي يكتشف ان موظفهم القديم اصبح يخلط بين الحاضر والماضي وبدلا من ان ينقله الى وظيفة مريحة ابلغه بالنبأ الخطير: انت مفصول. هكذا احترقت الدنيا من كل جانب، قسوة الحاضر وضياع الماضي .. وخيبة الابناء واجهاد العمر وتبدل الاحوال .. في الاشجار قلعوها وحتى البذور لم تعد تجد مكانا ولا شمسا للانبات واذن فهي النهاية، استيقظ من نومه وشعرت به زوجته وهو يستقل السيارة .. تصورت انه ذاهب الى العمل . ولكنه في الحقيقة كان يتجه الى نهاية مصيره المحتوم في حادث سيارة اختاره ليتخلص من حياته، وفي المشهد القصير الختامي تقف الاسرة عند قبر الاب .. ويتبادلون احاديث تدور بغير طائل ولكن المشاهدين يستمعون في عجب الى آخر جملة تفوه بها الزوجة التي لم تكن تدري لماذا قتل زوجها نفسه تقول: ما اعجب تصاريف الاقدار لقد سددت آخر قسط من ثمن البيت .. ولكن لم يعد لدينا احد يعيش هناك. الافكار .. الرموز . الدلالات في هذه المسرحية تتعدد دلالات الابعاد الاساسية للحياة مابين المكان الذي رسمه آرثر ميللر وطبعا يحرص مخرجو المسرحية على تصويره بوصفه باعثا على الاختناق .. بيت يحوي اثاثا عتيقا من ايام الثلاثينيات .. ولكن عندما تعود الاحداث من ذكريات ذلك العقد الى الزمن الحاضر يصطنع الديكور جدرانا خيالية اقرب الى الظلال والاطياف والبعد الثاني هو الزمان الذي تراوح فيه الاحداث كما ألمحنا بين الماضي والحاضر .. وحين يتحدث البطل «ويللي» مع الشخصيات التي تستدعيها ذاكرته من الماضي يرتفع صوته الى طبقة غير عادية ولكنه يحادث اهل الحاضر على النحو الذي تعود عليه الناس. الحلم الامريكي ظل يراود البطل ولكنه لم يستطع تحقيقه، وتلك مأساته فهو لم يبذل ما يكفي من جهد لكي يكون شيئا مذكورا وهو يكتفي بالنظر الى مافي يد الآخرين .. وهو لا يتورع عن الكذب فيصطنع لنفسه نجاحات واخلاقيات ليست موجودة في الواقع والغريب ان ولده الاكبر «بيف» هو الذي ينطق بضمير العمل الفني اذ يقول منددا بكل ما احاط حياتهم من زيف ورياء.. « هذا هو الزيف بعينه لم يشهد هذا البيت قولة حق يوما ولو لعشر دقائق». .. ومن الحلم الامريكي الى ذلك الشعور الممض بالعزلة ـ الوحشة والوحدة داخل نفس الفرد.. البائع الجوال وحيد دوما على الطريق زوجته وحيث دوما في المنزل بعد ان غادره الابنان وكل من النجلين وحيد في العمل وفي شقته في وسط اجتماعي يتشدق بالفردية ويكرس الفرد قبل الجماعة. .. كل بضائع الاستهلاك او الترف في اطار الحلم الامريكي لا تغني عن مشاعر المحبة ووفاء التواصل بين اعضاء المجتمع ناهيك اعضاء الاسرة الواحدة ليس صدفة ان نسمع وسط الاحداث عن السيارة التي تعطلت في الطريق والثلاجة التي تعطلت عن التبريد، بل من غرائب المفارقات التي يصطنعها المؤلف ان تكون السيارة وليس غيرها هي التي تحمل البطل «ويللي» الى حيث يحقق ذاته بالعمل والتجارة.. وهي ايضا الوسيلة التي يركبها لكي يصنع بها حادثة التصادم التي انهى بها وجوده في الحياة. مقابل هذه الادوات الميكانيكية ـ الصناعية، آلات التسجيل، عربات المواصلات، الثلاجات، ثمة اشارات الى الاشجار.. والبذور والاوراق الخضراء التي تظهر مزدهرة على المسرح عندما يستدعي ويللي ذكريات الماضي السعيد.. البعيد .. ينطبق الشيء نفسه على حوار المسرحية الذي يدور عند مستويين ـ في الحاضر يتسم الحوار بالجمل الموجزة والمعاني المباشرة ـ الجارحة احيانا.. لكن الامر يتغير لدى الحديث في الماضي اذ يكتسب الحوار مزيدا من الحيوية والتدفق والمرح والحوار في كل هذا تتخله عبارات امريكا ـ الثلاثينيات حيث الاحاديث عن سداد الاقساط وعن الثلاجة ونظارات المونوكل «ذات العين الواحدة رمزا للمكانة» ثم يعمد المؤلف في مهارة مشهودة الى خلط هذين المستويين من الحوار حين يختلط الماضي بالحاضر في ذهن «ويللي» قرب نهاية المسرحية. .. هناك ايضا استخدام الصوتيات ببراعة لزيادة شحن المواقف المسرحية وعندها يسترسل بطلنا «ويللي» في استدعاء الذكريات مستسلما لمنطق الحنين الشغوف الى الماضي ـ النوستالجيا ـ يترامى في خلفية المشهد صوت الفلوت بموسيقاه الخافتة العذبة، البالغة التأثر «كان والده يعزف الفلوت في سالف الايام» وحين يناجي ويللي اخاه الراحل كأنما من وراء حجب الغيب تتحول المعزوفة الى الموسيقى الريفية الساذجة وقد سادتها روح السكينة والسلام.. وحين تنقلنا ذكرياته الى ايام شبابه وهو يرتاد فندقا صغيراً ليلقي محبوبته نسمع موسيقى اشد وقعا واقرب الى إثارة غرائر الانسان. في ذاكرة الانسانية رغم ان «موت بائع جوال» مسرحية واقعية إلا ان المؤلف اضفى عليها باقتدار طائف الحلم حين عمد الى ان يفاعل بين ذكريات الماضي وابعاد الحاضر، ومن هنا فإن النقاد يسلكون آرثر ميللر في فئة التعبيرية في الفن المعاصر ـ تلك التي يجهد اصحابها الى اعادة خلق ـ او تحليق الواقع او الى استيلاد منظومات القيم والمباديء وسط عالم اصبحت تسوده الروح التجارية المغرقة في المادية. وفي كل حال فقد رأي ملايين من الامريكيين وربما من اهل الغرب بعامه صورة من انفسهم وحياتهم ومشاكلهم في شخصية البائع الجوال «ويللي لومان». وفي الصراعات التي خاضها بين الحلم والواقع او بين الماضي والحاضر لهذا اصبحت المسرحية من كلاسيكيات المسرح المعاصر بقدر ما اصبح الجوال بطلا تراجيديا لمفهوم العصر الحديث. .. وغداً نواصل