ربنا تبارك وتعالى قال في محكم التنزيل: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» (31 الأعراف). فرب العزة سبحانه وتعالى أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث فقط، لآثارها الضارة ماديا ومعنويا بالفرد والمجتمع، والمسلم مأمور باتيان الطيبات وتناول ما أحل الله له، واجتناب الخبائث التي نهى عنها: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون» (157 الأعراف). غير ان تحليل الطيبات هنا ليس على اطلاقه هنا، وانما تحليل بقدر الحاجة فقط، فما زاد على الطاقة والحاجة دخل في دائرة الكراهة ثم في دائرة الحرام، لأن الانسان هنا عند تجاوزه حد الحاجة، يكون ظالما لنفسه اذ يوقعها في الضرر، وهذا محظور على المسلم اقترافه، لأن ضياع فيما لا حاجة إليه ولا طائل من ورائه، تماماً كمن يملك أن يتناول الطيبات ثم يحرم نفسه ويقصر عن بلوغ ذلك، بنوع من البخل وحرمان النفس، فهذا ايضاً اثم مفهوم لا يليق بالمسلم..!! ومن هنا يأتي القصر الاسلامي والنهج السديد، وهو المتوسط والاعتدال بين طرفي الامر، القصور والغلو والتطرف، وصدقت المقولة: «وكلا طرفي قصد الأمور ذميم» فإذا كان التقتير والبخل على النفس والشح مذموماً، فإن الاسراف والتبذير أيضاً كبيرة من الكبائر، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل ما شئت والبس ما شئت، أخطأك اثنتان: سرف ومخيلة أي أنفق ما شئت في طعامك أو ملبسك، ولكن انظر اذا كان هذا الانفاق ينطلق اختيالاً ومباهاة وتظاهراً، أم لسد حاجة النفس التقية، واشباع ضرورتها؟ فإن كان للأولى فأنت في معصية الله أنفقت، ونفقتك حرام،.. اما اذا كانت الأخرى فهي حلال، وفي رضا الله عز وجل، وعبادة لله يثاب عليها الانسان». اما الاسراف والتبذير فهو كبيرة من الكبائر، وقد عرض القرآن مادحاً عباد الرحمن الذين تتحرك ضمائرهم نحو الرشد والاعتدال في الانفاق، فقال عز وجل: «والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما».. والقوام هو الحد الفاصل بين خطيئتين: الاسراف والتقتير، ومن ثم كان تعبيرا عن سلوك الراشدين العقلاء، الذين لم يستدرجوا إلى انفاق ما فوق الحاجة، ولم يندفعوا إلى امساك ما بأيديهم وحرمان حاجتهم منها..! وغنى عن البيان ان مقياس الحاجة عند كل انسان، هو شيء يخصه، طبقا للاستعداد الجسمي والنفسي، فكذلك القوام الذي يفرق الافراط والاسراف عن الامساك والتقتير، يختلف من انسان لآخر، ومن أسرة لأسرة، فيما يعد بخلاً عند انسان، قد يكون اسرافاً وتبذيراً عند انسان، لأن الارزاق ليست بمستوى تتحد فيه الاقدار والانواع، وانما تختلف من فرد إلى فرد، فرزق الانسان كأجله يخصه وحده، وربنا تبارك وتعالى حين يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً. إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا» (29 ـ 30 الاسراء). فهذا خطاب لكل مسلم يحيطه علماً بأن التوسط في الانفاق واجب على كل عاقل حسبما كان رزقه، فإن الله يوسع في الرزق ويبسط لمن يشاء كما يقدر ويضيق على من يشاء، والمسلم يحتاج عقله ونيته لتدبير امره، ولذلك حذر الحق تبارك وتعالى من ترك الأموال في يد السفهاء الذين لا يحسنون التصرف، وقد تضيع منهم الاموال وتهدر الثروات، وهي اموال الله أصلا ومحملة بحقوق الغير، من عباد الله فقال عز وجل: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا» (5 النساء). أي اذا كان صاحب المال يتيما، لا يحسن التصرف فلا يدفع المال اليه لأنه يكون معرضاً للضياع، وكذلك اذا كانت يتيمة، ذات ثروة يجب ان تختبر في التصرف للاطلاع على مدى اكتسابها للمهارة التي تجب لتصريف امر الثروة، فإن ظهر حسن ادارتها دفعت ثروتها اليها، وان لم تحسن التصرف حجبت عنها مع القيام بواجب الوصاية عليها، والحق تبارك وتعالى هو الذي يقول ذلك في كتابه الحكيم: «وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا، ومن كان غنياً فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا» (6 النساء).! علي عيد