قلنا اننا سنوجز رحلتنا في عالم المآذن الساحر، فنحولها الى ثلاث دراسات حالات، هي الملوية في العراق ومصر، والمملوكية، والحديثة. وقد انجزنا دراسة الملوية فدعنا الآن نبادر الى القاء نظرة على المآذن المملوكية. ونحن نقول اننا سنلقي «نظرة» عامدين، لان المآذن المملوكية، كما لا يخفى، هي عالم بأسره من الانجاز الاعماري البديع. نبادر ـ على الفور ـ الى تبديد وهم شائع، فإذا كنا سنتناول المآذن المملوكية المصرية، فإن علينا ان ندرك ان ما نتحدث عنه هنا ليس المآذن القاهرية وحدها، بل لعلي اسارع الى التأكيد ان المآذن الاكثر اهمية في المرحلة ما قبل المملوكية وفي صدر عهود المماليك ليست موجودة في القاهرة، وإنما على وجه التحديد إسنا والاقصر وأسوان والشلال. لما كان العبد الفقير لله كاتب هذه السطور ينتمي الى تلك الفئة من الناس التي تستحق عن جدارة الوصف الشعبي الشهير «سبع صنائع والحظ ضائع» فقد اتيح لي شرف مشاهدة هذه المساجد «كعابي» اي من خلال السير على الاقدام، فقد كانت اسنا مقرا لكلية ضباط الاحتياط في صدر السبعينيات عندما حظيت بشرف الالتحاق بصفوفها، ثم أتاحت لي المؤسسة العسكرية المصرية الخدمة عاما بأسره في الصعيد كان بمثابة استراحة المحارب بعد سنوات طويلة من الخدمة، وقبيل العودة الى الحياة المدنية. هذا هو الاسلوب الوحيد لفهم مساجد القاهرة ايضا، وهو ان تمضي اليها سيرا على الاقدام مسلحا بمحبة الناس البسطاء من ابناء الاحياء التي توجد بها هذه المساجد وبمجموعة من التصاريح من الهيئات المعنية بهذه المساجد، فالكثير منها مغلق ولا سبيل الى دخوله الا بمثل هذه التصاريح. ليس هذا كله كافيا للاقتراب من مساجد القاهرة، وانما هو البداية فحسب، فجوهر هذه الرحلة التي تستهدف فهم اسرار جماليات هذه المساجد هو تواصل الحوار مع عدد من الاساتذة والخبراء والاختصاصين الكبار، الذين تعاملوا بكثير من اللطف والسماحة والكرم مع اسئلتي الفضولية، التي كشف الكثير منها عن جهل أحسبه كان مروعا حاولت استدراكه عبر السنين باللجوء الى المراجع، لكني ما كنت لأبلغ شيئا من مرادي لولا انني كنت محظوظا بهؤلاء الاساتذة الكرام. الجد الاعلى للمآذن لم تولد المآذن المملوكية كائنا مكتملا، بديعا، شديد الفتنة على نحو نراه في مآذن خانقاه فرج بن برقوق او مسجد قايتباي في القرافة الشرقية، على سبيل المثال، وإنما كان عليها ان تقطع رحلة طويلة لكي تطل علينا بهذا البهاء. احسب ان الجد الاعلى لكل مآذن مصر، وليس لمآذن المساجد المملوكية فحسب، يتمثل في الصوامع الأربع التي شيدها مسلمة بن مخلد كما اشرنا في عام 53 هجرية 672 ميلادية بالجهة البحرية من جامع عمرو بن العاص عندما قام بتوسعته في خلافة معاوية بن أبي سفيان. من سوء الطالع حقا ان هذه الصوامع قد اقيمت بالطوب اللبن، ومن ثم لم يبق لنا شيء منها اليوم. وإن كنا نعلم من خلال ما اوضحه لنا السيوطي انها قد بنيت على هيئة أبراج بسيطة ترقى باستخدام مراق من الخارج. الغموض الناشيء من غياب هذه الصوامع الاربع ربما كان هو الذي فتح بابا لم يغلق حتى اليوم، وهو المتعلق بما اذا كانت المآذن المصرية، ومن ثم مآذن باقي شمال افريقيا بأسره تعود بأصلها الى منار الاسكندرية او فنارها، المعروف باسم «فاروس». وقد احتدم النقاش حول هذه القضية بصفة خاصة في العقود الأولى من القرن العشرين ودار سجال بين القائلين بهذا الاصل وبين منكريه، وعلى رأسهم المستشرق الانجليزي كريزويل الذي رأى ان المآذن نشأت في ظل الخلافة الاموية محاكية الابراج المسيحية السائدة في سوريا قبل الفتح، وهي بدورها مستمدة من ابراج المعابد العتيقة المربعة، مدللا على صحة رأيه بعبارة اوردها المقدسي تفيد ان مآذن الشام كانت كلها مربعة. وعن ظن ان هذا النقاش قد حسم وانتهى امره نحيله الى بروفيسور روبرن هيلينبراند، الذي يؤكد لنا في كتابه «العمارة الاسلامية» ان هذه المسألة لم تفقد اهميتها كلية، بل يتجدد النقاش حولها الآن، وهو يرى ان الاسباب التي استند اليها كريزويل لرفض الارتباط بين المآذن المصرية و«فاروس» ليست مقنعة تمام الاقناع. ويدعونا هيلينبراند الى تأمل فكرة محددة يطرحها في هذا الشأن وقوامها ان مساجد مصر ربما لم يقصد بمآذنها ان تكون نسخا من «فاروس» وانما قد يمكن النظر اليها على انها تنويعات حرة للغاية على موضوعة «فاروس» ونقاط الاتصال الرئيسة بين النموذجين هي التقسيم الثلاثي للبدن المرتفع للمبنى، خاصة اذا اخذ في الاعتبار ان المسلمين قد اعادوا بناء «فاروس» مرات عديدة الى ان اختفت كلية في الفترة من اوائل القرن الثالث عشر حتى منتصف القرن الرابع عشر. وهو يخلص الى ان «فاروس» شبه الاسلامية هذه، وليس البناء الاصلي القديم، هي التي ارست تقليد المئذنة متعددة المراحل في مصر. ايا كان الامر، فإن هذه المسألة فيما يبدو، ستعود لتفرض نفسها على مناقشات الاختصاصيين المعماريين. فمن الواضح ان ملوية جامع احمد بن طولون كانت الاستثناء الفريد في مسيرة المآذن المصرية. ومن هنا يتساءل هيلينبراند: هل عاودت «فاروس» الاطلال في مسيرة المآذن المصرية من خلال مآذن مساجد انتقالية مثل منارة جامع الجيوشي ام انها وليدة التطور الطبيعي الذي نلمسه في مئذنة مسجد ابو الغضنفر؟ وهو يرد على هذا السؤال بالقول ان المئذنة الملحقة بمجموعة السلطان قلاوون المسجدية توحي بامكانية اعتماد البديل الاول، بينما مئذنة مسجد سلار وسنجر الجاولي توحي بالبديل الثاني. وتظل الخلافات بين النموذجين محدودة. وهما ما يلبثان ان يندمجا في مسار واحد في اوائل القرن الرابع عشر في منارات الامير صنقر السعدي او خانقاه الامير قوصون. وهكذا فإنه بحلول عام 735 هجرية ـ 1335 ميلادية يصبح التقسيم الثلاثي لبدن المئذنة المصرية شيئا تقليديا ويوشك ان يكون نموذجا معتمدا. في غمار هذه المناقشة الا نضل الطريق في رصد تطور المئذنة المصرية وصولا الى المرحلة المملوكية بتنوعها الهائل، الذي هو مقصدنا هنا، فدعنا نبادر بالاشارة الى مجموعة مهمة من معالم الطريق. نماذج فريدة نحن هنا على موعد مع مآذن فريدة، تكاد تكون الوحيدة من نوعها في العالم بأسره، فدعنا نتوقف عند جوانب فيها: أولا: المآذن الفاطمية. والمقصود هنا المآذن الفاطمية في مصر، وعادة ما يبادر الباحثون في هذا الصدد الى الحديث عن مئذنتي جامع الحاكم. غير انني سأسمح لنفسي بأن أبدأ من مدخل آخر، فألاحظ انه مع اطلالة العصر الفاطمي في بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ـ العاشر الميلادي ظهر طراز من المآذن المصرية يتكون من طابقين، احدهما سفلي يأخذ شكل قاعدة مربعة مرتفعة، يستقر عليها الطابق العلوي، وهو عبارة عن مثمن يقل في ارتفاعه عن الطابق السفلي، وينتهي هذا الطابق العلوي بقبة متغيرة مضلعة، هي التي عرفت تقليديا باسم المبخرة نظرا للشبه الكبير في الشكل العام بين المبخرة وبين هذا الجزء من المئذنة. وأود هنا ان الفت النظر الى الاهمية الكبيرة التي تتمتع بها مئذنة الجامع العمر بإسنا في صعيد مصر، الذي انشأه بدر الجمالي في عام 474 هجرية ـ 1081 ميلادية. هناك بالطبع، مئذنتا جامع الحاكم بأمر الله، اللتان تعكسان تأثرا واضحا بمئذنة جامع صفاقس، وقد حفظهما لنا الزمن، على الرغم من انهما اختلفتا عما كانتا عليه في مبدأ الامر، بفعل التعديلات التي ادخلها السلطان بيبرس الجاشنكير في غمار اصلاحاته عقب الزلزال الذي ضرب قمتي المئذنتين في عام 703 هجرية ـ 1303 ميلادية. ويرى الخبراء ان هاتين المئذنتين تشكلان تطورا مهما في مسيرة مآذن مصر، ينحصر في ان ارتفاعهما، الذي يتراوح بين 41 مترا بالنسبة للمئذنة الغربية و46 مترا للمئذنة الشمالية، يزيد كثيرا عن ارتفاع المئذنة القيراونية الذي لا يتعدى 32 مترا، وذلك على الرغم من زيادة طول ضلع هذه الاخيرة بثلاثة امتار او اكثر عن طول ضلع هاتين المئذنتين. وهناك خلاف ايضا فيما يتعلق بالدورة المربعة الاولى التي يبلغ ارتفاعها 21 مترا في القيروانية ولا يتعدى 14 مترا في المئذنة الغربية وأربعة أمتار في المئذنة الشمالية. الى جوار مآذن اسنا والحاكم، حفظت لنا الأيام كذلك مئذنة الجيوشي، التي شيدها الافضل شاهنشاه ابن بدر الجمالي في عام 474 هجرية ـ 1081 ميلادية على غرار القيروانية، وهي تتكون من قاعدة مربعة، مشطوفة الجوانب، يقل عرضها عن عرض البدن العلوي، تعلوها شرفة ترتكز على صنفين من المقرنصات وربما كانا يحملان سياج الشرفة، ويلي ذلك جوسق، عبارة عن رقبة مثمنة تغطيها قبة صغيرة مدببة القطاع. ويلفت نظرنا ان هذه المئذنة تعد أقدم امثلة الطابع المصري للمآذن المعروفة بالمبخرة، التي دام استخدامها حتى الربع الثاني من القرن الثامن الهجري ـ الرابع عشر الميلادي، ثم ما لبثت عناصر التطور ان زحفت بشكل اكبر على المئذنة، حيث تزايدت غزارة التفاصيل الزخرفية، واكتسبت نسبة طوابق المئذنة المزيد من الرشاقة فمال الطابق العلوي المثمن الى الاستقالة، بينما راحت القاعدة المربعة تنكمش. تتمثل الحلقة الاخيرة في مسار تطور مآذن هذا العصر في المئذنة الملحقة بضريح ابي الغضنفر، التي تعود الى عام 553 هجرية ـ 1157 ميلادية والتي تشكل مرحلة النضج لمآذن هذا العصر، حيث نلاحظ ان بدن المئذنة ازداد نحافة، وتطور الطابق العلوي الى جوسق مثمن بكل ضلع من أضلاعه فتحة باب يتوجها عقد زخرفي وتعلو الجوسق رقبة مثمنة بكل ضلع من اضلاعها كوة ثلاثية الفصوص. تعلوها قبة صغيرة مدببة ذات أضلاع متجاورة. أخيرا، يلاحظ بصفة عامة ان مآذن العصر الفاطمي كانت تقوم فوق المدخل، على نحو ما هو عليه الحال في مئذنتي الجيوشي والأقمر، او تقوم في ركن من جهة المدخل كما نجد في مئذنتي الحاكم، وغلب عليها استخدام الطابوق، على الرغم من بناء مئذنتي الحاكم بالحجر. الايوبيون مروا من هنا ثانيا: المآذن الايوبية: على الرغم من ان معظم العصر الايوبي قد انقضى في صراعات محتدمة مع الصليبيين، وبالتالي يمكن تصور ان بصمتهم المعمارية، اذا كانت لهم بصمة من هذا النوع بالمعنى الحقيقي، ستقتصر على ما يسميه ريتشارد بومانز في كتابه «قصة العمارة الاسلامية» بـ «عمارة القوة» متمثلة في الحصون والقلاع ـ على الرغم من ذلك الا اننا نجد ان هذا العصر يحفل بابتكارات جديدة تتعلق بالمئذنة. وقد ظلت المئذنة الايوبية تتكون من طابقين، أولهما سفلي مربع ينتهي بشرفة خشبية، وثانيهما علوي مثمن تعلوه قبة صغيرة مضلعة او مفصصة عرفت ايضا بالمبخرة. يشير الخبراء الى ان مآذن هذا العصر غلب عليها استخدام الاجر او الطابق في تشييدها مع طبقة من الملاط، كما حدث في الجزء السفلي لمئذنة المشهد الحسيني، الذي لا يعرف الكثيرون ان انشاءه يعود الى هذا العصر وعلى وجه التحديد الى عام 634 هجرية ـ 1237 ميلادية. وهذا الجزء السفلي من المئذنة يتميز بثلاث دخلات مقرنصة تشغلها ثلاث حشوات مستطيلة تزخر، في اطار لمسة اندلسية بديعة، بحشد كبير من الزخارف النباتية المحفورة في الجص، فوق كل حشوة منها طاقة مقرنصة معقودة، وتشغل الفراغين الواقعين بينهما قوقعتان مقرنصتان. هذا الاستخدام نجده ايضا في مدرسة مئذنة المدرسة الصالحية التي تعود الى الاعوام 647 ـ 648 هجرية ـ 1249 ـ 1250 ميلادية التي تقوم فوق واجهة المدخل. وقد ازداد فيها ارتفاع الطابق المثمن على حساب القاعدة المربعة التي يزين كل ضلع من اضلاعها ثلاث دخلات رأسية، فتمت في اوسطها نافذة ذات عقد مفصص، بينما جعلت في كل من الدخلتين الجانبيتين دخلة ثانية صماء تعلوها طاقة مقرنصة ذات عقد مدبب، وتقوم على هذه القاعدة شرفة مثمنة ترتكز على دعائم خشبية، تشبه مئذنة ابي الغضنفر المنتمية الى العصر الفاطمي. ويلي ذلك طابق مثمن في كل ضلع من اضلاعه دخلة معقودة مقرنصة تشبه دخلة القاعدة، إلا اننا نلاحظ ان هذا الطابق المثمن قد ازداد ارتفاعا في مئذنة ابي الغضنفر رغم تراجع ارتفاع القاعدة. وأحيط اسفل الخوذة المضلعة بتاج من الاسنة البارزة حتى اصبح الطابق المثمن في المئذنة الصالحية جزءا مستقلا بعد ان كان في مئذنة الجيوشي جزءا مندمجا، وصارت تتوجه مبخرة تقليدية. وتتمحور ابتكارات المرحلة الايوبية، التي اشرنا اليها، حول ان البدن المثمن للمئذنة الايوبية غدا اكثر ارتفاعا من البدن المثمن للمئذنة الفاطمية. ومن الجلي ان ذلك قد ساعد على تكامل نسب المئذنة الايوبية مقارنة بنظيرتها الفاطمية، فضلا عن ان قاعدة المئذنة الايوبية قد زودت بدخلات معقودة بعقود ثلاثية ذات صدور مقرنصة، عملت فيها فتحات صغيرة للتهوية والانارة، وانقسمت هذه المقرنصات الى عقود جزئية ذات طوابق متتالية، جعلت هذه الظاهرة الخاصة بالتجزئة والتكرار واحدة من اهم السمات المميزة لفنون العمارة الاسلامية. هكذا فإننا مع قرب مغيب شمس العصر الايوبي الذي اتسم بالصدامات التاريخية مع الصليبيين وايضا بالخلافات المحتدمة بين الامراء والسلاطين الايوبيين انفسهم عقب وفاة صلاح الدين الايوبي لن نكون مع الطراز المربع المثمن المستدير في بناء المآذن الذي وصفه المستشرق الانجليزي كريزويل بأنه لم ينشأ مكتملا فجأة وكأنه منقول عن طراز سابق مثلما انبثقت اثينا من رأس أبيها زيوس مكتملة العدة، مكتسية بدرعها، وإنما سنكون في قلب المسيرة التي ستستغرق قرنين من الزمان منذ تشييد مئذنة الجيوشي. اننا في ختام العصر الأيوبي سنكون في مرحلة المخاض التي ستلد لنا مآذن المماليك البحرية والبرجية، التي ستملأ الدنيا وتشغل الناس، ويشمخ في اطارها الطابق المربع برشاقة ملحوظة وتطل من كل جانب من جوانبه نافذتان تتحلى العليا منها بقاعدة مقرنصات من ثلاثة صفوف على النهج الاندلسي. ملامح في المغيب اننا في مغيب العصر الايوبي لا نزال في مرحلة ما قبل الشروق الذي مع بزوغ نوره سنرى شرفة المئذنة المملوكية في اعلى الطابق المربع وقد اتخذت شكلا مربعا يرتكز على ثلاثة صفوف من المقرنصات، كما تعلو الطابق المثمن حطات من المقرنصات ومن فوقها الطابق العلوي المستدير ذو الجوسق القائم على الاعمدة. ما كان لأحد في نهاية العصر الايوبي ان يتنبأ بأنه سيأتي على المآذن المصرية في قابل الايام حين من الدهر تنسل اليها في القرنين الثالث عشر والرابع عشر مؤثرات من مناطق اخرى بعيدة من دار الاسلام، وبصفة خاصة بعض التأثيرات الفنية الاندلسية خلال سنوات احتضار دولة الاسلام في ارض المجد الضائع، حين هاجر بعض ابناء الاندلس الى مصر في محاولة لاقناع حكامها بمد يد المساعدة لاسترداد الاندلس من الملوك الاسبان. من هنا لم يكن عجيبا ان يشدد بروفيسور روبرت هيلينبراند على المدى الزمني الطويل الذي استغرقته المآذن المصرية في استيعاب مبدأ تغيير النسبة بين كل طابق من طوابقها في مواجهة الطابق الآخر، حيث يبدو ان ابرز تعبير عن هذا المبدأ يمكن رصده في التقلص المستمر للجزء السفلي من بدن المنارة، الذي وصل تراجعه في نهاية المطاف الى حد ان عين الرائي لم يعد بمقدورها ان ترصده من بعيد وسط الجدران المجاورة للمسجد. هكذا فإن الجزء الظاهر للعيان من بدن المنارة سيغدو الجزء المثمن، الذي يعلوه الجزء الاسطواني او المستدير. ومن ثم يبدو واضحا المسار الذي ستتخذه مسيرة المئذنة المصرية في المستقبل، مع رفض القبول بالجزء المربع من البدن كسمة جوهرية محددة لطبيعة المئذنة، وبالتالي انفساح المجال امام ثورة حقيقية في العلاقات بين اجزائها المختلفة. ولكن كيف سيحدث هذا الانتقال؟ كيف سيتم التحول الذي حدثنا عنه كريزويل باستلهام المقولات الاسطورية الاغريقية في تطور المآذن المصرية؟