تعالوا نتعلم من غزوة بدر الكبرى. كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. لقد حفلت غزوة بدر الكبرى اولى صفحات التاريخ العسكري الاسلامي بدروس نافعة ومعجزات يسجلها القرآن الكريم الى ان يرث الله الارض ومن عليها. لقد اختار الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين المجاهدين في سبيله قصدا ارفع وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من اجلها الا وهي الدعوة الى دين الله ولقد فرضت الموقعة على المسلمين فرضا وفوجئوا على غير استعداد بتحدي صناديد قريش وابطالها ولم يكن بد من قبول هذا التحدي، وواجه النبي صلى الله عليه وسلم الموقف بما يتطلبه من ايمان وثقة غير ان كثيرا من المسلمين جادل في ذلك لا لكراهة الموت ولكن لعدم معرفتهم الحكمة من خوض معركة مباغتة دون اتقان ما ينبغي لها من عدد وعدة يقول تعالى: «كما اخرجك ربك من بيتك بالحق وان فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون». لقد كان انتصار المؤمنين في غزوة بدر آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقق وعد الله للجماعة المسلمة جزاء طاعتهم لنبيهم وثباتهم على عقيدتهم واستماتتهم في الدفاع عنها: «اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين» وقوله تعالى: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى». روى ابن هشام ان النبي صلى الله عليه وسلم خفق خفقة في العريش ثم انتبه فقال: ابشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل يأخذ عنان فرسه يقوده على النقع والصبر والتقوى هما شرطا الامداد بالملائكة: «اذ تقول للمؤمنين الن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين». وسلاح الرعب وهذا خصوصية من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الارض مسجدا وطهوراً واحلت لي الغنائم واعطيت الشفاعة وبعثت الى الناس عامة». ومن الاسلحة المعنوية التي امد الله بها المؤمنين في بدر النعاس يلقيه عليهم أمنة منه ليرفع من روحهم المعنوية: «اذ يغشيكم النعاس أمنة منه» وينزل المطر على المؤمنين لتحقق به الاغراض الآتية «وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام». كما ايد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر بسلاح التخييل والتمويه وهو من الاسلحة النفسية في الحروب يقول تعالى: «اذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو اراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الامر ولكن الله سلم انه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم اذ التقيتم في اعينكم قليلا ويقللكم في اعينهم ليقضي الله امرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور» لقد شدت الرؤيتان من عزائم المؤمنين وكانوا قلة فاطمأنوا وثبتوا وطمعوا في الانتصار على عدوهم ولم يقف امر التخييل عند هذ الحد بل قلل الله المؤمنين في اعين الكافرين حتى يدخلوا المعركة فينتقم منهم بأيدي المؤمنين. لقد ابرزت غزوة بدر ان اليقين بنصر الله حليف المؤمنين دون نظر لكثرتهم وايمانهم بنصر الله بقدر ايمانهم بالقضية التي يجاهدون من اجلها ويحفظ القرآن الكريم للمسلمين على امتداد دولتهم، هذا المبدأ العظيم الذي تقرر يوم الفرقان في قوله تعالى: «ولقد نصركم الله ببدر وانتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون». احمد عبدالتواب أحمد