قال الله عز وجل: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا» سورة النساء: 36. ان حق الأمهات والآباء على الأبناء لا يستطيع انسان ان يحصيه أو يقدره ولو استطاع الابناء ان يحصوا ما لاقاه الأمهات والآباء في سبيلهم لاستطاعوا احصاء ما يستحقونه من البر والتكريم ولكنه أمر فوق الوصف خصوصاً ما تحملته الأم من حمل وولادة وارضاع وسهر بالليل ونصب بالنهار في سبيل الرعاية المطلوبة من نظافة من كل الآلام والمتاعب والأمراض فهي تشعر بما يؤلمه فتحزن وتسعد بما يسعده وتحرص عليه انها تملك حاسة الأمومة المتدفقة بالحب والرعاية والعطف والحنان وليس ذلك لأحد إلا للأم. أماه تهللين إذا ابتسمت وإن بكت عيناي فجرت الأسى منه عيناك فالأم هي التي تتحمل من الذل والشقاء امثال الجبال كي يحيا ولدها سعيداً تحترق بالنيران من أجل انقاذ وليدها تصوم وتحرم نفسها الطعام والشراب ان حزن ولدها ويرقص قلبها فرحاً إن سعد ولدها، هذه هي الأم التي تسمع في نبرات صوت ولدها أعزب الالحان وأسمى معاني العبارات في كلماته ولا يفهم معناها إلا هي ثم تمر الأيام والسنون ويكبر ليصبح شابا ثم رجلاً وهنا تتساءل: هل سيكون لها في ولدها نصيب أم كل مجهودها وآمالها وتضحياتها تذهب أدراج الرياح هذه هي الأم جعل الله الجنة تحت قدميها وجعل حقها على الأبناء ثلاثة أضعاف حق أبيهم عليهم والوالدان من أرضاهما فقد أرضى الله ومن أسخطهما فقد أسخطه ومن برهما وأحسن إليهما فقد شكر الله ومن أساء إليهما فقد كفر بنعمته فهما الباب الموصل إلى الجنة، فمن كان باراً بهما وصل إلى الجنة ومن عقهما منع الخير كله انهما الوالدان والدين الاسلامي الحنيف لم يحدد أنواع البر أو يعينها حتى لا يخضع مفهوم البر تحت أمور محددة إنما يخضع البر للذوق الانساني والعرف الاجتماعي والشعور الحي لدى الأبناء والحياة بين الأبناء والأمهات والآباء حياة مفتوحة فيها ما هو سر وما هو علانية، وما يصرح به وما يستحي الانسان من ذكره، لذا أوجب الاسلام البر بالأمهات والآباء والبر كلمة جامعة لكل خير وحذر الاسلام من العقوق والعقوق كلمة جامعة لكل شر وحذر الاسلام حتى من الكلمة التي تفيد التضجر واعتبرها معصية من المعاصي، وان كانت كلمة «اف» وان الله لا يرضى عن الأبناء إلا إذا بذلوا أنفسهم لأمهاتهم وآبائهم خصوصاً عند تقدم السن بهما «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة» وهو ذل للوالدين ليس سببه القهر والغلبة ولكن سببه الحب والرحمة والله تعالى جعل أهمية الاحسان إلى الوالدين بعد توحيده وعبادته ولم يقدم مخلوقاً على الوالدين، وذلك لأنهما سبب وجود الولد وسبب التربية، فلا انعام بعد انعام الله تعالى أعظم من إنعام الوالدين وهما بانعامهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً وقال سبحانه وتعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما وقولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً، ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً» الإسراء 2325، فالبر لازم سواء كان الأولاد أغنياء أو فقراء، وبينت الآية ان كل صغيرة وكبيرة يعلمها الله تعالى، ولو كانت داخل الصدر لم تظهر لأحد وبر الوالدين واجب ولو كان الأبوان كافرين أو فاسقين أو عاصيين غير انه لا يطيعهما في معصية الله سبحانه وتعالى لقوله عز وجل: «وإن جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتبع سبيل من أناب إلي» لقمان 15. وقال الله تعالى: «ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين ان اشكر لي ولوالديك إلي المصير» لقمان 14. وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي، قال: بر الوالدين، قلت ثم أي، قال: الجهاد في سبيل الله، رواه البخاري ومسلم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يجزي ولد والده إلا ان يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم والترمذي والنسائي. وعن أنس رضي الله عنه قال: اتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اني اشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، قال: هل بقي من والديك أحد، قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد» رواه الطبراني. فصاحب القلب القاسي الجاحد المتحجر الذي يريد كل شيء لنفسه همه ان يأخذ ولا يعطي يصانع الناس بألين الكلام ويختار الأحجار الكلامية لأبيه وأمه يبش في وجوه الناس ويعبس في وجهي أبويه ينظر إليهما بعين الجحود ويفضل زوجته في المأكل والمشرب والملبس على أمه ولم يعلم ان دمعة الأبوين بسبب ظلم الأولاد يجعلها الله عليهم ناراً وأن أي دعوة من الوالدين مستجابة ومهما ظلم الابناء آباءهم وأمهاتهم فإن غضب الله عليهم لا يفارقهم وكنوز الدنيا كلها لن تنفعهم ولابد ان يلقى العاق لوالديه من أبنائه مثل ما فعل بأبويه والله غالب على أمره ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس» رواه البخاري. وعنه أيضاً ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اكبر الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه» رواه البخاري ومسلم. أحمد اسماعيل علي