لقد كان مفهوم المسلمين الأوائل عن المسجد مفهوماً شاملاً كاملاً سليماً، لما يجب أن تكون عليه مساجد المسلمين، وأما اليوم فمفهوم المسلمين عن المسجد مفهوم قاصر جزئي ينحصر في أداء الصلاة وبعض المناشط المحصورة بين جدرانه وعند فئة قليلة من الناس.أ ين مسجد الأمس من اليوم؟ أين المدرسة والجامعة الذي كان موئلاً لكل علم وحضارة وهداية من بناء تتحجر فيه المعاني والكلمات والدعوات؟ أين برلمان المسلمين تناقش فيه أحوالهم وأوضاعهم في مختلف الشئون والأحوال والأوضاع من هياكل توشك حجارتها الصماء أن تنطق للإهمال والجفاء؟ أين معسكر وثكنة المسلمين بالأمس حيث كانت تعقد الألوية وتسمى القيادات وتعبأ الجيوش دفاعاً عن الحق وإعلاء كلمته من مسجد اليوم الذي تتردد بين جنباته عظات مجردة جوفاء، قد حددت حدودها ورسمت معالمها واتجاهاتها وأهدافها؟ أين بيت المسلمين تنظم فيه علاقاتهم الاجتماعية من خلال آيات الله تعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) من مسجد اليوم تتعثر فيه التوجيهات والإرشادات بين الواجب المطلوب والواقع المرهوب. وعند الفتح الإسلامي واتصال المسلمين بالحضارات المختلفة، دخلت على بناء المساجد الكثير من الإضافات غير المعهودة لدى المسلمين الأوائل، وكانت بعض هذه الإضافات يغلب عليها الإسراف والتفاخر وتعظيم المباني بالزخرفة والرسوم والنفوش. وقد تأثر العرب في بنائهم بالعمارة المسيحية الشرقية والعمارة الساسانية بالعراق وبلاد فارس والعمارة القبطية بمصر وكان مما أدخلوه الأقواس والطاقات والقباب وزخرفتها والأعمدة وكسوتها بالفسيفساء والرخام وبناء المحاريب والأبراج (المنارات)، وكان لذلك آثار سلبية أهمها التشبه والتقليد للآخرين وخاصة في أماكن العبادة والتي تقود إلى التقليد والإتباع في الأمور التي لا تقل منها خطورة، ثم الزخرفة والتزيين الذي يشغل المصلين عن صلاتهم وقد كره أغلب علماء المسلمين الإسراف في التزيين الذي يذهب الخشوع والطمأنينة عند المصلي، وأخيراً بذل المال في غير محله حيث أن الأموال التي تصرف في التشييد والبناء في الإضافات غير الضرورية أولى بها فقراء المسلمين وطلاب العلم والمرابطون في سبيل الله. وقد علم من قواعد الشرع الحنيف أن سد الذرائع إلى المحرمات أمر مطلوب ومن الأمور التي حضت عليها الشريعة، يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) : «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». وأن التزيين وزخرفة المساجد يفسد صاحبه، ففاعل ذلك بمنزلة من يحلي المصحف ولا يقرأ فيه إلا قليلاً. من نتائج عدم إعطاء المساجد دورها الحقيقي، أن فارقت روح المسجد كل تلك العلوم والمعارف التي كانت تدرس فيه، وتلك النشاطات المتنوعة في الاجتماع والسياسة والجهاد، فخرج القضاء من المسجد، ففارقته روح المسجد من الورع والتقوى، وخرج العلم والتعلم من المسجد ففارقته روح الإخلاص والصلاح، وخرجت الشورى والمناصحة بين المسلمين عن المسجد، ففارقته روح المسجد من الوحدة والوئام وسداد الرأي، وخرج إعداد الجيوش للجهاد في سبيل الله من المسجد، ففارقته روح المسجد من البذل والتضحية والاستشهاد، وهكذا كلما خرج عمل عن المسجد فارقته روح المسجد. وقد فُقدت التربية الروحية والعاطفية عند بعض الناس تجاه المساجد، فهم لا يرون جمال الجامع لأن عيونهم عاجزة عن رؤية الجمال الروحي، وهم لا يخشعون في المساجد لأن قلوبهم لم يصقلها تهذيب حتى تحس بحلاوة الايمان، ولو أن أحداً فتح عيونهم على جمال المسجد وأحسوا قدسية القرآن لعلموا أن المسجد للمناجاة والهدوء والتأمل والتوبة وكلها ضروب من الجمال النفسي يناسبها الجمال المعماري، وما أجمل الاعتكاف في مسجد بديع الصنعة جميل التقاسيم، صاغ الايمان عمده وعقوده وسقفه ومحرابه ومنبره، فالإحساس بملامح الجمال فيه تسبيح وتكبير، والله سبحانه وتعالى جميل يحب الجمال. وهذه ليست دعوة إلى الإسراف في الزخرفة والتفخيم، فعمارة المساجد بروادها وكثرة الخطى إليها، وخاصة أن طبيعة المساجد نفسها تتنافى والفخامة والإسراف في الزينة، لأن المسجد ينبغي أن تتناسب هيئته مع بساطة الإسلام وصفائه، ومن هنا كره الصالحون الضخامة المثقلة في المساجد بالزينة، لأن المظهر الفخم لا يخلو من غرور وتكلف وأن الزينة تصرف المصلى عن الخشوع لله سبحانه وتعالى، (وأنه من مفاخر المعماريين المسلمين، فهم تمكنوا من إنشاء مساجد هي الغاية في الفخامة والروعة مع المحافظة على روح الإسلام التي تتجلى في البساطة الوقورة). ويحمل لنا الرحالة العرب والمؤرخون بعض النماذج التي لها دلالتها عل ضعف دور المسجد وذلك مما طرأ على المساجد وروادها من الخلاف والجدال والاهتمام بالمظاهر والبدع والبعد عن روح الإسلام وبساطته ومنها: ما نجده في القرن الرابع الهجري من ظهور التطريب في القراءة والأذان من مؤذنين مجتمعين، مثل ذلك ما يحكيه ابن رسته، أنه كان بمسجد صنعاء اثنان وعشرون مؤذناً يؤذنون جميعاً في كل صلاة أحدهم في أثر الآخر، ثم يأخذون جميعاً في الإقامة بصوت واحد وهم يمشون من المنارة إلى الصف، فإذا انتهوا إلى الصف يكونون قد فرغوا من الإقامة. ويقول محمد جمال الدين القاسمي: (لقد شاهدنا في عصرنا وما قبله أن المدرسين في الجامع الأموي، كانوا يصلون العشاء جماعات متعددة كل مدرس يؤم تلامذه عند حلقته، وهكذا في رمضان فلا تحصى جماعات التراويح، ولا تسل عن التسابق في حلبة الاستعجال وأيهم يفرغ قبل، وكثير من الدمشقيين يذكرون الكثير من العوائد المبتدعة من الصياح في المساجد والأناشيد فيها والجهر بالأوراد والتشويش على المصلين وضجة المنشدين في الجنائز) وهذه أدلة واضحة على تحريف لأدوار المساجد وتعطيل لوظائفها، وبيان واضح للفرقة التي آل إليها المسلمون حتى وصل الأمر إلى رمز إجتماعهم ومكان إئتلافهم وهو المسجد، ومن الذين بيدهم المسجد من الأئمة والعاملين، والمتوقع منهم أن يكونوا قدوة صالحة ودعاة هداية وإصلاح. د.: سالم سعيد غبار الشامسي