هذه لوحة متكاملة ضاحكة يرسمها لنا القرآن الكريم بدقة عجيبة في كلمات بسيطة ولننظر إلى قوله تعالى (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) النمل: 60. ويخبرنا سبحانه وتعالى كيف تكون ذات بهجة بأنها ـ أي الحدائق ـ تتألف من كل زوج بهيج فيقول تعالى (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج) الحج: 5. وفي آية أخرى (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) ق: 6. هنا تكتمل الصورة، وان لم تكن صورة واحدة بل هي صور متعددة وكل صورة فيها صورة ناطقة ضاحكة تبتسم كأنها تتحرك. (اهتزت) وتعلو بقامتها كأنها تكلمت أو تضحك لك. (وربت) أي كبرت وتطاولت، (وأنبتت من كل زوج بهيج) والبهيج هنا هو المسرور والسار في آن واحد، فهو مسرور لانه يضحك، فالزهر والنور والورود المتناثرة في الحدائق أو في غير الحدائق كأنها أسنان الضاحك، ظهرت من آثار الضحك المتواصل، والرائحة المنبعثة من هذه الأزهار وكأنها رائحة فم هذا الضاحك. فهي إذن بهجة متكاملة، لان الضاحك قد يفسد ضحكه ما يخرج من فمه من رائحة كريهة ولكن عندما يضحك صاحبك أو حبيبك وتشم منه العطر والعبير، فإنك تتمنى أن يظل ضاحكا باستمرار، وتظل مسرورا تضحك من ضحكه وأنت في غاية السعادة. والله سبحانه وتعالى أمرنا أن ننظر إلى خلقه هذا وأن نتأمل هذه البهجة البهيجة لنتنسم منها رائحة العطر وعبق الورد والزهور، ولنقترب منها أكثر لنتعرف على سر بهجتها ونضارتها، أو لنسمع همساتها وحديثها الخفي الذي تخفيه بين أغصانها. وقديما انتبهوا إلى هذه البهجة، وخصوصا في الربيع فعبروا عن هذه اللوحة الجميلة وعبروا عن سرورهم بها فقال قائلهم: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما وقال آخر: وزهر ضحوك يسعد المرء ضحكه ومنه عبير يذهب الهم منعشا وذلك أن ترسم هذه اللوحة وأنت واقف في هذه الحديقة التي صنعتها يد القدرة والزهر والنور يبتسم حولك، والروائح العطرية تأتيك من بين يديك ومن خلفك وعن أيمانك وشمائلك، وتخيل نفسك وأنت مهموم مكروب، وقد زال عنك الكرب والهم. وانحنيت بلا شعور تمد يدك نحو هذه الورود لتأخذ زهرة وتتأملها أمام عينيك عن قريب ولتتشبع من رائحتها حتى تملأ عينيك من هذا العطر البهيج. فهد عبدالقادر الهاجري