الاجتهاد هو الآلية الرئيسية لتجديد الفكر الإسلامي، وهي آلية مستمرة في كل عصر، ولا يمكن أن ينفصل عن التجديد، بل ان هناك من يرى أن المجتهد لابد أن يكون مجددا، ولكن التجديد لا ينحصر في الاجتهاد فقط، إذ أن المجال المتعارف عليه للاجتهاد هو الفقه، أما التجديد فمجاله الفكر الإسلامي كله. ولاشك أن الممارسة الفقهية المعاصرة قد تضمنت الاجتهاد في العديد من القضايا المستحدثة، وأثمرت اجتهادات جديدة ملموسة، ولكن يؤخذ عليها بعض أوجه القصور، سوف نشير في تناولنا لهذا الجانب من تجديد الفكر الإسلامي. والتجديد في مجال الفقه يتحقق بالاجتهاد بحيث يقوم كل جيل من أجيال المسلمين بأداء واجب الاجتهاد. وهو بذل غاية الجهد، واستفراغ غاية الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بطريق النظر وإعمال الفكر. والاجتهاد فرض كفاية على الأمة في مجموعها، تأثم إذا لم يتوافر لها عدد من أبنائها يسد حاجتها فيه، وهو فرض عين على من وجد في نفسه الكفاية له، والقدرة عليه، إذا لم يجد في المسلمين من يسد هذا الفراغ . وبه يعرف المسلمون حكم شريعتهم فيما يحدث من وقائع لا تتناولها صريح النصوص القرآنية أو النبوية. وقد قام العلماء - ولا يزالون يقومون - بهذا الواجب فعلاً. فلا يخلو بلد من بلاد الإسلام من أئمة هداة يلجأ الناس إليهم مستفتين إياهم في مختلف شئون الحياة فيجدون عندهم الجواب الشافي المبني على النظر في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وبهذا يستمر العطاء الإسلامي متجدداً في كل زمان ومكان. وفي متابعته لمسيرة تجديد الفقه يؤكد المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا أن الصحوة الإسلامية المعاصرة حملت أعداداً لا تُحصى من المسلمين وغير المسلمين، في بلاد الإسلام وفي غيرها من بلدان الدنيا، على متابعة الشأن الإسلامي متابعة دقيقة للتعرف على مصدر هذه الروح السارية في أمة ظن أعداؤها منذ قرنين أو أكثر أنها قد ماتت ولم يبق فيها أمل في نهضة أو رجاء لصحوة. وقد وجهت الصحوة الإسلامية بوجه عام، وتيار مشروعها الحضاري بوجه خاص، بأسئلة متكررة عن الاجتهاد والتقليد، وعن مكان النظم السياسية العصرية من هذا المشروع، وعن المرأة والأسرة، هل نعيدهما إلى (عصر الحريم) والبيت المغلق أم نقبل ما صنعته بهما الحضارة المتحللة من قيم الدين والخلق، وعن النظم التي عرفها المسلمون في تاريخهم القديم، هل هي ملزمة لكل المسلمين في الدنيا كلها أم أنها اجتهادات بشرية لتحقيق مصالح الزمان والمكان يجوز لنا - أو يجب علينا - أن نجتهد مثلها لتحقيق مصالح زمننا وأمكنة وجودنا، وعن غير المسلمين في علاقتنا بهم سواء منهم الذين يعيشون في بلدان أغلبية أهلها مسلمون والذين يعيشون خارج هذه البلدان في أقطارٍ هُمْ غالبية أهلها، وعن النظم المحدثة لحماية حقوق الإنسان وحرماته وحرياته، هل نقبلها لأنها نافعة للناس محققة لمقاصد الشرع أم نرفضها ونعاديها لأنها من مكتشفات الحضارة الغربية أو مبتكراتها. ويرصد في كتابه «الفقه الإسلامي في طريق التجديد» بعض الآراء الاجتهادية المعاصرة، في موضوعات فقهية متعددة تشتد حاجة المسلم المعاصر إلى الوقوف على قول الفقهاء فيها. وينبه إلى أن هناك فارقاً كبيراً بين واجب الاجتهاد الذي يقع على العلماء المؤهلين له، وبين الجرأة على الدين التي يقع فيها كثير من الشباب الذين لا يحسنون قراءة نص عربي ولكنهم يقتحمون - بلا خجل - أدق المجالات الفقهية فيحللون ويحرمون بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين. فهناك فارق بين الاجتهاد الذي يقوم به أهله وبين الآراء السطحية الفجة التي يبثها بعض ذوي المناصب والألقاب ممن عرفوا شيئاً وغابت عنهم عشرات الأشياء أو مئاتها. وقد تحدث الكثيرون على أهمية توافر شروط للاجتهاد، غير أن البعض تصور أن حصوله على شهادة جامعية تؤهله للحديث في أمور الدين، بل والتجرؤ على الاجتهاد، في حين أن من يقوم بهذه المهمة ينبغي أن يكون مؤهلاً لذلك تأهيلاً يقبله المجتمع العلمي-.على حد قول العوا - الذي ينبه إلى فارق أساس بين التأهيل للقول في العلم الديني وبين التأهيل للقول في التخصصات الأخرى، وهو ضرورة شهادة العلماء لمن يتصدى للقول في الدين بأنه يصلح لذلك. فلا تكفي هنا الشهادة الجامعية، مهما علت، ولا الدرجة الوظيفية، مهما تكن رفيعة، فكم من أصحاب هاتين، أو احداهما، لو عُرض على قاضٍ عادل لرد شهادته وأسقط عدالته. وكم منهم لا بصر له بالأدلة وترتيبها وكيفية فهمها فضلاً عن القدرة على الاستنباط منها. فالاجتهاد المطلوب، هو اجتهاد العلماء القادرين على ذلك، الذين يؤخذ من قولهم ويرد عليهم - وهو الاجتهاد الذي يسير على مناهج الاستدلال والبحث التي قبِلها المسلمون على امتداد تاريخهم، لا الاجتهاد الذي يتحلل صاحبه من كل قيد، ويتبع هوى نفسه وأغراض فؤاده، أو مصالح قريبة زائلة له أو لمن يسترضيهم بما يقول. فذلك ليس من الاجتهاد في شيء. وفاعله مأزور لا أجر له. ويشهد بأن الصحوة الإسلامية في عصرنا استطاعت - متحلية بنوع من الممارسة المبصرة للاجتهاد - أن تقدم نماذج لفقه جديد تجيب بها على الأسئلة التي ذكرنا أمثلة لها، وأن تبدأ - فوق ذلك - بناء مدرسة فقهية عصرية يتأهل أصحابها للنظر في الأدلة ومواجهة الواقع المتجدد بالرأي السديد الذي يلائم بين ثوابت الإسلام ومتغيرات الزمان والمكان. غير أن نخبة من علماء المسلمين ومفكريهم يأخذون على حركة الاجتهاد المعاصرة، إغفالها لما يمكن تسميته بفقه الأولويات . ويعني أن يضع الفقيه في اعتباره أولويات مصلحة الأمة حينما يتصدى للاجتهاد أو الفتوى، آخذا في اعتباره القواعد الفقهية التي تلبي هذا الهدف، ومنها القاعدة التي تقول ان «درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وأن يأخذ في اعتباره أيضا أقوال العلماء السابقين في هذا الصدد، ومنها «ليس الفقيه من يعرف بأن هذا مصلحة، وهذا مفسدة، بل الفقيه هو الذي يعرف خير الخيرين، وشر الشرين». من هؤلاء الذين نبهوا إلى هذه النقطة الدكتور يوسف القرضاوي الذي أولى اهتماما بهذه القضية وأشار إليها في كتاباته، كما تحدث عنها في بعض المؤتمرات، وخصص لها إحدى الندوات، وهي الندوة التي عقدت بمقر جمعية التربية الإسلامية بالقاهرة منذ عدة سنوات بعنوان«فقه الأولويات» ومن أمثلة الأولويات التي عرضها، أن مساعدة المسلمين المنكوبين والذين يتعرضون لكوراث أو المحتاجين بشكل عام، أولى من حج النافلة. ومن المآخذ على حركة الفقه المعاصرة أيضا إغفالها لما يمكن تسميته بفقه المقاصد، والاستغراق في الفرعيات، وينبه إلى ذلك عدد من العلماء والكتاب الإسلاميين، منهم الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، وعمر عبيد حسنة وفهمي هويدي،،وفي هذا السياق يقول عمر عبيد حسنة أن الآلية الفقهية التي تشكل الأوعية الشرعية لحركة الأمة، ومسالكها بشكل عام، وخاصة في عصور الجمود، جعلت للاجتهاد البشري القابل للخطأ، قدسية النص الديني المعصوم، مما أدى إلى كثير من الصراعات والتمزقات المذهبية، كما انتهت إلى تجريدات ذهنية، وآلية ميكانيكية لإنتاج الأحكام الفرعية، التي قد تنأى عن مقاصد الدين العامة. ويدلل على ذلك بشيوع فقه الحيل الشرعية، الذي يمكن اعتباره فقه مخارج، وليس فقه مقاصد، وصاحبه حامل فقه وليس بفقيه. لذا قرر بعض الفقهاء أن تطبيق القياس - أحد مصادر التشريع- على إطلاقه، قد يفوت مصلحة شرعية معتمدة،ومقصدا من مقاصد الدين، لذلك كان لابد من العدول إلى الاستحسان كمصدر للأحكام لتحقيق المصلحة الشرعية. نخلص من كل ذلك إلى أن تجديد الفقه لابد أن يأخذ في اعتباره جملة هذه الأمور، سواء ما تعلق منها بشروط المجتهد وأهليته والتي لا تكفي فيها الدرجة العلمية أو المنصب الرسمي وحده، أو تعلقت بالمنهج، وما يحتاجه من تفعيل فقه الأولويات، وفقه المقاصد لتحقيق مصلحة الأمة. د. محمد يونس