ولكن شهرزاد نمط فريد جديد من النساء، كانت صورة عكسها القاص القديم على صورتين أخريين من المرأة كانتا أهم ما عرض القاص من صور المرأة قبل شهرزاد. كانت هناك صورة حواء التي أغرت آدم، ثم صورة إمرأة العزيز التي خانت وكادت واحتالت، وألف ليلة وليلة تذكر الصورتين وتؤلف بينهما منذ الصفحات الأولى في شعر يقول: لا تأمنن إلى النساء ولا تثق بعهودهن بحديث يوسف فاعتبر متحذّراً من كيدهن أو ما ترى ابليس أخ رج آدماً من أجلهن أما شهرزاد فلم تكن كائدة ولا محتالة ولم تكن مطية الشيطان وانما كانت المرأة التي تروض الرجل، هي الأم والأخت والزوجة التي تقف إلى جانب الرجل في صبر وأناة لتسعده وتجعله يخوض معركة السعادة مع نفسه، انها هي بنت الوزير التي تطوعت يوم أعيا أباها البحث عن عذراء يقدمها للملك الثائر شهريار قرباناً على مذبح انتقامه وشهواته. لقد دخلت شهرزاد قصر شهريار وسلاحها القصص، أي الفن، تروّض به ثورة شهريار الجبار على بنات جنسها جميعاً، ولعبت بخياله واثارت حب استطلاعه فأبقاها الملك ليلة بعد ليلة ليعرف نهاية المطاف فيما بدأت من قصه. لم يغره منها جمال، ولم تلعب على غرائزه، وكل ما فعلت أنها في مهارة الفنان الحق روت حديث ألف ليلة وليلة، فأفاق الملك الجبار فاذا هو انسان قد شفي من مرض خبيث، وقد أخذ يتنسم السعادة في الحياة على يد شهرزاد وفنها. ـ إذن تحولت شهرزاد إلى ظاهرة عند الغربيين بفضل الترجمة والنقل؟ ـ نعم أيها الصديقان، أخذ الغربيون يدرسون شهرزاد من عدة نواح: من تكون؟ وهل هي شخصية تاريخية؟ وبهذا قال المستشرق الهولندي المعروف دوجويه ميمُهم فربط بين قصة «أستر» في التوراة وحمى بنت بهمن في تاريخ الفرس الاسطوري القديم وبين شهرزاد. والرابط كما يعتقده دوجويه يكمن في أن شهرزاد تطوعت لانقاذ بنات جنسها من الملك الجبار، كما تطوعت أستر لانقاذ بنات جنسها من ملك جبار، واسم «حمى بنت بهمن» كما ورد قديما هو شهرزاد، وقد أثار هذا البحث لموضوعه الديني آنذاك الكثير من الجدل حوله، ولكن شهرزاد ظلت بطلة مجموعة قصص فارسية قديمة، يقال هي الأصل الأول لألف ليلة وليلة العربية، وظلت بهذه الصفة تثير الخيال وتدعو الناس، وخاصة عامة الشعب إلى تذوق فنها. وأصبحت قصص شهرزاد مجموعة ضخمة من القصص والأسماء والأخبار جمعها القاص الشعبي من هنا وهناك على مدى أجيال وأجيال، وعبر أقطار وأقطار، وأضافها كلها بشكل أو آخر لشهرزاد، ومن هنا لا عجب أن تقرأ كثيراً من حكايات الشطار والصعاليك والعيارين. ـ قال هانز معجباً بهذا الدخول المعمّق في تفاصيل شهرزاد: عفواً يا دكتورة رغم أن ما يعنينا هنا هم الشطار والصعاليك إلا أن دخولك في استنباط أصل الكثير من الحكايات، وإرجاع حق تداولها في الغرب إلى ليالي شهرزاد مقنع جداً ويستحق أكثر من وقفة. وكل ما أرجوه هو إعطاء أمثلة دالة على هذا الاستنباط؟ ـ يا عزيزي هانز الأمر الذي يجب ان تدركه جيداً أن شهرزاد أصبحت عند الغرب وأنت واحد منهم عنواناً على نوع من القصص يمتاز بالسحر والألوان الزاهية والخيال الخصب الوفير. وأخذت شهرزاد تقص قصصاً مؤلفا جيداً يزعم مؤلفوه أنه ترجمة عن الشرق أو العربية، وعبق هذا القصص الفرنسي والانجليزي والغربي عامة بالجو الشرقي بكل ألوانه وظلاله الغامضة الساحرة، فقد تدفقت فيه العاطفة بأيمانها المتواكل وحلّق فيه الخيال الحافل بعجائب المغامرات في البر والبحر، وزخر بكل شاذ وعجيب مثير، وخرجت من أحاديث شهرزاد ألف يوم ويوم ومائة يوم ويوم وألف ربع ساعة وربع ساعة، بل وصلت إلى ألف صنيع وصنيع. .. وغداً نكمل