«ما حكم تشريح جثة الميت؟».. هذه القضية بحثها مفتي مصر الأسبق الشيخ عبدالمجيد سليم وقال: لم يرد نص فيما يتصل بتشريح جثة الميت.. والمسألة اجتهادية بين الفقهاء حيث تحدثت كتبهم عن حكم شق بطن الميت إن كان فيه مال، وشق بطن المتوفاة الحامل لاخراج الجنين منه. فبالنسبة لشق البطن إن كان فيه مال فإن علماء الحنفية أجازوا شقه اذا كان المال لغيره ولم يترك الميت مالا يعطى لصاحبه.. لأن حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى.. ومقدم على حق الظالم المعتدي، وقد زالت حرمة هذا الظالم بتعديه على مال غيره. أما مذهب الشافعي المشهور هو اطلاق شق البطن حينئذ ـ يعني جوازه من غير تفصيل إن كان المال لغيره وطلبه. وقال بعضهم: يشق بطنه إذا لم يضمن الورثة مثله أو قيمته. ووافق المالكية أيضا بينما منعه الامام أحمد بن حنبل. وبالنسبة لشق بطن الميتة الحامل لاخراج الجنين، فقد أجازه الحنفية إن علم أن الولد حي.. لأن الشق وإن كان فيه إبطال لحرمة الميت ففيه صيانة لحرمة الحي وهو الولد.. وأجازه الشافعي إن كان يرجى حياة الجنين بعد اخراجه ومنعه المالكية والحنابلة. والذي يقتضيه النظر الدقيق في قواعد الشريعة وروحها أنه اذا كانت هناك مصلحة راجحة في شق البطن وتشريح الجثة من اثبات حق القتيل لدى المتهم أو تبرئة المتهم من تهمة القتل بالسم مثلا فانه يجوز الشق والتشريح. وقد ورد عن جابر بن عبدالله أنه قال «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر وجلسنا معه.. فأخرج الحفار ساقا أو عضوا فذهب ليكسره.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تكسرها فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا.. ولكن دسه في جانب القبر، والحديث يحمل على ما اذا لم تكن هناك مصلحة راجحة أو حاجة ماسة فقواعد الدين الاسلامي مبنية على رعاية المصالح الراجحة وتحمل الضرر الأخف لجلب مصلحة يكون تفويتها أشد من هذا الضرر.. التشريح في كليات الطب مما سبق تحدثنا عن التشريح لتحقيق جناية أو استخراج مال أو جنين بناء على المصلحة الراجحة.. فهل التشريح الذي يمارس في كليات الطب للتعليم فيه مصلحة راجحة على صيانة حرمة الميت؟.. أجاب عن هذا الشيخ يوسف الدجوي فقال: فضلا عما في التشريح من تقدم العلم الذي تنتفع به الانسانية كلها.. وينقذ كثيرا ممن قارب الهلاك أو أحاطت به الآلام من كل نواحيه.. غير أننا نرى أنه لابد من الاحتياط في ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة.. فليقتصر فيه على قدر الضرورة.. وهذه المسألة محل اجتهاد يصح أن تختلف فيه الأنظار.. واذا رجحنا شيئا فإننا نكتب عن رأينا أو رأى فريق من علمائنا.. والخير كله في التوسط والاعتدال والشر كله في الافراط والتفريط. ولم يوافقه الشيخ محمد بخيت المطيعي على ذلك.. فبعد أن ذكر المسائل التي يجوز فيها شق البطن نقلا عن كتب المذاهب التي تحدثت عن اخراج الجنين والمال قال: وبناء على ذلك فلا يجوز شق بطن الميت إلا في المواد المتقدمة وأن التشريح الذي من لوازمه شق البطن بلا سبب سوى بحث الأعضاء ومعرفة وظائفها وما بها من الأمراض فهذا لا يسوغ ولا يجوز. ويمكن الوقوف على وظائف الأعضاء بواسطة فتح بطن حيوان.. لأن كل الحيوانات متساوية في وظائف الأعضاء الحيوانية.. ثم قال: ومن هذا يعلم أن الترشيح الذي من لوازمه فتح البطن لا يجوز.. وفتح البطن لأجل العلاج الطبي يجوز.. لأنه للمحافظة على الحياة فلا إهانة فيه. وجاء في فتوى للشيخ جاد الحق علي جاد الحق أن الميت اذا جهلت شخصيته أو عرفت وجهل أهله يجوز أخذ جزء من جسده نقلا لإنسان حي آخر يستفيد به في علاجه، أو تركه ليتعلم طلاب كليات الطب لأن في ذلك مصلحة راجحة تعلو على الحفاظ على حرمة الميت. من هذا يمكن أن نقول: أن التشريح من أجل التعليم محل خلاف بين العلماء، ومن أجازه قال: لا يصار اليه إلا عند الضرورة وفي أضيق الحدود، ولو أمكن الدراسة على حيوانات مماثلة لكان أولى.. وكذلك لو أمكن الاستغناء بالنماذج المصنوعة وهي دقيقة الى حد كبير فلا يجوز اللجوء الى جثة الآدمي. القاهرة ـ السيد أبوداود