الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. مع قدوم شهر رمضان تنتاب المسلم مشاعر خاصة لا يشعر بمثلها في أي وقت آخر من العام، فالمسلم يقترب من ربه وتتوثق علاقته بالمسجد وتمثل له صلاة التراويح خلاصا روحيا من علائق الدنيا ومباهجها، وتدفقه سنة الاعتكافة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل. ويعد انتظاره وترقهب لليلة القدر إمتثالا لأوامر وتوجيهات النبي - صلى الله عليه وسلم - وطمعه في رحمة الله ومغفرته. في هذا الحوار مع الدكتور عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية نفتح كتاب ذكرياته مع الشهر الكريم ثم يتطرق الحوار إلى قضايا أخرى. ـ ماذا تقولون للأمة الإسلامية في شهر رمضان المبارك؟ أقول للأمة الإسلامية كل عام وأنتم بخير، وأتمنى أن تحسن الأمة إستغلال شهر رمضان الغائب عن حياتها، فالمسلمون يتعاملون مع رمضان بمنطق العادة فقد اعتادوا على أن يصوموا النهار وأن يسهروا الليل لمشاهدة برامج التليفزيون، لقد كان هذا الشهر الكريم شاهدا على معظم الإنتصارات التي تحققت في التاريخ الإسلامي والتي كان آخرها إنتصار العاشر من رمضان، لكننا للأسف - رغم إيماننا وإسلامنا - تناسينا أن الإنتصار تم في شهر رمضان وبفضله، ونحتفل بهذا الإنتصار في السادس من أكتوبر فقط، والأجدر بنا أن نستلهم روح النصر في شهر رمضان وأن نتخذ من الصيام دافعا للعمل والإنتاج. موكب السحور ـ ما أهم ذكرياتكم الرمضانية في مختلف المواقع التي شغلتها؟ ـ كنت مديرا للمركز الثقافي الإسلامي في الصومال في عامي 1957 و1958 وفي شهر رمضان ينظم الصوماليون ما يعرف بموكب السحور، وهو عبارة عن موكب ذاكر وراقص في وقت واحد فالمسحراتي يكون معه طبلة ويسير حوله الأطفال الذين يرتدون ملابس مطرزة وينشدون الأناشيد ويوقظون الناس للسحور. وداع رمضان ـ ما الموقف الذي لا تنساه خلال شهر رمضان؟ ـ عندما كان يأتي شهر رمضان ونحن صغار وأذكر وأنا في السابعة من عمري كان في قريتي رجل عجوز يدعى سيد سكر يسير في الشوارع في العشر الأواخر من رمضان وينشد قائلا: لا أوحش منك يا شهر الصيام، مودعا الشهر الكريم، وكان هذا الرجل يجعل شهر رمضان بالنسبة لي كأنه شخص عزيز علينا سوف يسافر ويتركنا ونحن في شوق كبير إليه، وكان الرجل يبكي، وكنت أبكي معه، وكنت أسير وراءه في وقت السحور حتى ينتهي من المرور على جميع البيوت في القرية ثم أعود إلى المنزل. وهذه الذكريات تثير في النفس حلاوة رمضان وجماله لأنه شهر يقترب فيه الإنسان من الله، خاصة الإنسان البسيط صاحب الفطرة الصافية لأنه يشعر بمشكلات الناس ومعاناتهم، وكان أهل قريتي لا يفطرون في بيوتهم وإنما يفطرون خارج البيت حتى يتمكن الفقراء والمحتاجون من الإفطار معهم، وفي بعض أيام رمضان يقام إفطار في الدوار يأكل منه كل الناس، وهذه العادة تحولت فيما بعد إلى ما يعرف بموائد الرحمن - وإن كانت موائد الرحمن دخلها الكثير من المظاهر والاستعراض. خصوصية مكة ـ ما أوجه الإختلاف بين رمضان في مصر وفي بعض الدول التي زرتها؟ ـ الإختلاف حسب طبيعة كل شعب، لقد عشت في السعودية فترة طويلة كان رمضان فيها من أجمل ما يمكن نظرا لخصوصية مكة فالحرم المكي وصلاة التراويح فيها متعة لا نظير لها في الدنيا، وأذكر أنني كنت أذهب إلى صلاة المغرب في البيت الحرام وأتناول مع المصلين بعض التمرات أو القهوة السعودي ثم نصلي المغرب ونعود فنفطر ثم نرجع إلى المسجد لصلاة العشاء والتراويح فكنا نجد في ذلك سعادة لا مثيل لها في أي مكان آخر خاصة إذا حضر الإنسان ختم القرآن في العشر الأواخر لأن هذا بمثابة غسيل للنفوس وتطهير لماضي الإنسان وكل ما وقع فيه من أخطاء. ولا نجد بلدا في العالم تضاهي السعودية في ذلك نظرا لخصوصية الحرم سواء في مكة أو المدينة. صلاة الفجر ـ وما الذي يرد على ذهنك بإستمرار مع مجئ الشهر الكريم؟ ـ كنت في طفولتي أعيش مع جدي.. وهو من علماء الأزهر وكان يرتل القرآن بصوت جميل وكنت أقلده وكان دائما يحكي لي عن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر بن الخطاب حكايات رائعة كنت أحفظها وأفرح بها فرحا كبيرا وكنت أقصها على بعض أقاربي وأتباهي عليهم بأنني أعرف مالا يعرفون، وكان من عادات جدي أيضا الإستيقاظ يوميا لصلاة الفجر فكنت استيقظ وكنا أحيانا نصلي الفجر في البيت أنا وجدي وعمتي وإذا كان الجو ممطرا وكان يقرأ في صلاته سورة القيامة فكانت أول سورة تنطبع في ذهني من سورة القرآن. ـ وما رأيكم في برامج التليفزيون في شهر رمضان؟ ـ أطالب المسئولين بتخفيض ساعات الإرسال التليفزيوني في شهر رمضان حتى يتفرغ المسلمون للعبادة وصلة الأرحام وغير ذلك مما يعينهم على طاعة الله والإستفادة من نفحات هذا الشهر الكريم وأدعو المسلمين ألا يكرسوا كل وقتهم لمشاهدة التليفزيون في شهر رمضان خاصة الأفلام والمسلسلات التي قد تؤثر مشاهدتها على صحة الصيام، وعلى كل مسلم أن يدرك أن شهر رمضان فرصة ثمينة لغسل الذنوب والمعاصي التي يرتكبها المسلم طوال العام. تهريج ـ ما رأيكم في إنتشار العلاج بالقرآن في المجتمع واعتقاد الناس في المعالجين بالقرآن؟ ـ العلاج له متخصصون، أما علاج القرآن فهو شفاء لما في الصدور والقلوب فهو يمنح الإنسان سكينة وطمأنينة ورضا وحسن الثقة في الله وغير ذلك من المعاني الجميلة التي تصلح النفس وتجعلها قوية وسليمة أما أن تكسر قدم إنسان فيذهب إلى هؤلاء الذين يعالجون بالقرآن فهذا نوع من التهريج والدجل، أما بالنسبة للرقية فهذه معروفة في الإسلام ومأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. ونحن لا نرفضها. ـ هناك كثيرون يتصدون للإفتاء دون أن يتوافر لهم رصيد علمي أو خبرة تؤهلهم للإفتاء فمن الذي يحق له الإفتاء من وجهة نظركم؟ لو تركنا لكل صاحب علم أن يفتي لتحولت المسألة إلى فوضى، وهناك كثيرون غير مؤهلين للإفتاء، فليس كل من حفظ بعض آيات القرآن وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يحق له الإفتاء، ويجب أن يوكل الإفتاء للعلماء المتخصصين المؤهلين المشهود لهم بالعلم والتقوى والورع والصلاح حتى لا تتضارب الفتوى ويصاب العوام بالحيرة ولا يعرفون بأي رأي يأخذون. العالم الإسلامي ـ وما أهم الجهود التي يقوم بها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لخدمة الأقليات المسلمة في العالم؟ الأقليات الإسلامية مسئولية العالم الإسلامي كله وليست مسئولة من المجلس وحده فالدول الإسلامية مطالبة بمساعدة الأقليات ودعمها وتوفير كل ما من شأنه الحفاظ على هويتها الإسلامية مثل بناء المدارس وإقامة علاقات ثقافية بينهم وبين الوطن الأم وكذلك مناقشة قضاياهم في المحافل الدولية، لأن الغرب إذا لم يشعر بوجود دول تطالب بحقوق هذه الأقليات وتدافع عنها فسوف يتجاهل مطالبها ولن يعيرها إهتمامه أما بالنسبة لجهود المجلس فتتمثل في إرسال الكتب الإسلامية بعد ترجمتها إلى اللغات المختلفة وتقديم مكتبات إسلامية متكاملة من إصدارات المجلس وتقديم منح دراسية لأبناء المسلمين للدراسة في الأزهر هذا بجانب إيفاد الأئمة والدعاة الذين يقومون بدورهم في توجيه تلك الأقليات وتعليم أبنائها. والمجلس يؤدي دوره ويحقق رسالته داخليا وخارجيا في ضوء الإمكانيات المتاحة له. وهو يقوم بالتعريف بالإسلام على مستوى العالم وله موقع على الإنترنت يقوم بهذا الدور بجانب لجان المجلس المختلفة التي تصدر دراسات يشارك فيها كبار العلماء والمفكرين تتناول مبادئ الإسلام وأركانه وخصائصه وعطاءه الحضاري وكل ما يتصل بديننا ورؤيته ومنهجه في السياسة والإقتصاد والحرب والسلام وتربية الأسرة وعلاقات المجتمع ومشكلاته. الهيمنة ـ وما هي رؤيتكم للعولمة وهل هي مفيدة للعالم الإسلامي؟ ـ العولمة تساوي الهيمنة على العالم من جانب الولايات المتحدة بالذات على العالم وقوامها وإحتكار المعرفه عن طريق اعتماد قانون التأليف بحيث لا يسمح للعلم أن ينتشر في العالم إلا بتصريح من الدولة التي أنتجت العلم، هذا بجانب الهيمنة الاقتصادية وقوامها إغراق العالم الثالث بالمنتجات الغربية وهذا يعني إنهاء قدرة منتجاتنا على المنافسة وتحول بلادنا إلى سوق لتصريف المنتجات الغربية، ولو تم كل ذلك في ظل غياب القيم والثوابت الأخلاقية لتحول العالم إلى غابة يأكل فيها القوى الضعيف، وأعتقد أن الإسلام هو المنقذ من كل ذلك فهو الذي يعترف بالآخر ويحترم رسالات السماء وهو وحده طوق النجاة للإنسانية كلها التي تهددها العولمة الغربية، ويجب على المؤسسات الإسلامية في جميع أنحاء العالم أن تسارع بكل قواها في عرض حقيقة الإسلام وتقديمه بكل اللغات حتى يدرك العالم أنه لا خلاص له مما يعانيه إلا بالإسلام وبذلك نكون قد أنقذنا أنفسنا وأمتنا من العولمة وشرورها. قوة ذاتية ـ لكنكم رغم ذلك تؤكدون أن المستقبل للإسلام فكيف يتحقق ذلك رغم أن العالم الإسلامي يعاني من الهيمنة الغربية؟ ـ نعم المستقبل للإسلام لأنه الدين الوحيد الذي يحقق للبشرية السعادة في الدنيا والآخرة وهو الوحيد الذي يستطيع إخراجها من هذا الصراع المادي وطغيان المادة على كل شئ وهو الذي يستطيع أن يجعل الشعوب تعيش حياة متوازنة بين الماديات وبين الروحانيات فهو دين وسط يصلح لكل زمان ومكان، وكل ما يريده الإسلام أن يكون له رجال يؤمنون به ويلتزمون بكل تعاليمه ثم ينشرونه بين الناس، فالإسلام قوته ذاتية وإذا تعرفت عليه شعوب العالم معرفة جيدة فسوف تعتنق الإسلام من تلقاء نفسها وهذا هو ما حدث في العصور الإسلامية الأولى لأنه لم يكن باستطاعة الجيوش الإسلامية مهما كانت قوتها أن تفتح كل هذه البلدان - التي أصبحت إسلامية الآن - فالذي حدث أن التجار هم الذين نشروا الإسلام لأنهم كان قدوة في أخلاقهم وتعاملاتهم فأعجب بهم الناس واعتنقوا دينهم. دراسة الواقع ـ إذن ما الذي يجب أن يفعله المسلمون حتى يكون المستقبل لهم؟ ـ لابد أن ندرس الواقع الذي نعيشه بدقة ونحلله بعمق ذلك لأنه ظهرت في السنوات الأخيرة بوادر صحوة إسلامية لكنها قامت على الشعارات والمظهريات التي تمثلت في إطلاق اللحية وإرتداء الجلباب القصير وحمل السواك والالتزام بسلوكيات معينة، هذا وحده لن يفيدنا كثيرا وإنما لابد أن نحدد دوافعنا وأهدافنا في مواجهة هذا القرن الجديد الذي ظهر فيه أعداؤنا الذين تمكنوا من الإمساك بزمام القوة وامتلكوا ناصية العلم وأصبحوا يتحكمون في مقدراتنا ويتهموننا بالتطرف والإرهاب، علينا أن نعرف كيف نخرج من قبضتهم وأن نمتلك حريتنا ونبعث كياننا حتى نصبح مثلهم أو نتفوق عليهم، وهذا لن يتحقق بالشعارات وإنما بالعودة إلى منهج القرآن في بناء الإنسان والدولة وأن نبحث بجدية عن أسباب ضعفنا وتخلفنا في مواجهة الآخرين. القاهرة- ضياء الدين أحمد