هذه رواية قصيرة (نوفيللا كما يقول تعبير الفرنجة) ولأن كاتبها مفكر فيلسوف فهي بالطبع رواية فلسفية ولكن يخفف من غلوائها ان الكاتب ـ فولتير ـ كان يتمتع بروح التهكم والسخرية. وقد نشرت «كانديد» بالفرنسية عام 1758 ـ قبل اندلاع ثورة فرنسا الكبرى بعشرين عاما بالضبط. وقتها كانت فرنسا تموج بتيارات فكرية شتى تتفاعل وتضطرم وقتها في بحر محيط زاخر بالفلسفات والطروحات والنظريات التي كانت تشكل في مجموعها ارهاصات تبشر ـ او تنذر بأن فرنسا على شفا حدث هائل ينطوي على تغيير في حياتها وافكارها ومنظومات قيمها وأنماط سلوكها. المبدع لا يكاد احد يعرف اسم فرانسوا ماري أرويه المولود في باريس عام 1694.. ولكن الكل يعرف اسمه الذي اتخذه من اجل الشهرة او هو الاسم الادبي ـ فولتير ـ اكبر فلاسفة القرن الثامن عشر في أوروبا ـ وهو القرن الذي وصفه الفرنسيون بأنه عصر التنوير فيما اطلق عليه الانجليز اسم عصر العقل. وبطبيعة الحال لم يكن فولتير هو صوت التنوير الوحيد في زمانه وان كان هو الصوت الساخر الممرور.. لقد كان واحدا من كوكبة من رفاق الفكر والفلسفة منهم مثلا مونتسكيو صاحب كتاب روح القوانين ـ الشرائع حسب ترجمة العم الكبير رفاعة الطهطاوي في القرن التاسع عشر وفيه اكد الفيلسوف الفرنسي على مبدأ الفصل بين سلطات الحكم في الدولة وهو المبدأ الذي ما زال حجر الاساس في النظام الديمقراطي.. وكان هناك ايضا جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم ثم ديدرو مؤسس دائرة المعارف ومحررها. احسن فولتير تكوين نفسه وتوثيق عقله فلم يكد يترك فرعا من فروع الفكر والفن الا وطرقه وحاول ان يشارك فيه.. يستوي في ذلك المسرح الكلاسكي والشعر والتاريخ واللاهوت.. لكنه كان ينطلق من فكر انتقادي الى حد لاذع وموقف تحرري الى حد أودى به الى سجن الباستيل ومن ثم الى المنفى في انجلترا مع ذلك فقد كان يحتفظ بصداقات مع اكبر رجالات عصره فكان مقربا من ملك فرنسا لويس الخامس عشر وكان زائرا ضيفا معززا على ملك بروسيا الألماني فردريك الثاني.. واذا كان فولتير كثير الاسفار فقد تعددت مسارح روايته كانديد ما بين فرنسا وايطاليا وتركيا وانجلترا بل وامريكا الجنوبية وهولندا والبرتغال اما زمن الاحداث فهو القرن الثامن عشر. اصل الحكاية كانديد شاب يعيش في رغد اذ هو ربيب بارون الماني واسع الثراء يرفل مع اسرته في النعم السابغة في قصر بالمانيا بل هو قلعة تكاد تحمي سكانها ـ ومنهم بطلنا «كانديد» من شرور العالم الخارجي وتعقيداته، داخل القصر يعيش ايضا مفكر اسمه الدكتور بنجلوس من اتباع الفيلسوف الالماني ليبنتز (توفي عام 1716) الذي اشاع في اوروبا وقتها فلسفة مغرقة في التفاؤل تتلخص في عبارة شهيرة تقول: كل شيء نحو الافضل في هذا العالم الذي لا يفضله شيء آخر. ليس في الامكان اذن ابدع مما كان او مما هو كائن. لكن هذا التفاؤل، هذا النوم في عسل الدعة ما لبث ان انتهى حين يضبطون كانديد وهو يراود فتاة القصر عن نفسها فإذا به في غمضة عين مطرود من النعمة والقصر وقد دفعوا به كي يواجه لاول مرة في حياته حقائق الواقع الخارجي بكل مراراته وتعقيداته ومشاكله. اذن فليتطوع في احد الجيوش.. وليمتع اذنيه بقرع طبول العسكر وهم في الطريق الى ساحة القتال.. كلها متعة موقوتة فالقتال لا يعني الطبول ولا الموسيقى بل يعني الموت والهلاك، هكذا فر «كانديد» بجلده من الجيش وهام على وجهه يستجدي طعاما ولا يعطيه الناس الا اذا وجدوه على مذهبهم الديني، بمعنى ان الاحسان والخير ليس لوجه المولى ولا لوجه قيمة العمل الصالح بل هو مشروط بأن «تكون معنا ومن مذهبنا». وفي الطريق يلقى شحاذا مريضا فإذا به استاذه المتفائل القديم دكتور بنجلوس وكان مطرودا بدوره من نعيم القصر القديم وبعدها ظل الرجلان التلميذ الساذج والاستاذ المتفائل دوما يضربان في فجاج اوروبا بين البر والبحر.. كلما وقعت مصيبة بادر الاستاذ الى تبريرها من منظار وردي.. فهذا زلزال مثلا دمر مدينة لشبونة عاصمة البرتغال واودى بحياة الآلاف.. ولكنه خير عميم في نظر الفيلسوف المتفائل باستمرار لماذا؟ لانه اقتصر على لشبونة ومن ثم امكن انقاذ وافلات مواقع اخرى في اوروبا، او هكذا شاءت الاقدار.. في تلك اللحظة كان عملاء محاكم التنسيق يتسمعون على استاذ يتعاطى الفلسفة ويطلق لفكره العنان متأملا في تفاؤل غريب علاقة الله سبحانه بالانسان.. مثل هذا النوع من الناس لابد من محاكمته وقد نصبوا المحكمة وساقوا المعلم المسكين الى ساحة الاعدام وما كان من التلميذ كانديد الا ان ولى الأدبار قاصدا ادغال باراجواي في امريكا الجنوبية. يطلق المؤلف الفيلسوف فولتير الف عنان لخياله حيث يضع بطله وسط سلسلة من الحروب ومؤامرات القراصنة وسلوكيات الشعوب البدائية ولا بأس من شيء من مناظر البورنو ـ العري المكشوف في غابات القارة الجنوبية (!) ولا بأس ايضا من ان يصل بطل الرواية الى ارض الاحلام ـ مناجم الذهب المعروفة باسم الدورادو حيث الشوارع معبدة بالذهب الابريز وحيث الناس ينعمون بوافر الطعام وفاخر الشراب وكأنها نموذج للعالم المثالي. مع ذلك يفارقها كانديد وقد سلبوا ثرواته وادرك بحق ان العالم حافل بالشرور والخداع والجشع والضعف الانساني. يحط به الرحال في باريس التي يرى انها مدينة البغايا والمقامرين والفنانين غير الموهوبين والسلوك المنعدم الضمير المجرد من الاخلاق حيث الغش والانحراف هكذا تحول تفاؤل كانديد الى تشاؤم عميق وكاد الامر يسلمه الى احباط يجرده من معنى الحياة لولا انه سافر الى القسطنطينية ـ اسطنبول وربما وجد الخلاص عند درويش (متصوف) تركي عجوز لخص لبطل الرواية كانديد واصحابه حكمة الحياة في بساطة قائلا: من حسن سلوك المرء تركه ما لا يعنيه.. انا ارعى حديقتي.. ازرعها واتعهدها بالعمل والجهد وبعدها انعم بما تؤتيه من ثمرات وهكذا فعل كانديد ورفاقه، فبعد سني الدعة والتفلسف الفارغ والخمول انطلقوا يعملون في زراعة ونجارة وحياكة وتنظيف وبدلا من شعار التفاؤل الساذج بأنه ليس في الإمكان ابدع صار الشعار الذي اكتشفوه هو: على كل منا ان يزرع حديقته ويتعهدها بالعمل والرعاية لكي يجني اينع الثمار. الافكار.. الرموز.. الدلالات ان فولتير في رأينا لم يكن فيلسوفا وحسب وإلا لكان قد كتب مقالا مطولا او دراسة محشوة بالتعابير اللاتينية والمصطلحات اليونانية المعقدة او العويصة ـ وحينئذ ما كان سيقرأه وسوى خفة من المتأدبين او المتفلسفين بل كان فولتير متأنيا كذلك... يعرف ان الفكرة لا تشيع ولا تؤثر في الناس الا اذا ساقها صاحبها في شكل يجمع بين العمق والترفيه (لاننسى ان ابا حيان التوحيدي وهو من عباقرة الفكر العربي اختار لكتابه الموسوعي الكبير عنوانه الشهير «الامتاع.. والمؤانسة»، هكذا عمد الفيلسوف الفرنسي الى استخدام شكل الرواية ليقول ان التفاؤل الساذج، مثل التشاؤم الخالص امر مدر لروح الانسان والعبرة في العمل. ثم ان فولتير كان يبغض تجميد الافكار على شكل مذاهب ليتعصب لها اصحابها ويعتنقوها ويرفض اسلوب الادلجة كما قد نقول لانه يصادر على انطلاق التأمل وحرية الفكر. كما يرفض الامعان في تخيل الاشياء والتحليق فوق مشاكل الواقع بدل التعاطي معها والتفاعل مع تعقيداتها بغية التماس الحلول لصالح البشر. يؤمن فولتير بالروح العملية الامبريقية كما يسمونها ومن ثم يكرس عناصر الخبرة الانسانية والتجربة المستقاة من خلال معايشة الواقع. وفي هذا الاطار لا يتورع فولتير في روايته عن ان يسلق الواقع الاجتماعي في بلاده فرنسا بالذات بألسنة الانتقاد الحاد كما يقولون، باريس عنده ليست مدينة النور موئل السحر والجمال كما يقول الرومانسيون الحالمون ـ ان باريس هي واقع الحياة فيها كل ما يراه ويفتقده الفيلسوف فولتير، مدينة فيها التدليس ونفاق رجال الدين بل وفساد المؤسسة الكهنوتية (لا نقول الدينية) التي اصبحت تملك القصور والضياع وتجمع العشور والضرائب من جموع الفقراء مستغلة في ذلك سذاجة ايمانهم ومتحالفة في ذلك مع طبقة النبلاء الاقطاعية المستغلة.. وهو ما ادى ضمن عوامل اخرى الى تفجير الثورة الفرنسية في 14 يوليو عام 1789 وكم احسن فولتير حين عمد الى توسيع نطاق هذا الانتقاد فلم يقصره على فرنسا ولا عاصمتها بل وجه سهامه الى اوروبا التي رأى ان رغد المعيشة الذي ترفل فيه انما قام على اساس استغلال شعوب اخرى تم استرقاق ابنائها (في افريقيا مثلا) او استغلال مواردها (في امريكا الجنوبية او الهند الاسيوية على سبيل المثال). ولان صاحبنا فيلسوف في الاساس فهو مثل غيره من الفلاسفة في حال من البحث الدؤوب عن اليوتوبيا ـ المدينة ـ البقعة الفاضلة على ظهر الارض.. جعل بطله كانديد يطوف الدنيا بحثا عنها، وضعه يوما في الدورادو والارض المموهة بالذهب، ارض الاحلام والخيال لكنه جعل خلاص نفسه يتم فوق ارض حقيقية ارض الحديقة التي اشار اليها احد دراويش الاتراك في العاصمة اسطنبول حديقة تزرع الفاكهة والخضر ولا تنتج الا اذا رواها الانسان بناتج العمل وقطرات العرق والجهد الشريف. ان فولتير يسوق حكايته وقد حشدها ـ كما اسلفنا ـ بكل المغامرات الخليقة بفن البيكاريسك، حكايات الشطار والمغامرين على طريقة عصره.. ولكنه يكتبها بفرنسية بسيطة مباشرة واسلوب فيه قدر كبير من اللماحية والقدرة الموهوبة على رسم المفارقة الساخرة في صور الحياة. وقد عمد فولتير الى اشارة مع عنوان روايته توحي بأنها مترجمة بقلم اديب اسمه الدكتور رالف وهو اسم لا وجود له طبعا لان الاحداث التي يتم سردها على لسان راويه تشي في كل سطر بآراء الاخ فولتير شخصيا. في ذاكرة الانسانية تقف رواية كانديد شاهدا على ان خلاص البشرية ليس في استغلال الاخرين، دع عنك استرقاق الشعوب ولا في حياة العزلة بعيدا عن المشكلات ولا حتى في التماس الحلول الفردية لها. ان كانديد يطرح مشكلات البشرية الثلاث كما يراها على فكر الدرويش التركي الزاهد وهي: الملل والرذيلة والعوز.. وتأتيه الاجابة ان خلاصنا يكمن في ان تتشابك ايدينا ونعمل معا. .. وغدا نواصل