كان عرب الجاهلية يعلمون المنازل القمرية بكل دقة وهو ما اشارت اليه الاية 5 من سورة يونس: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) صدق الله العظيم. والمنازل القمرية هي مواقع للقمر بحيث يقع خلف القمر في حركته السنوية مجموعات نجمية يتمكن فيها المشاهد من تحديد بداية ونهاية كل شهر عربي ثم بالتراكم الحسابي للشهور العربية نعلم عدد السنين القمرية. ولم يكن في عصر عرب الجاهلية اجهزة قياس الوقت الموجود حاليا والتي تطورت من الساعة الميكانيكية الى الساعة الكهربائية الى الساعة الشمسية الى الساعة الذرية واخيرا وليس بآخر الساعة النووية وهي ساعة دقيقة للغاية حيث يصل مقدار دقتها الى واحد على الألف من الثانية وبأجهزة قياس الوقت الحديثة تمكن العلماء من قياس الشهر القمري بكل دقة حيث يبلغ طوله 29 يوماً، 12 ساعة، 44 دقيقة و3.8 ثوان وقد اهمل علماء الفلك في حساب السنة القمرية الثواني لانها لا تجمع سوى يوم واحد كل 2500 سنة اما الدقائق « 44 دقيقة»، فإنها تتراكم لتكون يوم كل ثلاث سنوات تقريبا وبالتالي يضاف هذا اليوم لتكون سنة قمرية كبيسة بطول 355 يوماً أما السنة القمرية البسيطة فطولها 354 يوماً بواقع 29 يوماً للشهر ثم الشهر التالي 30 يوماً وهذا هو محصلة طول الشهر والذي قيمته في المتوسط 29 يوماً و12 ساعة ولكن لتحديد طول الشهر القمري وليصبح شهرا عربيا فيكون الحساب طبقا للقاعدة الشرعية والتي اوضحها الحديث الشريف: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدة من ثلاثين) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويعطينا الحديث الشريف انه عند الحساب الفلكي للشهور العربية يجب ان يكون هذا الحساب معتمدا على امكانية الرؤية البصرية والتي تحقق بشرطين رئيسيين حيث: الشرط الأول: هو ان يكون غروب القمر تاليا لغروب الشمس بحد ادنى 15 دقيقة والشاهد في ذلك الى ما جاء في الآية 2 من سورة الشمس. (والقمر اذا تلاها). أما الشرط الثاني: لتحقيق رؤية الهلال الوليد للشهر العرب فيجب ان يولد هذا الهلال الوليد قبل وقت غروبه بمقدار 12 ساعة كحد ادنى حيث ثبت انه كان عمر الهلال من لحظة مولده الى لحظة غروبه أقل من 12 ساعة فإنه تستحيل الرؤية البصرية وذلك بناء على أقوال علماء الفلك. ومن خلال الشرطين السابقين يقوم علماء الفلك بحساب الشهر العربي والذي قد يختلف عن الشهر القمري بمقدار يوم واحد وذلك لان الشهر القمري لا يعتمد على الرؤية البصرية انما يعتمد على ان يتم مولد الهلال الوليد بالحسابات الفلكية المطلقة قبل منتصف الليل وفي هذا تستحيل رؤيته البصرية على الاطلاق، وذلك لضعف الهلال الوليد عند ولادته بما لا يسمح برؤيته البصرية. علاقة المنازل مع البروج عرف عرب الجاهلية البروج الشمسية من اهل الرومان والذي كان تقويمهم يعتمد على البروج السماوية وقد اشارت الآية 12 من سورة الاسراء الى الحساب الشمسي: (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا عن ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا) صدق الله العظيم. وتبدأ السنة الشمسية عندما تتواجد الشمس الظاهرية في النقطة الأولى لبرج الحمل وذلك يوم 21 مارس من كل سنة وبكل دقة وهي لا ترتبط بذلك بالسنة الميلادية والتي تبدأ من اول يناير بعد ان اختلف المسيحيون في مولد سيدنا عيسى عليه السلام حيث يعتمد المسيحيون في 7 يناير بينما الغربيون في 25 ديسمبر ثم اخذوا قيمة متوسطة بين التاريخين لتبدأ السنة الميلادية. ومن بداية برج الحمل وهو البرج الأول في دائرة البروج وهي دائرة وهمية ونظرية حيث تسير حركة الشمس الظاهرية بمقدار ميل محور الارض الذي هي 23.5 درجة وتستمر الشمس الظاهرية في كل برج بالتوالي 31 يوماً حتى تصل في يوم 22 يونيو الى برج السرطان وهو اعلى نقطة لخط عرض الشمس والذي يساوي 23.5 درجة شمالا ويعلن بدء فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي واطول نهار بينما يكون عكس الظاهرة في نصف الكرة الجنوبي حيث الشتاء واقصر نهار ثم تتحرك الشمس الظاهرية نزولا داخل البرج السماوية الى ان تصل في يوم 23 سبتمبر الى برج الميزان لتعلن بدء فصل الخريف في نصف الرة الشمالي بينما يكون فصل الربيع في نصف الكرة الجنوبي ويستاوى طول الليل والنهار في ذلك اليوم على كوكب الارض ثم تتحرك الشمس جنوبا لتصل الى برج الحوت في يوم 22 ديسمبر لتعلن فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي ومعه اقصر نهار وفصل الصيف في نصف الكرة الجنوبي ومعه اطول نهار ثم تصعد الشمس الظاهرية لتصل الى برج الحمل مرة ثانية في يوم 21 مارس لتعلن فصل الربيع في نصف الكرة الشمالي ونصف الخريف في نصف الكرة الجنوبي مع تساوي الليل والنهار وتكون طول السنة الشمسية البسيطة 365 يوماً بينما يزداد يوم كل اربع سنوات لتصبح السنة الشمسية الكبيسة بطول 366 يوماً ثم جاء عرب الجاهلية بوضع السنة القمرية للتطابق مع السنة الشمسية وذلك بوضع منازل القمر بعدد 28 منزلا حيث يستغرق القمر في مساره داخل كل منزل 13 يوماً وبالتالي يكون عدد ايام السنة القمرية 364 يوماً ثم يزاد يوم في آخر منزلة قمرية وهي منزلة الرشا لتصبح بطول 14 يوماً وبالتالي تتطابق السنة القمرية مع السنة الشمسية بعدد ايام 365 يوماً لكل منها وفي حالة السنة الشمسية الكبيسة يزاد يوم الى منزله المؤخر وهي المنزلة التي تسبق منزلة الرشا ليصبح عدد ايام منزله المؤخر ايضا 14 يوماً وبالتالي تتطابق السنة القمرية مع طول السنة الشمسية الكبرى وبعدد 366 يوماً. تتميز المنازل القمرية عن البروج الشمسية لانه يمكن تحديد اليوم والاسبوع والشهر من خلال وجه القمر الذي يتوالى في شكله من هلال الى تربيع الى احدب الى بدر ثم يتراجع ضوء الشمس عن القمر المعتم ليكون احدب ثم تربيع ثم هلال ثم محاق، اما الشمس فليس لها قدرة سوى تحديد اليوم فقط وذلك بتوالي الليل والنهار اما الاسبوع والشهر فلا يمكن تحديدهما من الشمس بل هو تقسيم عددي دون امكانية الرؤية البصرية إلا في حالة وجود الشمس في الابراج الرئيسية الاربعة وهو الحمل والسرطان والميزان والجدي حيث يتم ذلك بقياس زاوية ارتفاع الشمس على الافق المرئي كذلك مع الاستدلال بالظواهر الجوية الاربع الربيع والصيف والخريف والشتاء. النسييء زيادة في الكفر تبدأ المنازل القمرية بالمنزلة الأولى للقمر وهي الشرطان لتطابق مع النقطة الأولى لوجود الشمس الظاهرية في برج الحمل ويكون هذا التطابق بكل دقة لكليهما في يوم 21 مارس في النقطة الأولى للمجموعة النجمية الحمل وتوالي المنازل القمرية على مدار السنة الشمسية حتي يصل القمر الى المنزلة الاخيرة رقم 28 وهي منزلة الرشا «بطن الحوت» وبالتالي يحدث تطابق لطول السنة القمرية مع السنة الشمسية فإذا كان هذا التطابق الغرض منه تحديد الفصول الاربعة وكذلك لاغراض الصيد البري للحيوانات والجوي للطيور والبحري للأسماء وكذلك لاغراض الزراعة والحصاد آخذين في ذلك ان المنازل القمرية تعطي رؤية بصرية من خلال المجموعات النجمية التي تقع خلف القمر فلا ضرر ولا ضرار اما اذا كان ذلك للتعديل في مواعيد العبادات وكان في وقت عرب الجاهلية هو الحج فهنا يكون الكفر بعينه بل وزيادة في الكفر وهو ما اشارت الآية 37 من سورة التوبة: (انما النسييء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرموه عاما ليواطئوا عده ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين) صدق الله العظيم وكلمة النسييء تعني التأجيل او التأخير ولقد استخدم عرب الجاهلية النسييء لانهم وجدوا ان اليوم العاشر من شهر ذي الحجة يقع احيانا في الشتاء ثم يزحف الى الوراء حتى يصير في الخريف ثم يستمر في الزحف الى الوراء ليأتي في الصيف ثم يستمر الى ان يأتي الحج في الربيع ولم ينتبه عرب الجاهلية الى ان الله تعالى وهو العدل قد جعل السنة القمرية اقل من السنة الشمسية بمقدار 11 يوما تقريبا حتى تتحرك مواعيد الحج داخل السنة الشمسية ليناسب ذلك كل شخص حسب حالته الصحية وبالتالي يأتي في حياة الانسان مواعيد للحج داخل الفصول الاربعة وبالتالي عليه ان يختار ما يناسب حالته الصحية وظروفه الاجتماعية ولكن مع الاسف الشديد فإن عرب الجاهلية لم يهتموا بالعبادة الوحيدة التي كانت تؤدي في عصرهم انما كان اهتمامهم برواج تجارتهم مع اختلاف الفصول الاربعة بالاضافة الى حاجة الابل في رحلاتهم من بلاد الشام وبلاد اليمن الى مكة ليكون الكلأ والحشائش طوال الطريق ولهذا فقد الجأتهم هذه الاسباب مجتمعة الى استعمال النسييء وهو الزيادة او التأخير في طول السنة القمرية لتطابق مع طول السنة الشمسية وكان يتم ذلك بأن يحجوا في شهر ذو الحجة عامين متتاليين فإذا ما جاء العام الثالث اتخذوا عدد شهور ثلاثة عشر شهرا وقد جاءت آية كريمة اخرى لتحدد عدد الشهور بكل دقة وهي الآية 36 من سورة التوبة: (إن عدة الشهور عند الله اثني عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها اربعة حرم..) صدق الله العظيم وكانت الشهور التي حرم الله تعالى فيها القتال هي اربعة شهور منها ثلاثة شهور متتالية وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم شهر متباعد عنها وهو شهر رجب. وقد افادت الاخبار المسجلة عن مرحلة استخدام النسييء ان الحج كان في سنة الهجرة الأولى في شهر شعبان ولذلك لم يحج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكانت مكة مفتوحة الى ان عاد الحج الى موضعه من ذي الحجة فحج رسول الله حجة الوادع اذ انه ابطل النسييء المسيء الى العرب انفسهم وسمي لذلك حجا اقوم فقد كان الحج في العامين الثالث والرابع بعد سنة الهجرة قد وقع في رمضان والخامس والسادس في شوال والسابع والثامن في ذي القعدة ثم صار بعد ذلك في شهر ذي الحجة ولكن هناك من فسر امر النسييء ليس بغرض التجارة بل انه بغرض تحريم شهر من الاربعة الحرم لكي يستحل فيه العرب القتال وكان غرضهم من ذلك توزيع الاشهر الحرم حتى لا يكونوا ثلاثة اشهر متتالية دون حروب وغزوات فكان رجل من بني كنانة يدعى القلمس هو الذي يتولى حساب النسييء واعلانه في موسم الحج بأنه قد حرم المحرم اخر شهر صفر ثم يجييء في العام التالي ليعلن تحريم صفر وتأخير المحرم وقد استند المفسرون في ذلك الى قوله تعالى في الآية الكريمة: (.. يحلونه عاما ويحرموه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله..) صدق الله العظيم واكد المفسرون في ذلك ان عرب الجاهلية لم يكن يعنيهم تعادل السنين القمرية السنين الشمسية وانما كان كل همهم منصبا على اباحة القتال وايا كانت اسباب النسييء بأنه زيادة في الكفر فإنه بعد دخول عرب الجاهلية الى الاسلام وايقاف النسييء اصبحوا يستمتعون بعدل الله فشهر رمضان الذي كان ايام الجاهلية ثابت في شهر اغسطس حيث الحرارة الشديدة واكسبه السمة من «الرمضاء» وهو شدة الحرارة اصبح يتحرك داخل السنة الشمسية ليكون صيامنا متحركا في الصيف ثم في الربيع ثم في الشتاء ثم في الخريف متقهقرا كل سنة 11 يوماً واصبح عرب الجاهلية بعد دخولهم الاسلام هم عرب العلم والايمان. قاسم لاشين