الآن وبعد ان القينا نظرة على مآذن الجامع الاموي والمئذنة القيروانية ينفتح المجال امامنا للبحث في مآذن العالم الاسلامي شرقاً وغرباً وجديداً وقديماً، ولكن ألا يضعنا ذلك امام بحر لجي تتداخل فيه الجغرافيا مع التاريخ والفن مع النقد والعمارة مع الابعاد الوظيفية؟ بلى، تلك هي الحال، فكيف نبحر في هذا البحر اللجي؟ الاقتراحات المنهاجية لا ينقصها الوفرة ولا التعدد حقاً، وعلى سبيل المثال يقترح علينا اندرو بيترسون في «قاموس العمارة الاسلامية» منهاجا جغرافيا ندرس في اطاره على التوالي المآذن في مصر، سوريا، شمال افريقيا واسبانيا، ايران، العراق، الهند، تركيا، شبه الجزيرة العربية، شرق افريقيا، غرب افريقيا، والشرق الاقصى. من الجلي ان هذا المنهاج يغري بتبنيه، وذلك بالنظر الى سهولة تطبيقه وامكانية الوصول عبره الى نتائج محددة تعكس التطور الفني للمآذن في كل منطقة على حدة. غير ان هذا المنهاج يتجاهل عنصراً بالغ الاهمية هو الاستمرارية التاريخية، التي في كثير من الاحيان لا تدع للتقسيم الجغرافي اي قيمة تذكر، فنحن نتحدث هنا عن دار الاسلام التي لم يكن هناك وجود فيها للحدود بالمعنى الذي يعكسه التقسيم الجغرافي، وكل من له ادنى اهتمام حقيقي بالمساجد يعرف ان العديد من خصائص العمارة الشامية شقت طريقها الى شمال افريقيا والاندلس، وان جانبا من ثراء العمارة المملوكية يرجع الى البصمات المعمارية الاندلسية والمغربية، ولطالما وقفت في شبه القارة الهندية مذهولا امام ملامح معمارية نقلت حرفيا من شارع الصليبة الذي طالما قطعته سيرا على الاقدام مرات لا حصر لها في صدر العمر. ما العمل إذن في مواجهة هذه المعضلة المعمارية؟ مرة اخرى نعاود القول ان المقترحات المنهاجية التي تطرح علينا لا ينقصها التعدد، ومن هنا نجد ان بروفيسور روبرت هيلينبراند يقترح علينا ان ندرس على التوالي بعد المنارات الاولى ومنارة دمشق ومنارة القيروان ما يلي: منارات الموحدين، منارات غرب افريقيا، العراق، ايران، المنارات السلجوقية، المنارات الايلخانية، المنارات التيمورية والصفوية، منارات الهند وباكستان، منارات تركيا، منارات مصر. على الرغم من وجاهة هذا الاقتراح الذي يطرحه علينا بروفيسور هيلينبراند، حيث نجد من المثير للاهتمام حقا ان ندرس منارات غرب افريقيا، إلا انني احسب ان هذا المقترح ينصرف اليه النقد الذي سقناه فيما يتعلق بسابقه حيث انه يعتمد الجغرافيا اساسا للتقسيم، وهي كما رأينا اساس معيب. دعنا ننظر في الاقتراح الذي يقدمه رؤوف الانصاري في كتابه «عمارة المساجد»، حيث يقترح علينا ان ندرس العمارة في عهود كل من «الخلفاء الراشدين، الامويين، العباسيين، العهد الاندلسي، الطولوني، الاغلبي، الفاطمي، عهد المرابطين، عهد الموحدين، العهدي المريني، العهود السامانية والغزنوية والبويهية، العهد السلجوقي في ايران، العهد السلجوقي في تركيا، عهد اتابكة السلاجقة، العهد الايوبي وعهد المماليك، العهد المغولي، التيموري، الصفوي، العثماني، واخيرا المساجد في الهند. لست احسب اننا بحاجة الى تفصيل القول في نقد هذا المنهاج، فهو يقسم التاريخ الى شرائح يدرسها كأنها كيانات قائمة بذاتها، فيصل الى ارتباك جلي على نحو ما نجده في تقسيمه لدراسة عمارة السلاجقة، وايضا في ختام التقسيم باعتماده للجغرافيا كأساس لدراسة المساجد في الهند. مرة اخرى، نعود للسؤال الصعب: ما العمل اذن وعلى اي نحو يمكننا دراسة تطور المآذن بشكل متوازن ومتكامل لا يعرف الاختلال اليه سبيلاً؟ لسوف اسمح لنفسي، على الفور تقريباً، ان اطرح على القاريء اقتراحا محدداً، هو اعتماد المنهاج نفسه الذي اتبعته في الدراسة التمهيدية في الجزء الاول من هذه الموسوعة والذي يجمع بين الجغرافيا والتاريخ، فأنت تنتقل على خارطة العالم الاسلامي من الصين الى الاندلس، ولكن هذه الحركة يحكمها التطور التاريخي. غير انني لن اقوم بدراسة شاملة للمآذن باستخدام هذا المنهاج، فمن شأن ذلك ان يوقعنا في الخطر الذي سبق لي ان اشرت اليه في مستهل الحديث عن المآذن، وهو تقديم دراسة ضافية للمآذن بما يعكس اختلالاً مع المكونات الآخرى للمساجد التي نقوم بدراستها. ولهذا، بالضبط، فإنني سأقوم بايراد ثلاث دراسات حالات، املا ان ينسج القاريء على منوالها، وهي على التوالي: ـ المآذن الملوية على نحو ما نجدها في مصر والعراق في العهدين العباسي والطولوني. ـ المآذن المملوكية على نحو ما نجدها في مصر والشام. ـ المآذن الحديثة على نحو ما نجدها منذ بروز دور الدولة القومية في العالم الاسلامي وتجليات حضورها في المراكز الاسلامية خارجه. العودة الى عهد تانج من العبث ان نتصور امكانية ان تكون المآذن الملوية قد ظهرت تحت آفاق العراق في ظل الدولة العباسية وكأنها جاءت من المجهول لتنطلق اليه، فهي بكيانها الهائل لم تكن وليدة عصا ساحر اوجدتها في هذا المكان وذلك الزمان وانما هي ابنة تطور موضوعي لا ينقصه التعقيد. لقد سبق لنا ان لاحظنا جانبا من التطور الذي عرفته المآذن في ظل الدولة الاموية، ومن المؤسف ان مآذن ما بعد سقوط الدولة الاموية لم تلق القدر الذي تستحقه من الاهتمام والدراسة، وربما كانت اقدم المآذن التي بقيت لنا من هذه المرحلة هي مئذنة المجد، أو منارة المجد على نحو ما تدعى بصورة اكثر تواتراً. على الرغم من ان هناك نزاعا لا يستهان به بين المؤرخين حول التاريخ المحدد لبناء هذه المنارة او المئذنة إلا ان من الواضح انها تفتح فصلا جديدا في تاريخ المآذن، فهي من حيث الشكل والوظيفة كليهما تشكل مفارقة حاسمة للاعراف المعمارية التي سادت في القرن الذي سبق بنائها. هذه المئذنة في جوهرها، كيان اسطواني نحيل مشيد بالطابوق، يتسع قطره على وجه الدقة الى ما يتيح استيعاب درج داخلي، مع وجود زخرفة هندسية خارجية منفذة بالطابوق من دون اسراف ولا مبالغة، وهكذا فإنها في الواقع تبدو اقرب الى نبوءة بالحجر لا بالكلمة تحمل توقع سلاسل لا تنتهي من المآذن التي ستنسج على منوالها. ما يلفت نظرنا بشدة هنا ليس ملامح هذه المئذنة فحسب، وانما موقعها ايضا، فهي قائمة بذاتها تماماً وليس هناك من دليل اثري أو ادبي على انها كانت الى جوار بناء آخر ملتصق بها، وربما كان سبب وجودها شأن التاريخ التقريبي لانشائها مما يمكن رصده، من خلال موقعها الاستراتيجي في منتصف الطريق بين القصرين الشهيرين، الاخيضر، وعطشان، والطريق المباشر بين الاخيضر والكوفة، وهي اقرب مدينة بها مسجد جامع يمر عبر الصحراء مباشرة، والوظيفة الاكثر احتمالا لهذه المئذنة هي تحديد هذا الطريق، وشكلها غير التقليدي ربما كان مستمدا من ابراج المراقبة التي يقول ياقوت الحموي والبلاذري انها كانت منتشرة في المناطق الساسانية المواجهة للاراضي التي تقطنها القبائل العربية في جنوب العراق، وامتداداً لهذا المنطق قد يمكن الاشارة الى ان هذه المئذنة ـ البرج جزء من نظام ابراج المراقبة الذي شيد في صدر الدولة العباسية على الطريق الصحراوية الرئيسية وبصفة خاصة درب زبيدة الذي كانت قوافل الحجاج تشقه الى الحجاز. هذه المآذن ـ الابراج ليست بنات لحظة مفاجئة، وانما هي جزء من تيار بكامله من الانشاء والاعمار سنجده في هذه المرحلة، يضم ابنية شتى من بينها المساجد، بالطبع، تعكس اطرافاً شتى من تأثيرات حضارات وادي الرافدين القديمة، والحضارتين الفارسية والبيزنطية، وتتسم المآذن بصفة خاصة بالهيئة الاسطوانية والمخروطية الحلزونية. بناء هذه المآذن اعتمد على قطع كبيرة من الحجر المنحوت او الطابوق والجص، وكما رأينا فقد كانت هذه الاحجار وقطع الطابوق تجعل على هيئة فصوص من الخارج، ولجأ المعماريون الى توسيع قطر مساحة من جسم المئذنة او بدنها احيانا، فاتخذوا منها الشرفة الاولى، حيث تجعل بخرجات تؤيدها مقرنصات، ثم تعود المئذنة الى الارتفاع مرة اخرى كاسطوانة ملساء او مزينة بالنقوش، وقد تنتهي المئذنة عند هذا الارتفاع الثاني بشرفة مستديرة تعلوها مظلة، او جوسق ان شئت، تختم المئذنة من الاعلى. وفي غمار حركة البناء الهائلة هذه سيبرز في المساجد العباسية استخدام البلاط المزجج الملون القاشاني بحسب التعبير الفني، في تزيين الجدران والمداخل واقواس الابواب والمآذن والقباب، حيث ازدهرت صناعة القاشاني في هذا العهد وانتشرت من العراق شرقاً باتجاه اقصى بلاد دار الاسلام، ولا تزال تقاليد هذه الصناعة قائمة حتى اليوم. وجلي ان استخدام القاشاني مرده احتياج موضوعي في البلاد النهرية كالعراق الى التعويض عن الفقر في بعض مواد البناء ذات الصلابة واللون والبريق، وهي الخصائص التي نجدها في المرمر والاحجار. كذلك شهدت هذه المرحلة انتشار استعمال الطابوق اي الآجر في تشكيل الزخارف الهندسية والنباتية بأنواعها وكذلك الحنيات والنتوءات والمقرنصات والعقود وغيرها من العناصر الانشائية البديعة، وذلك لمرونة الطابوق وانصياعه للاستخدامات المعمارية العديدة. من قلب تيار البناء هذا ستبرز المئذنة الملوية في سامراء ومئذنة مسجد ابي دلف التي تشبهها كثيرا، وستظلان من يومهما وحتى يوم الناس هذا تثيران حيرة الباحثين حول المثال الذي تضربان جذورهما فيه. في مواجهة التساؤلات التي تثور في هذا الصدد يشير المستشرق إرنست كوهنل الى ان مئذنة سامراء الملوية بنيت على غرار الابراج البابلية القديمة المدرجة المعروفة باسم «الزقورات» والمنشآت الصينية التي بنيت خلال ملكية تانج، وكانت الابراج الصينية المنتمية الى هذا النوع تعرف باسم «تاي» او «هو» وكانت من خصائص المساكن الملكية بالصين من القرن الحادي عشر الميلادي الى القرن الثالث عشر الميلادي. على الرغم من تعدد الاشارات الى الزقورات كمصدر لفكرة الملوية، إلا ان الكثيرين ممن يستعيدون هذه الاشارات ويرددونها ينسون انه من الناحية العملية لم يعرف لهذا النوع من الزقورات وجود إلا في زقورة خرسباد وزقورة عقرقوف بشمالي بغداد. ايا كان الامر فإن البروفيسور روبرت هيلينبراند يعرب عن اعتقاده بأنه مفهوم الملوية مصدره التأثيرات الفارسية التي واكبت وثوب العباسيين الى السلطة وانتزاعها من ايدي الامويين بأكثر مما كان مصدره النموذج المنتمي الى حضارات الرافدين القديمة. ويظل الامر كما سبقت لنا الاشارة مفتوحاً للنقاش. تحت سماء سامراء تعد مئذنة جامعة سامراء المعروفة باسم الملوية من اهم الآثار العباسية في منطقة سامراء، ويرجع تاريخ انشاء هذا الجامع الى ما بين عامي 232 ـ 238 هجرية، 846 ـ 852 ميلادية، حيث شيده الخليفة العباسي المتوكل على الله في سامراء التي اتخذها عاصمة له، ويظهر جامعها هذه الجهود العظيمة التي بذلت في سبيل انشاء هذه المدينة. هذا الجامع يعد اكبر جامع اثري في العالم، حيث تبلغ مساحته ضعفي مساحة مسجد ابن طولون، وما بقي منه يوضح ان مخططه مستطيل الشكل طوله 240 متراً وعرضه 160 متراً يحيط به سور محصن شيد من الطابوق والجص، ويبلغ ارتفاع جدرانه الخارجية نحو عشرة امتار، وسمكها 2.65 متر، وتدعمها من الخارج ابراج نصف دائرية قطر كل منها 3.60 أمتار، ويبلغ عددها اربعين برجاً، اربعة منها في الاركان وثمانية ابراج في كل من الضلع الجنوبي والضلع الشمالي وعشرة أبراج في كل من الضلع الشرقي والضلع الغربي، وينتصب كل برج من هذه الابراج فوق قاعدة مستطيلة مبنية من الطابوق والجص. وتقوم المئذنة الشهيرة على بعد 25 متراً من الجدار الشمالي للجامع، وعلى محور بابه، وهي ذات مشهد لا سبيل الى الخطأ بشأنه، فهي مخروطية الشكل، مهيبة البدن، ترتكز على قاعدة مربعة طول ضلعها 32 متراً، يرقى الى قمتها عن طريق سلم حلزوني مبنى بالطابوق والجص، يدور حولها من خارجها باتجاه معاكس لاتجاه دوران عقرب الساعة، وتنتهي في قمتها بغرفة صغيرة، مستديرة، ارتفاعها 6 امتار، لها باب من الجهة الجنوبية ويبلغ ارتفاع الملوية عن سطح الارض 52 متراً. وعلى الرغم من ان الملوية، كما سنرى حالاً ليست نموذجاً وحيداً من نوعه في دنيا الناس، إلا انه يبدو ان الاجيال التالية من المعماريين المسلمين رأت في مفهومها المعماري نفسه شيئاً اكثر غموضا والتباساً وإلغازا من ان يتحول الى جزء مندرج في صميم التقاليد والاعراف المعمارية الاسلامية في تشييد المآذن. مئذنة قاهرية فريدة قبل ان نغادر افاق سامراء ـ او سر من رأى اذا شئت ـ الى القاهرة لنلقي نظرة سريعة على مئذنة جامع ابن طولون، علينا ان نتذكر ان هناك مئذنة ملوية في سامراء نفسها هي مئذنة مسجد ابي دلف، الذي يعد من اهم المباني التي بقيت في المدينة المتوكلية التي بناها المتوكل في عام 245 هجرية/860 ميلادية في مدينة سامراء. من ناحية الشكل والتخطيط الهندسي يعد مسجد ابي دلف الجامع صورة مصغرة من الجامع الكبير في سامراء، فقد بني على شكل مستطيل ايضا ولكن طوله لا يتجاوز 215 متراً وعرضه 138 مترا، وهو واسع المصلى وله صحن طوله 156 متراً وعرضه 105 امتار، تحيط بجوانبه اروقة ذات اعمدة مستطيلة الشكل، وتحمل اقواساً مشيدة بالتناظر والتوازي. تقع ملوية مسجد ابي دلف خارج المسجد ايضاً، وهي تشبهها من حيث التصميم والبناء، وتقع على مسافة 9.5 امتار من جدار المقدمة وقد بنيت من الطابوق والجص، وتنهص على قاعدة مربعة الشكل، وارتفاع هذه القاعدة عن الارض 2.7 متر، يعلوها هيكل مخروطي الشكل ارتفاعه 16.3 متراً، فيكون اجمالي ارتفاع الملوية من الارض الى القمة 19 مترا. يدور حول هذه المئذنة من الخارج سلم بعرض 1.15 متر ثلاث دورات، وينتهي الى قمتها. على غرار ملوية المتوكل وشقيقتها الصغرى ملوية مسجد ابي دلف شيد الخليفة المكتفي المتوفي سنة 295 هجرية «908 ميلادية، برجاً مشابهاً، ولكن لغرض دنيوي بحت، فقد اراده على هذا النحو لكي يشرف من فوقه على القرى والارباض المحيطة ببغداد، ومن طريف ما يروى ان المكتفي كان يصعد الى هذا البرج راكبا حماره على سلم حلزوني قليل الانحدار. وكانت تعلو هذا البرج قبة مستديرة الشكل عرفت باسم «قبة الحمار» لهذا السبب عينه، ولله في خلقه شئون. وما دمنا قد فتحنا باب الطرائف، فدعنا نتذكر طرفة اخرى رواها لنا تقي الدين المقريزي في خططه حول سبب بناء احمد بن طولون الذي حكم مصر من سنة 254 الى سنة 292 هجرية للمئذنة على هذا الشكل، فيقول «قيل عن احمد بن طولون انه كان لا يعبث بشيء قط، فاتخذ ان اخذ درجا «المراد قرطاسا او ورقة» ابيض بيده واخرجه ومده، واستيقظ لنفسه، وعلم انه قد فطن به واخذ عليه، لكونه لم تكن تلك عادته، فطلب المعمار على الجامع، وقال: تبنى المنارة للتأذين هكذا، فبنيت على تلك الصورة، أي على صورة الورقة التي كان يعبث بها اي حلزونية الشكل. من الجلي ان المقريزي اورد هذه الطرفة على سبيل الدعابة والترويح عن قارئه، وليس في معرض الجد، ذلك ان المقريزي نفسه سبق له ان قال ان ابن طولون عندما صمم الجامع «بناه على بناء جامع سامراء وكذلك المنارة» اي ان هندسة الجامع اريد بها ان تكون مماثلة للمئذنة السامرائية من حيث شكلها الحلزوني. ولعلي اذكر، على الرغم من غبش الذاكرة الغسقى انني اعندما رأيت مسجد السلطان حسن لاول مرة في طفولتي وقع في قلبي فمضيت في صدر عمري اشق الدروب اليه كما يشق العاشق الطريق الى بستان محبوبته، اما مسجد ابن طولون فعلى الرغم من انه بهرني بأبعاده الهائلة إلا انه بدا لعيني الطفل الصغير الذي كنته كيانا غريبا، وهي غربة لم استطع التغلب عليها حتى يوم الناس هذا. ايا ماكان امر هذه الانطباعات التي هي اقرب الى نجوى القلوب، لا يعلم باسرارها إلا مقلب القلوب، فإن ذلك لا يمنع الحقيقة البسيطة، وهي ان جامع ابن طولون واحد من اهم مساجد العالم الاسلامي، ويقول كريزويل في بيان اهمية هذا الجامع ومئذنته: وهو وان كان ثالث الجوامع التي انشئت بمصر يعتبر اقدم جامع احتفظ بتخطيطه وكثير من تفاصيله المعمارية الاصلية، ذلك لان اول هذه الجوامع وهو جامع عمرو بن العاص الذي بني سنة 21 هجرية / 642 ميلادية لم يبق اثر من بنائه القديم، كما ان ثانيهما وهو جامع العسكر الذي بني سنة 169 هجرية/ 715 ـ 716 ميلادية قد زال بزوال مدينة العسكر نفسها. قد لا يعرف الكثيرون انه كانت لجامع ابن طولون قديما ثلاث مآذن، تهدمت اثنتان لتصدعهما، وبقيت المئذنة مناط اهتمامنا هنا وهي تقع خارج السور الشمالي الغربي للجامع، مستقلة عنه. خلافاً لما يقوله الشيخ طه الولي في كتابه «المساجد في الاسلام» من ان مئذنة جامع ابن طولون مؤلفة من ثلاث طبقات، فهي واقع الامر مؤلفة من اربع طبقات: ـ الاولى: هي قاعدة المئذنة ولها شكل مربع، متخذة من الحجر المنحوت. ـ الثانية: تلي القاعدة وتنهض بشكل دائري. ـ الثالثة: مثمنة الشكل، تنهض من الجزء الدائري. ـ الرابعة: مثمنة الشكل ايضا تعلوها قبة مضلعة على شكل خوذة. ويبلغ ارتفاع المئذنة من القاعدة الى القمة 29 متراً ولها درج يلفها من خارجها بشكل حلزوني من اسفلها الى اعلاها، وليس في المئذنة بكاملها شيء من النقوش ولا الزخارف ولا اية زينة اخرى خلافاً لمعظم مآذن القاهرة. ومعروف ان المئذنة والمسجد معاً مرت عليهما اعمال ترميم وتجديد عديدة، ابرزها تلك التي انجزها السلطان حسام الدين لاجين، في عام 696 هجرية 1296 ـ 1297 ميلادية، ومنها تلك التي امر بها الملك فؤاد الاول، غير ان اكثرها اثارة للجدل هي تلك التي نفذتها وزارة الثقافة المصرية، مؤخراً، والتي لم يتردد بعض كبار مثقفي مصر وآثارييها في رفع دعوى قضائية على الوزارة بسببها، لانهم رأوا فيها اساءة للأثر لا انقاذا له.