روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بم؟ قال صلى الله عليه وسلم: يجمع الله الأولين والآخرين في صليد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو الشمس، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لنا عند ربكم؟ فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وعلمك أسماء كل شيء، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا؟ وفي رواية ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا، فيقول: لست هناكم، ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الارض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: لست هناكم، ربي غضب اليوم غضبا شديداً، لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ائتوا موسى عبدا كلمه الله، وأعطاه التوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى عبدالله ورسوله، وكلمة الله وروحه، فيأتون فيقول: لست هناكم، ائتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيؤذن فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله ثم يقال: ارفع رأسك، سل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا مثله، ثم أشفع فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم اعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود. قال أبوعبدالله البخاري (إلا من حبسه القرآن) يعني قول الله تعالى (خالدين فيها). الشرح والتعليق كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة: أي في طعام يدعى إليه على سبيل الضيافة فرفع إليه الذراع: أي قدمت إليه الذراع من الذبيحة. وكانت تعجبه: لأنها أعجل نضجا، وأخف على المعدة، وأسرع هضما، مع حلاوة مذاقها، ولقربها من القلب الذي هو محل التسبيح، وبعدها عن الأذى فنهس منها نهسة: أي أخذ منها بأطراف أسنانه. وقال عليه الصلاة والسلام: «أنا سيد الناس يوم القيامة»، أي السيد الذي يهرع الناس إليّ يوم القيامة، لتفريج كربهم، وكشف غمتهم. وخص يوم القيامة، لأنه اليوم الذي يرتفع فيه سؤدده صلى الله عليه وسلم، ويسلم له الجميع في هذا اليوم بالسؤدد، وإذا كان سيد الناس يوم القيامة، ففي الدنيا يكون أولى بذلك. أما قوله عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «لا تخيروا بين الأنبياء». فالمراد به تخيير يؤدي إلى تنقيص، وليس في قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة»، فليس في ذلك إشارة إلى تنقيص غيره من الانبياء عليهم الصلاة والسلام. أو المعنى: لا تخيروا بين الأنبياء بالنسبة إلى ذات النبوة، فإنها اختيار من الله تعالى لمن يشاؤه من عباده، فيعصمه من الذلل، ويصطفيه بوحيه، فلا ينافى أنه قد يأتي التفصيل بأمور أخرى غير النبوة والرسالة، كما قال الله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات). ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم السبب الذي تظهر به سيادته يوم القيامة على جميع الناس بقوله: «يجمع الله الاولين والآخرين في صعيد واحد»، الصعيد الأرض المستوية الواسعة «فيبصرهم الناظر» أي يحيط بهم نظر الناظر، لاستواء الأرض وعدم الحجاب، «ويسمعهم الداعي»، لأن الابصار والاسماع تقوى في هذا اليوم، كما قال تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد)، وقال سبحانه: (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج)، وقال ايضا جل جلاله: (مهطعين إلى الداع)، أي مسرعين إليه يمدون أعناقهم. (وتدنو الشمس) أي من الناس مع اشتداد حرها، وقد جاء في بعض الروايات، حتى ما يكون بينها وبين الرؤوس إلا مقدار مرور المكحلة، فتغلي الجماجم من حرها ويشتد العرق، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما نحن فيه، إلى ما بلغكم؟ أي يلهمهم الله تعالى هذا القول لحكمة كبرى، وهي اظهار فضل الشفيع لهم، وإعلان سيادة النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟، أي عند ربكم، لعله ينقذكم من طول الوقوف ويعجل لكم الحساب، والانصراف من هول هذا اليوم الشديد هوله الذي قال الله عز وجل في وصفه على لسان بعض البشر (إنا نخاف من ربنا يوما عبوساً قمطريرا). ثم يلهمهم الله تعالى إلى التوجه إلى أبينا آدم عليه السلام، فيقول بعض الناس: أبوكم آدم هو الذي يشفع بكم عند ربكم، فيأتونه فيقولون: (يا آدم أنت أبوالبشر)، الذي يحزنه ما يسوءهم، فيسعى لتفريج كربهم، ثم يذكرون له نعم الله تعالى عليه، التي تجعله يرجو ان تقبل شفاعته فلا يتأخر عن إجابة مطلبهم، فيقولون له: «خلقك الله بيده»، أي بقدرته من غير واسطة أب ولا أم، ونفخ فيك من روحه، دون بقية الخلق، فإن الله عز وجل يأمر الملك الموكل بالأرحام بنفخ الروح فيهم. (وأمر الملائكة فسجدوا لك)، أي سجدوا لك، متجهين لك كالقبلة، تعظيما لك. (وأسكنك الجنة) إكراما لآدم عليه السلام قبل ان يأكل من الشجرة، فلما أكل منها أخرجه الله تعالى من الجنة لحكمة عظيمة، وإضافة الروح إلى الله تعالى للتشريف والتعظيم والاختصاص أي الروح التي استأثر الله تعالى بخلقها، وبعلم أسرارها. (ألا تشفع لنا إلى ربك) أي عند ربك، (ألا ترى ما نحن فيه) من الكرب، وما بلغنا، أي من الشدائد، وذلك استعطاف منهم لآدم عليه السلام، لعله يقبل منهم فيشفع لهم، ولكنه يمتنع ويذكر للناس سبب امتناعه عن الشفاعة لهم قائلا: (إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله) لأن أيام الدنيا كانت أيام إمهال، وانظار للعباد ولعلهم يرجعون إليه. (يتبع) د. محمود عبدالمتجلي خليفة