إنها السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى من أشراف مكة من قريش وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم قريشية من بني عامر بن لؤي وخديجة هي المرأة الثرية التي تزوجت مرتين وترملت فى المرتين بعد أن أنجبت ابناً وبنتاً في المرة الأولى وابناً آخر فى المرة الثانية. سيدة الأعمال والتي يتسابق أمهر الشباب في قريش لينالوا توكيلها لهم للخروج بتجارتها في قافلة التجارة القرشية نحو الشام. وقع اختيارها لتجارتها إلى الشام على الشاب الفقير «محمد» الأمين ابن صديقتها في الصبا «آمنة بنت وهب» ثم أرسلت إليه بعد عودته بتجارتها رابحة تخطب نفسها إليه وهو يصغرها بخمسة عشر عاماً. وتخوض الكتابات في تعليل هذه الزيجة وينقسم الكتاب إلى فريقين: فريق يعتذر عن تلك السنوات الخمس عشرة بالتبرير والتسبيب وفريق يجدها ثغرة للوثوب منها وإليها حين تشتهى الأضغان مطعناً يؤذى السيدة الطاهرة والشاب الرشيد. ولانملك ونحن نمر على هذه الكتابات بخيرها وشرها إلا أن نكتشف زاوية باهرة أخرى من زوايا الشجاعة المتكاملة التى تميزت بها السيدة خديجة منذ بداية تعرفنا حتى فى لحظاتها الأخيرة عند الرحيل مع ملاك الموت وترجو لقاء الحبيب فى الجنة والحق أن خديجة لم تستشعر تفوقاً بمالها أو نقصاً بكهولتها وأنها عندما ألقى الله محبة محمد في قلبها قدرته بمعيار الندية فوجدته أكبر منها وأجمل منها أما المعيار المادي والزمني فلم يكن إلا وهماً وخيالاً خضع لهما الناس في عجز وغباء. إن الترتيب الإلهى لا يستوعب بسهولة إلا لذوي الفطرة السوية والمؤمنة وهي لم تكن إلا وهو لم يكن إلا لها بكل ماتملك من أصل ومال وقوة يعادلها بل يفوقها النبى - صلى الله عليه وسلم - بأنه الرسول المختار. وإذا كان توافق الأصل والقوة والطهر سابقاً فالمعنى هنا لا يقابله أى مقابل من مال وجاه فى الأرض لأنه رسول الله آخر الأنبياء وقد نزلت الآيات بعد ذلك تؤكد نعمة الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - خديجة زوجاً له وقال تعالى (ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدك عائلاً فأغنى) وقد تم ذلك حين اختار له «خديجة» لتحبه وتطلبه وتشد أزره.. نعم هو الله وحده سخر خديجة لمحمد صاغ قدرها وصاغ قدره ليتم اللقاء على قدر وتم الزواج السعيد المدبر من الله كأرقى ما يمكن أن يتم زواج فى أى عصر حيث لامكان لنعمة مادية زائلة تقف مطمعاً أو حجر عثرة بين اثنين له فيها ولها فيه مثل ذلك. وعلى مدى خمسة عشر عاماً عرفت خديجة حتى قبل النبوة المعلنة نزعة التأمل الذى تميز بها محمد الأمين منذ طفولته وصباه وهاهى تتعمق فهماً لشبابه ورجولته نحو كهولته المتوهجة لتنفيذ وعد الله ببعث نبى آخر الزمان وعرفت خديجة أنها - السكن - لهذه الشمس التي رأتها تخرج من بيتها فتنير العالم. لم تغب عن خديجة الطبيعة الخاصة التى تفرد بها زوجها العظيم وعرفت على وجه يقين أنه بين أشرافها أشرفهم وبين عقلائها أعقلهم وبين أمنائها المشار إليه وحده (الأمين) والصادق لا ينازعه فى الصفتين منازع وقد ألمت من أكثر من مصدر بأخلاقياته وتصرفاته فقد كان عبدها ميسرة معه في رحلته التجارية الخاصة بها ومن الطبيعى أن يحكى لسيدته وأن يسأل فيأتى الجواب ويصحبه الإعجاب من تصرفاته في الرحلة وفي الغربة ومعاملته الطاهرة الشريفة التقية. تفرد بتزايد مع مرور الأعوام حتى ألزم نفسه بعد الزواج بعزلة ينفرد فيها بنفسه في غار حراء في جبل على بعد ميلين من مكة وفي رمضان على مدى ثلاث سنوات قبل نزول الوحى وكانت خديجة تزوده بما يحتاج إليه من ماء وطعام وقليل من الشعير والتمر متفهمة واعية حانية عينها عليه من بعيد لا تغفل عنه وحياتها المنزلية وتجارتها مستمرة ناضجة رابحة. ترعى بيتها ومع أولادها السابقين «علي بن أبى طالب» وبناتها من (محمد المفدى) «زينب»،«ورقية»،«وأم كلثوم»،«وفاطمة» وذكرى «القاسم» الذى أذاقتها وفاته وأذاقت محمدا الحبيب لذعة الثكل المؤلم. تابعت خديجة البشائر والدلالات تتوقع السطوع الباهر بالحقيقة القاطعة لتهتف معها بكل الفرح والشوق والتسليم (إنك لنبى هذه الأمة) أبشر يا ابن عم أثبت فو الذى نفس خديجة بيده إنك لنبى هذه الأمة والله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق. هكذا انطلقت كلمات خديجة قوية فورية جياشة قبل الهجرة لتظل خالدة عبر القرون شاهدة على مبادرة قاطعة بالتسليم والإسلام كلمات بديهية فطرية هي الانحياز الكامل إلى الحق الذى رأته ولمسته فى سمات وقول الزوج الذى عاد لتوه من غار حراء ليروى ماشاهده - وحده من لقاء الروح الأمين ومااحتواه هذا اللقاء من علم وتكليف. مبادرة فورية بالعطاء وانحياز حاسم ويقين بالتكليف الإلهى للنبى المختار... إن التصديق بهذه الدعوة معها العهد بالفداء بلا حدود بيعة خالصة لله ورسوله أمام وعد حق من الله سبحانه وتعالى الذى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. إن الرقة مع العقل فى إطار من الصلابة تتشكل شخصية السيدة خديجة بنت خويلد سكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتي تعد مثالاً راسخاً عبر الزمان. إذن السيدة خديجة مؤهلة لهذه الرسالة.. ومن تأهيلها لها أنها كانت على الأرجح تعرف بعض من يطالع كتب المسيحية والإسرائيلية لأنها لم تكتف بسؤال ابن عمها ورقة بن نوفل بل سألت غيره ممن كانت لهم شهرة بالاطلاع على التوراة وكتب الأديان. إن من علامات النبوة لا يدركها كل من سمع بالدين فلولا أنها عرفت أبناء عمومتها من كان يفهم النبوة هذا الفهم لما كان هذا تصرفها لتصديق الدعوة وصرف الخوف والخشية عن نفس زوجها الكريم. ولما كان لنبى مبعوث مثل رسولنا المختار - صلى الله عليه وسلم - أن تأتيه الطمأنينة من خارج قلبه ولا أن يأتيه التأكد بخبر رسالته من مصدر غير مصدر تلقيه المباشر من الله سبحانه وتعالى عبر جبريل الأمين أيحتاج الرسول -ص- أن تذهب به خديجة إلى ورقة بن نوفل أو غيره ليؤكد أو ينفى. وقد ملك الحق كله حين رأى لتوه ما رأى وسمع ما سمع أن (يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل) إن السيدة خديجة وهذا الأقرب للإيمان والعقل قد هرعت بعد سماعها حديث الرسول المقدس بشأن جبريل وماكان معه إلى ابن عمها وإلى من عنده علم الكتاب لتزف إليهم البشرى والخبر بأنه (نبى آخر الزمان) قد بعث يقيناً ومصدقاً لما بين أيديهم من علم مؤمن عليه وأن هذا النبى الرسول هو «محمد بن عبد الله» وأن عليهم أن يؤمنوا به ويسلموا. وما أن تبدأ أخبار بعثته ودوائر الإيمان تتشكل وتتسع حتى تأخذ دائرة الكفر دورها فى المواجهة تتشدد يوماً بعد يوم شراسة وسفاهة وتحفزاً وتربصاً وسخرية وتشويهاً وقد جمع الفقراء والخطباءوالبلغاء لينصتوا لآيات القرآن المنزل نوراً وإعجازاً. «وتتوالى الآيات بالتكليف نحو الصعوبة (ياأيها المزمل ، قم الليل إلا قليلاً) والرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلنها لخديجة: مضى عهد النوم يا خديجة وكلما احتدم الموقف واقتربت لحظة الصدام الحتمي مع قريش تزداد إشراقاً وشوقاً للمعركة الحاسمة بين الإسلام والكفر بين التوحيد والشرك». ويقول لها الرسول صلى الله عليه وسلم (ياخديجة إن جبريل يقرأ عليك السلام من الله رب العالمين) فتقول «خديجة» فى فيض من البهجة لله السلام ومنه السلام وإليه السلام وعلى جبريل السلام. ونرى فى البيت النبوى حركة دائرية لا تتوقف حتى ولو لحزن أو لوعة للثكل الذى نجده بوفاة «عبد الله» بعد «القاسم»«وعبد الله» ناداه الرسول صلى الله عليه وسلم «بالطيب الطاهر» لكونه قد ولد فى الإسلام وبعد أن بلغت خديجة الخامسة والخمسين. حركة عطاء منهمر خزائنها مفتوحة للمسلمين وأموالها تتدفق إلى كل سبيل لله تدفع عنه هذا الغرم وتقتضى عن ذاك الدين وتسارع إلى الأرقاء المعذبين تشتريهم.. كل هذا والحجارة تتساقط مستمرة من السفهاء تضرب بيتها وتؤذى زوارها وتتصدى هى بالصمت والإهمال للفحش المستمر من جارتها البغيضة «أم جميل» وزوجها «أبو لهب».كل هذا وخديجة آخذة بيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتمنع عنه الأذى وتغسل الأقذار الملقاة عليه». وأمر الله بالهجرة للمسلمين فهاجرت رقية ابنتها مع زوجها عثمان بن عفان إلى الحبشة وارتضت خديجة هذا ولم ترها بعد ذلك. ومع رؤية المسلمين يهاجرون والدعوة معهم يحملونها إلى خارج الجزيرة العربية لا مكة وحدها ومع أمر الله بأن تكون الدعوة جهاراً يطيش سهم المشركين البغاة تعلن قريش حربها المستمرة من الحصار وتجويع المسلمين ومن يواليهم ويكون من قريش التخيير بين منع القوت أو التخلى عن محمد وتقدمت خديجة بما تبقى لديها من مال وزاد وعتاد تسير مع المسلمين خلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - داخلين جميعاً ليواجهوا معاً حرباً ضارية بشعب أبى طالب عند الجبل حتى أذن الله بتحطيم هذا الحصار بعد ثلاث سنوات من التعب والإنهاك. وخديجة قد شارفت على الخامسة والستين.. وهن الجسد لكن العزيمة والروح خرجت أصلب وأقوى والمسلمين أكبر عدداً. سقط تهديد قريش بالاختيار بين (الخبز أو محمد) وانتصر المسلمون في المعركة وكان لابد أن يكون للمعركة شهداء. خرجت خديجة «السكن الرؤوم» شهيدة المعركة قبل ثلاث سنوات من الهجرة.