من بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، خلفه صحابته الكرام وتلاميذه ورواد مسجده فكان الصحابة رضوان الله عليهم تلاميذ مدرسة النبوة، التي مقرها المسجد، هم أساتذة الناس ومعلموهم الخير، والقادة الذين يجمعون الناس على ما جمعهم عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) فالتاريخ قد ذكر لنا في صفحاته أن الصحابة الكرام قد تفرقوا في الأمصار والبلدان المختلفة، وحيثما وجد المسلمون جعل الصحابي مقره المسجد ليربي الناس على ما رباه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلمهم القرآن وينقل إليهم هدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) كما تعلمه منه، ولقد تخرج على أيديهم جيل خير وصالح من التابعين رضي الله عنهم، وخلفوا الصحابة بعد ذلك في أداء الأمانة فكانوا من خير القرون لقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم». فكانت المساجد في الكوفة والبصرة، وكان مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط ومسجد عقبة بن نافع في القيروان، أولى المساجد الإسلامية التي تأصلت فيها اللغة العربية التي أصبحت لغة العلم والعلماء، وفيها وضعت أصول النحو لحماية اللغة العربية من العجمة، ففي المسجد الجامع بالبصرة كان الخليل بن أحمد يعقد مجلسه العلمي، وعلى يديه تتلمذ أئمة النحو، وفي مسجد الكوفة كانت دروس القراءات تعقد وكان أول من جلس لإقراء القرآن الكريم وتجويده وضبطه عبدالله بن حبيب بن ربيعه الضرير، وفي هذا المسجد جلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعلم الناس أصول دينهم، كما جلس فيه عبدالله بن مسعود معلماً للحديث والفقه، وقد ظهرت في الكوفة مدرسة لتفسير القرآن الكريم كان من أهم رجالها سعيد بن جبير والفراء وغيرهما، وكانت حلقات التفسير أكبر الحلقات التي شهدها هذا المسجد. وفي القرن الثالث الهجري في البصرة كان بها ثلاثة جوامع رئيسة، وفي القرن الرابع بدأ أولو الأمر في جعل عدد المساجد ذات المنابر متمشياً مع حاجات الناس ومطالبهم، فيذكر المقدسي أنه كان بالفسطاط إلى جانب مسجد عمرو بن العاص ستة جوامع تقام فيها صلاة الجمعة، وأن الزحام كان يشتد في جامع عمرو حتى تمتد الصفوف إلى الأسواق على أكثر من ألف ذراع من الجامع، وحتى تكون المساجد الصغيرة والدكاكين حوله من كل جانب مملوءة بالمصلين، وقد أحصى ناصر خسرو في عام 440 هجرية غير هذه المساجد السبعة، أربعة أخرى في القاهرة، أما في بغداد فكان ازدياد عدد المساجد أبطأ سيرا، فكانت الصلاة لا تقام في أول الأمر إلا في مسجدي المدينة والرصافة، إلى وقت خلافة المعتضد، فإنه في عام 280 هجرية جعل الناس يصلون في دار الخلافة بقصر الحسني على دجلة، ولما جاء المكتفي أقام في هذا المكان مسجداً جامعاً فاستقرت الصلاة في المساجد الثلاثة حتى عام 329 هجرية. ويذكر المقريزي أن أحمد بن طولون رتب في مسجده دروساً لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة التي عمل أهل مصر عليها الآن، ودروساً في القرآن، الكريم والحديث النبوي، ودرساً للطب، ورتب للخطيب معلوماً وجعل له إماماً راتباً ومؤذنين وفراشين وقومه وعمل بجواره مكتباً لإقراء أيتام المسلمين، ونهج الفاطميون المنهج نفسه، عندما بنوا الجامع الأزهر، ففي عهد المعز لدين الله الفاطمي جلس قاضي القضاة أبو الحسن علي بن النعمان للدرس فيه وقرأ على الحضور فقه الشيعة في كتاب الاختصار وكانت هذه أولى حلقات الدرس في الجامع الأزهر. وفي القرن السادس الهجري، وجد ابن جبير أن المساجد التي يُجمع فيها ببغداد أحد عشر مسجداً، هذا مع أنها فقدت كثيراً مما كانت عليه حتى أصبحت على حد تعبير ابن جبير داخلة في قول حبيب: لا أنت أنت ولا الديار ديار، ولعله يقصد في ذلك غزوات المغول على الخلافة الإسلامية. ولقد اهتم الخلفاء والأمراء من المسلمين بالمساجد اهتماماً كبيراً، وزودوها بما تحتاج إليه من أجل القيام برسالتها، وشجعوا المتعلقين بها، والمترددين عليها بالعطاء والهبات والاحترام، فتوسعت العلوم وكثر الدارسون ونال الرخاء المعمورة، وشاع الخير في الجميع، ولقد تنافس الخلفاء والسلاطين والأمراء في الاهتمام بالمساجد والعناية بها على مدار التاريخ بناءً وتوسيعاً وإدارة وكان كل خليفة أو سلطان أو أمير يريد لسلطانه أن يتوطد ولحكمه أن يقوى، أو يرمي إلى إقامة مجتمع قوي متماسك متعاون على الخير، فأول ما يتوجه إليه هو الاهتمام بالمسجد ومن يضمه المسجد من المؤمنين، وكان الكثير منهم يفعل ذلك مقتدياً برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فكثر البناء للمساجد والتوسع في المرافق واستجلب لها العلماء، وشُجع الطلاب وهيئ لهم كل وسائل التحصيل العلمي والتربوي. د. سالم سعيد غبار الشامسي