أخبرنا القرآن الكريم عن المحسوس والملموس ونبهنا إلى مواطن الجمال في ذلك كله، وأخبرنا عن جمال آخر لا نراه ولكنه يطلق لخيالنا أن نتصور بعض اللوحات الجمالية، قد ندركها وقد لا ندركها، ولكن مجرد التفكير والتخيل ينمي فينا الإيمان ببديع صنع الله وعظمة خلقه وفسيح كونه. ونريد أن نسترسل مع القرآن الكريم ـ حيث أباح لنا ـ في هذه اللوحة التي يرسمها لنا حيث يمتزج الخيال مع الإيمان. فيخبرنا سبحانه على ملائكة العرش وكيف يحملونه، ولو كان خبرا محضا لكان في التخيل نظر، أما عندما يحثنا على النظر والتخيل فلا شك ان الخيال سيسرح كثيرا، ولن يصل إلى الحقيقة، لكن مجرد التخيل يعتبر امتثالا وفي نفس الوقت هو اعتراف بعظمة الخالق وبديع صنعه وجلال ملكه. يقول الله تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) الزمر: 75. ويقول أيضا (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) غافر: 7. وقال تعالى أيضا (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) الحاقة: 17. وقيل انها ثمانية صفوف لقوله تعالى (وجاء ربك والملك صفا صفا) الفجر: 22. ولا يكتمل الخيال في هذه إلا إذا عرفنا شيئا عن حملة العرش والعرش. أما العرش فلا نعلم شيئا عن عظمته سوى ما سيسوقنا الخيال إليه، لكننا عرفنا أن الكرسي وسع السموات والأرض. أي السموات والأرض من عالم الكرسي، والكرسي من عالم العرش. وأما حملة العرش فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا عن واحد من حملة العرش لما عرفنا رأس الخيط، ولما عرفنا كيف نتخيل هذه العظمة وذلك الجمال والجلال. يقول النبي صلى الله عليه وسلم «أُذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه ـ أي كتفه ـ مسيرة سبعمئة عام» أخرجه أبو داود 4727 وهو صحيح. ولا ننسى أننا لا نعرف أي عام يقصد هل هو السنة الدنيوية أم الأخروية أم التي يقول عنها تبارك وتعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» المعارج: 4. أم التي يقول عنها تبارك وتعالى (وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) الحج: 47. فنحن إذن لا ندري مقدار هذه السنة ولا مقدار ذلك اليوم. وهذا الملك واحد من ثمانية صفوف لا نعلم عدد كل صف، وهنا نستطيع أن نتخيل هذا الجمال والنور والعظمة والسلطان الذي لا يتناهى. لاننا سوف نحار في تقدير عظمة ملك واحد. ثم نحار في عدد الملائكة في الصف الواحد ثم نحار في حجم الكرسي بالنسبة للعرش. وبعد هذه الحيرة المتكررة نتخيل كيف تكون الملائكة حافيه من حول العرش وليس هذا الخيال ممنوعا بل هو جائز لنا كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال «تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله» إنها لوحة خيالية ومن المستحيل أن ترسم إلا في الخيال، لان القلم لا يستطيع أن يعبر عن العظمة هذه. وسبحان الله رب العرش العظيم. فهد الهاجري