قال هانز والابتسامة تعلو وجهه: أنا سعيد جداً بلقائك يا دكتورة.. إسمي هانز يورجن باجلسدورف، من ألمانيا، وقد انتقلت من العام 2001 الى العام الذي نحن فيه الآن لكي أسمعك، وأعرف تفاصيل كثيرة عن شهرزاد الشرق التي نقلت إلينا حكايات مثيرة وساحرة.. حكايات لا تخلو من المغامرة والاثارة. قلت للدكتورة مضيفا على ما قاله هانز: نحن مهتمان بأخبار وحكايات ومغامرات الشطّار والصعاليك، وقد التقينا من كتب عنهم وتطرق إليهم، وقد رأينا أن نقابلك، خاصة وان هناك من أشار علينا بذلك. ـ أشكركما على هذا التواصل، وعلى تلك الروح والحماسة لمعرفة التفاصيل الدقيقة، لكني لن أتكلم عن الشطار والصعاليك بل سآخذ كما في دهاليز التاريخ إلى سنوات ماضية.. قال هانز: نعم يا سيدتي، نريد أن نعرف كل شيء، كل شيء عن شهرزاد، خاصة وأن قراءاتي تحمل اسم انطوان جالان الذي ارتبط اسمه بتلك الحكايات الساحرة. ـ إذن انتما تريدان ان تسمعا الحكاية من بدايتها؟ ـ كلنا آذان صاغية، خاصة وانك مثلما عرفنا تملكين أسلوبا قصصياً وحكائياً مثيراً. ـ لقد قلت لكما انني لن اتحدث عن الشطار، بل سأكلمكم عن شهرزاد ألف ليلة وليلة التي نقلت كثيراً من تلك الحكايات إلى أوروبا.. فاستمعا لما أقوله جيداً.. في عام 1704 في منتدى من منتديات باريس التقى راهب ماروني من حلب اسمه «حنّا» برجل فرنسي نحيل الجسم مُرهف الحس اسمه إنطوان جالان. وكان الفرنسي عارفاً بالشرق محبا له، فلقد كان قنصلاً لبلاده في عاصمة الشرق الزاهية، الأستانة، وله ترجمة للقرآن الكريم مازالت محفوظة في دار الكتب الأهلية في باريس، وكان فوق هذا وذاك من هواة جمع التحف، فكان الوزير الفرنسي كولبير آنذاك كثيراً ما يكلفه بجمع تحف له. وكان جالان يهيم بسحر الشرق، فما كاد القس يحدثه بأقاصيص شهرزاد التي عرفتها يا هانز حتى فتن بها الفرنسي المرهف، وأخذ القس يروي على جالان كيف فتنته أقاصيص شهرزاد، فكان يهمل في قراءاته الدينية أحيانا ليجد عند شهرزاد ألواناً أخرى من المعرفة، وآفاقاً من السحر والخيال، كلها تشعر بجلال ملكوت الله. وهكذا عبرت شهرزاد من الشرق إلى الغرب في قلب قس هام بحبها، إلى عقل قاصٍ فرنسي كان متلهفا إلى لقائها، فألهبت حسه وأطلقت خياله. قاطع هانز الدكتورة معجباً بمدخل الحكاية المثير: ـ لقد كان سردك للحكاية مثيراً يا دكتورة، حتى أنني عشت لهفة جالان لسماع أقاصيص القس، وكأني جزء من الحكاية. ـ حتى الآن لم أبدأ بعد يا هانز، أدعوك أيها العزيز لاصاخة السمع.. وأكملت الدكتورة حكايتها: أخذ القس يروي وجالان يكتب بالفرنسية، حتى اضطرّا إلى افتراق، فلما عاد القس إلى بلاده أرسل إلى صديقه الهائم بالشرق وسحره كتابا فيه نحو ربع الليالي التي قصتها شهرزاد على الملك شهريار، فعكف جالان على الترجمة جملة بعيداً نوعاً ما عن النص، فإذا قصصه تكسب من أسلوبه هو، ومن خياله أيضاً ما جعلها تغزو القلوب. ولم يعرف تاريخ الكتب كتابا كان له مثل هذا الذيوع والانتشار قبل ان تصدر ترجمة جالان لليالي الشهرزادية، فلقد طبعت الترجمة الفرنسية ثلاث طبعات في بضعة أعوام، وترجمت ترجمة جالان إلى أكثر من عشرين لغة أوروبية. ـ قلت للدكتورة: هل تستطيع القول أن جالان كان سبباً مباشراً في تعريف شهرزاد ولياليها بالعالم الغربي. ـ نعم وبالتأكيد، فالغرب لم يكن يعرف تلك الحكايات إلا بعد أن نقلها جالان، فذاع صيت شهرزاد، وبالتالي فجّرت تلك الشخصية أقلام الغربيين ووحيهم وأوقظت الاهتمام بألف ليلة وليلة وبها كما لم يعرف عن أية شخصية تاريخية أو خيالية من قبل. ـ ولكن لماذا شهرزاد بالذات هي التي حرّكت المياه الراكدة في الغرب، هناك مئات الشخصيات المثيرة التي لم تجد اهتماماً. ـ أوافقك الرأي، لكن شهرزاد نسجت بشكل آخر، فقد كان جالان عاشقاً لها وهائماً في حبها وكأنه الشهريار الذي كانت تحكي له أقاصيصها، إضافة إلى أن شهرزاد كانت نمطاً فريداً من النساء في خيال القاص، فلقد تعود القاص أن يصور العاشقة الوالهة، والخائنة الغادرة، وتعود أن يصور المحاربة والمحتالة والمغامرة والقابعة في دارها. وغدا نكمل