يشكل التعامل مع السنة النبوية واحدا من أهم وأبرز أوجه التجديد في الفكر الإسلامي، ويلحظ الراصد العام لهذا الجانب أن ثمة نوعين من التعامل الجديد مع المصدر الثاني للتشريع، يدخل الأول في إطار خدمة السنة النبوية، وتيسيرها للناس من خلال استعمال التقنيات الحديثة في حفظ السنة، وفهرسة وتسهيل إمكانية الوصول إلى الحديث النبوي، أما الثاني فيعد من صميم تجديد الفكر الإسلامي ويتمثل مع مواجهة أزمة فهم السنة وتصحيح أسلوب التعامل معها. و لا يعد النوع الأول من التعامل تجديدا في الفكر، وإنما تجديدا في وسائل الحفظ والفهرسة وهو عمل جليل تصدت له العديد من المؤسسات والشركات بما أمكن معه توفير السنة النبوية وإمكانية البحث في متونها والتعرف على الأحاديث النبوية ورواتها ودرجة صحتها، وهو أمر ما كان يتوفر لغير المتخصصين - بهذه السهولة - لولا استعمال التقنيات الحديثة والثورة الرقمية، لخدمة السنة النبوية، من خلال تخزين وفهرسة آلاف الأحاديث النبوية على أقراص الليزر الصلبة وطرحها في شكل برامج للحاسب الآلي يمكن للمستخدم العادي الاستفادة منها. أما النوع الثاني الذي يعنى بتصحيح أسلوب التعامل معها وهو الأهم في قضية التجديد، فقد تصدى له نخبة من علماء المسلمين، ولم تقتصر جهودهم على مجرد صد الهجمات التي تعرضت لها السنة النبوية، طوال القرن الماضي، والتي حاولت النيل منها تارة، والتشكك في حجيتها في التشريع تارة أخرى، وإنما تعدت ذلك إلى مواجهة سوء فهم السنة النبوية أو التعامل معها، سواء من جانب بعض قطاعات الصحوة الإسلامية المعاصرة أو من خارجها. ففي مقابل أولئك الذين حاولوا التقليل من شأنها، نجد بعض المتحمسين لها إلى حد أنه ينصب من نفسه مفتياً في الحلال والحرام لمجرد أن قرأ بعض الأحاديث النبوية! يخبرنا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بما سوف تتعرض له السنة من سوء التعامل معها، وينبه إلى دور العلماء في مواجهة ذلك، حيث يقول «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». رواه ابن جرير وتمام في فوائده. وإذا كان علماء الحديث قد وضعوا قواعد ومناهج تسد الطريق على منافذ الانتحال، فإن تحريف أهل الغلو وتأويل الجاهلين، هما ابرز ما يواجه السنة النبوية اليوم بخاصة من جانب بعض المسلمين الذين يسيئون فهم السنة ويشوهونها من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! وهكذا اصبح التساؤل حول كيفية التعامل مع السنة في هذا العصر بما يليق بها باعتبارها التفسير العملي للقرآن الكريم، والتطبيق الواقعي له والمثالي أيضاً، مطروحا ليس فقط على اساتذة الحديث في الجامعات الإسلامية، وإنما أيضا على كبار العلماء والمفكرين الإسلاميين. وفيما يتعلق بالتشكيك في السنة وحجيتها في التشريع، يتفق علماء المسلمين الثقاة وأساتذة الحديث وفي مقدمتهم الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر- على أن التشكيك في السنة النبوية تشكيك في القرآن الكريم لأن القرآن الكريم لا يمكن أن يفهم بدون السنة النبوية، فقد قال تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» أي انه انزل إليه القرآن ليبينه هو صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وتقريره وما يلزم ذلك. ومن ثم فإن كل ما قاله الرسول من أحاديث نبوية ما دام صحيحا يلزم العمل به استجابة لما أمرنا به الله سبحانه وتعالى: «وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا». بالإضافة إلى ذلك فإنه لا يمكن تطبيق تعاليم القرآن بدون السنة النبوية فالقرآن فيه أوامر مجملة مثل «أقيموا الصلاة» و«آتوا الزكاة» و«كتب عليكم الصيام» ولكن كيفية الصلاة وعدد الركعات، وكيف نصوم وما مقادير الزكاة وكيف نحج كل ذلك نأخذه عنه صلى الله عليه وسلم ـ الذي قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال: «خذوا عني مناسككم» فالسنة مفصلة لما جاء مجملا في القرآن ومبينة لما جاء مبهما منه ومن هنا فإن التشكيك في السنة النبوية تشكيك في القرآن. وقد تصدى المفكر الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي لسوء تعامل المسلمين مع السنة في العديد من كتبه ودراساته، ونبه إلى أن صاحب الرسالة - صلى الله عليه وسلم - قد أشار إلى ما سوف تتعرض له السنة النبوية على أيدي الغلاة والمبطلين والجهال، حيث حذر من ثلاث آفات تمثل خطراً على السنة النبوية هي: أولاً :تحريف أهل الغلو وهو الذي يأتي عن طريق التنطع والبعد عن الوسطية التي تميز بها الإسلام وقد حذرنا النبي الكريم من هذا الغلو بقوله :«اياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ». ثانياً :انتحال أهل الباطل :والمقصود به محاولة أهل الباطل أن يدخلوا على المنهج النبوي ما ليس منه وان يلصقوا به من البدع ما تأباه طبيعته وترفضه عقيدته وشرعيته ولهذا وضع علماء الأمة قواعد دقيقة لمقاومة الأحاديث الموضوعة والانتحال في السنة. ثالثاً :تأويل أهل الجهل :فلا شك أن سوء التأويل يشوه حقيقة الإسلام ويحرف فيه الكلم عن مواضعه وهذا التأويل السييء يأتي به الجاهلون بالدين الذين ليس لهم رسوخ في العلم يعصمهم من الزيغ والانحراف في الفهم، ومعظم الفرق الهالكة والطوائف المنشقة عن عقيدة الأمة وشريعتها، أهلكها سوء التأويل. ويحدد الدكتور القرضاوي في دراسة «كيف نتعامل مع السنة النبوية»مبادئ أساسية للتعامل الصحيح مع السنة المشرفة من أبرزها: - الاستوثاق من ثبوت السنة وصحتها حسب الموازين العلمية الدقيقة والتي تشمل السند والمتن مشيراً إلى أهمية الرجوع إلى أهل الذكر في هذا المجال حتى يمكن تمييز صحيح الحديث من سقيمه ومقبوله من مردوده. - حسن فهم النص النبوي وذلك حسب دلالات اللغة، وفي ضوء سياق الحديث وسبب وروده وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى، وفي إطار المبادئ العامة والمقاصد الكلية للإسلام.. .مع ضرورة التمييز بين ما كان من السنة النبوية تشريعاً وما ليس بتشريع، وما كان من التشريع له صفة العموم والدوام وما له صفة الخصوص فإن أسوأ الآفات في فهم السنة خلط أحد القسمين بالآخر. -التأكد من سلامة النص.. أي ألا يكون هناك معارض له أقوى منه، سواء من القرآن الكريم أو أحاديث أخرى «أوفر عدداً أو أصح ثبوتاً أو أوفق بالأصول وأليق بحكمة التشريع »أو من المقاصد العامة للشريعة التي اكتسبت صفة القطعية. وفيما يتعلق بجهود خدمة السنة النبوية تصنيفا وفهرسة وحفظا،طالب الدكتور القرضاوي في اكثر من مناسبة بضرورة إعداد موسوعتين للسنة النبوية :الأولى تشمل رجال الحديث فتحصر جميع الرواة وكل ما قيل فيهم من وصف وتعريف أو توثيق أو تضعيف. والثانية لمتون الحديث بأسانيدها وتجمع كل ما روي من السنة... والموسوعتان تهيئان لموسوعة ثالثة وهي موسوعة الصحاح والحسان اعتمادا على القواعد والمعايير العلمية الدقيقة التي وضعها علماء المسلمين. وهذه الموسوعة المنتقاة ينبغي أن تبوب تبويباً جديداً وتفهرس فهرسة حديثة وتصنف بأسلوب يخدم جميع العلوم الدينية والإنسانية والاجتماعية بما يفيد الباحثين ولا شك أن استخدام الحاسب الآلي هنا يعين على تحقيق كل ذلك وييسر السنة مفهرسة ومصنفة بما يوفر على الباحثين والفقهاء وطلاب العلم الحصول على احتياجاتهم من السنة بأسرع وقت سواء للوصول إلى الأحكام الشرعية أو الإعداد للدراسات الدينية. كما أن السنة بحاجة إلى شروح جديدة تجلي حقائقها وتوضح الغرض منها وتصحح المفاهيم وترد على الشبهات والأباطيل، على أن تكتب هذه الشروح بلغة يفهمها الناس في هذا العصر. من بين أبرز الذين تناولوا السنة النبوية برؤية تجديدية، الشيخ محمد الغزالي وبخاصة في كتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»الذي أثار -ولا يزال - ردود فعل متباينة ومعركة فى العالم الاسلامى. والحقيقة أن الغزالى أراد أن يبين الأصول والقواعد العلمية فى التعامل مع السنة النبوية دفاعاً عنها من عبث العابثين، وليس لأنه ينكر حجية السنة أو يخاصمها، كما زعم البعض بعد صدور الكتاب المشار إليه، فالشيخ اراد أن يصحح فهم بعض الفتيان الذين «يتطاولون على أئمة الفقه باسم الدفاع عن الحديث النبوي، مع أن الفقهاء ما حادوا عن السنة، ولم يستهينوا بحديث صحت نسبته وسلم متنه. وكل مافعلوه أنهم اكتشفوا عللا فى بعض المرويات فردوها- وفق المنهج العلمي المدروس- وأرشدوا الأمة إلى ما هو أصدق قيلا وأهدى سبيلا». وقد أثبت الدكتور يوسف القرضاوى أن هذا الكتاب ليس ضد السنة، مؤكداً في كتابه «الشيخ الغزالى كما عرفته®. رحلة نصف قرن»أن هذا القول فيه ظلم للغزالى الذي طالما دافع عن حجية السنة النبوية وهاجم خصومها بعنف، وموضحاً أن منطلق الغزالى فى هذا الكتاب هو الدفاع عن السنة أمام فريق (العقلانيين). د. محمد يونس