ورث المسلمون عن جدارة واستحقاق كل ما يتصل بفن صناعة المعادن في تلك الأمصار الشاسعة التي فتحوها، فمن الهند شرقا عرفوا منذ ما قبل الاسلام صناعة السيوف والخناجر والأنصال، وقد لاقت ازدهارا كبيرا في بلاد العرب، كما قلدوا الهنود أيضا في استخدام الاحجار الكريمة لتصنيع المشغولات المعدنية حتى لو كانت من أسلحة القتال والنزال. وعن بلاد الشام ومصر خاصة استوحى المسلمون في القرون الأولى للهجرة تقاليد صياغة الحلي ولاسيما تلك المصنوعة من الذهب. أما صناعة الأواني المعدنية ولاسيما من الفضة والنحاس فقد اقتبس الصناع المسلمون في أول الامر أساليب الفرس الساسانيين سواء الصناعية أو الزخرفية حتى ان كثيرا ما يحدث اختلاف بين العلماء على نسبة قطع بعينها الى العصر الساساني المتأخر أو بداية العصر الاسلامي. غير ان الفنانين المسلمين لم يلبثوا على منوال المحاكاة الا قليلا، وبادروا سريعا الى تطوير أساليبهم مبدعين طرائف فنية راقية ذات طابع اسلامي صرف. على النقيض من تراث الأمم الغابرة المليء بغزارة المشغولات الذهبية، يقف تراث فن المعادن الاسلامي، اذ تندر فيه التحف الذهبية باستثناء بعض قطع الحلي، ومن عجب ان ذلك لم يؤثر في قليل أو كثير على مكانة الفن الاسلامي اذا أعطت مهارة الصانع المسلم للأواني النحاسية قيمة فنية رفيعة تعز على بعض المشغولات الذهبية. وتعود ندرة الأواني الذهبية والفضية في العصور الاسلامية الى كراهية استخدامها أو تحريمها طبقا لتعاليم الاسلام، ولايعني ذلك ان المترفين قد تخلوا كلية عن صياغة أوان من الذهب والفضة، اذ نجد في بعض المتاحف العالمية نماذج فنية رفيعة وان تكن نادرة لقطع من المعدنين الثمينين انتجا للاستخدام في غير الأغراض التي كان مباحا فيها لنساء المسلمين استعمال الذهب والفضة. ومهما يكن من أمر ندرة أواني الذهب والفضة بين منتجات المعادن في العصر الاسلامي فان تنوع أواني وأدوات النحاس والبرونز وثراء زخارفها قد أعطى للمنتجات المعدنية الاسلامية مكانتها المستحقة في تاريخ الفنون فعلى رخص مادة النحاس، ذلك المعدن الفلزي الشائع الاستعمال في أرجاء المعمورة لم يقدر لأمة ان تسبغ عليه هذا القدرة الهائل من التكريم الفني الذي لقيه في ديار الاسلام قاطبة، اذ يندر ان تخلو المدن العريقة في الشرق الاسلامي من حي خاص تصنع وتباع فيه الأواني النحاسية سواء عرف هذا المكان باسم «النحاسين» أو«الصفارين» نسبة لصفار هذا المعدن. وقد تنوعت الأواني التي صنعها المسلمون من النحاس والبرونز المصبوب أيضا فهناك الصواني والأباريق والصحون والطاسات والطشوت والشمعدانات والثريات والمرايا والعلب والمحابر والاهوان والمباخر، كما تعددت أيضا الطرق الصناعية التي استخدمت في تنفيذها وان كانت أهم هذه الطرق وأكثرها شيوعا. الطرق والصب في القالب. ومن أجمل التحف المعدنية التي صنعت في ايران شمعدان من البرونز صنع من قطعة واحدة في خراسان حوالي نهاية القرن السادس الهجري «12م» وهو منقوش ومطعم بالنحاس والفضة. ويبلغ ارتفاع الشمعدان المحفوظ بمتحف الكويت الوطني حوالي 32 سم. وقد استخدم أسلوب التكفيت في تنفيذ زخارف الفضة والذهب التي يزدان بها هذا الشمعدان ويعتبر التكفيف ابتكارا اسلامياً أصيلا، ومن المرجح أنه عرف أول ما عرف في شرقي ايران والموصل خلال عصر الدولة السلجوقية. ويقصد بهذا الأسلوب اضافة معدن ثمين كالفضة أو الذهب الى بدن الآنية النحاسية أو البرونزية، ويتم ذلك بحفر الزخارف على سطح الشمعدان حفرا عميقا، ثم تملأ الاجزاء المحفورة بأسلاك رفيعة من الذهب أو الفضة بواسطة الطرق حتى يستوي سطح هذه الأسلاك تقريبا مع سطح الآنية. ويعتمد هذا الأسلوب في الزخرفة على اضافة الفوارق اللونية الطفيفة الى المشغولات المعدنية فضلا عن البريق الجميل الذي يعطية لون الذهب أو الفضة. ولا جدال في ان استخدام المعادن الثمينة في التكفيت اضافة الى زيادة القيمة المادية للشمعدان البرونزي فانه أيضا قد اكسب الشمعدان جمالا فنيا لا سبيل لانكاره، دون ـ وهذا هو الأهم ـ ان تستثير هذه الزخرفة حفيظة الفقهاء ورجال الدين. وفي هذا الشمعدان اعتمد الصانع على استخدام مادتي الفضة والنحاس الأصفر في زخرفة البدن البرونزي بطريقة التكفيت، ويبدو أنه لجأ الى استخدام النحاس الأصفر عوضا عن الذهب لتخفيف كلفة الشمعدان ولكن مظهر الشمعدان ظل يومئ بأن زخارفه المكفتة انما هي من الذهب والفضة. وقد زخرف أضلاع الشمعدان الثمانية بزخارف نباتية وكتابية ورسوم حيوانات شديد التنوع والثراء حتى لم يبق جزء من البدن الخارجي الا وقد غطى بالزخارف. فعند القاعدة نجد زخارف بارزة مكرره تم تنفيذها بالصب، قوامها في كل ضلع من الأضلاع شكل طائر يفصل بين حيوانين يجلسان في وضع المواجهة، وتعتبر هذه الزخرفة من أهم تقاليد الفنون الساسانية التي اقتبسها الفن الاسلامي وطورها.وأسفل هذا الشريط الزخرفي شريط زخرفي ضيق به زخارف مجدولة، أما قيمته فقد احتوت على شريط متوسط الاتساع يحتوي على كتابات نسخية جميعها منفذة بأسلاك الفضة المكفتة على خلفية من زخارف التوريق العربية. وهذه الكتابات تشمل عبارات دعائية لصاحب الشمعدان مثل «السلامة والنعمة والدوام». أما الشريط الزخرفي الأوسط وهو الأكثر اتساعا وجمالا فيحتوي على خلفية من زخارف التوريق«الأرابيسك» التي تعتمد على تكرار رسوم أنصاف المراوح النخيلية المرتبطة بسيقان تنثني وتتداخل مع بعضها البعض، وفوق هذه الخلفية التي نفذت بالفضة المكفتة نجد رسما لفهد ينقض على غزال يحاول عبثا الفرار من مطاردته، وقد حرص الفنان هنا على الاكثار من استخدام النحاس الأصفر لزخرفة جسدي الفهد والغزال وذلك لابراز التناقض بين بريق النحاس وبريق الفضة الغالب على تكفيت زخارف التوريق. ويلي منظر الصيد الذي يعد الموضوع الرئيسي في زخارف الشمعدان ينتهي البدن المثمن بشريطين يؤكدان على روح التراصف والتماثل التي تميز الفن الاسلامي، فأولهما عبارة عن زخارف كتابية ولكنها نفذت هنا بالخط الكوفي الذي تنتهي هامات الأحرف فيه بشكل أنصاف المراوح النخيلية المكفتة، ويلي ذلك الشريط الزخرفي الأخير وهو تكرار حرفي للشريط الذي رأيناه عند قاعدة الشمعدان أي أنه يحتوي على شكل طائر يفصل بين حيوانين جالسين في وضع المواجهة. أما قمة الشمعدان التي تحتوي الفتحة المخصصة لتثبيت شمعه ضخمة، فهي محمولة على رقبة متعددة الأضلاع وبها زخارف نباتية منفذة بطريقة التكفيت بالفضة، وقد ازدانت الفتحة ذاتها بشريط من كتابات كوفية مكفتة بالفضة ومن فوقه اطار عريض من زخارف هندسية قوامها مثلثات متقابلة وفي النهاية يأتي شريط ضيق من زخارف مجدولة ترد في ايقاع محسوب على الشريط الزخرفي المجدول الذي نفذه الصانع عند قاعدة الشمعدان. والحقيقة ان هذا الشمعدان رغم رخص الثمن الذي توفاه الصانع وهو يستخدم النحاس في تكفيته عوضا عن الذهب الا أنه جاء حافلا بالجامعات التي نراها في الأدوات المكفتة بالذهب والفضة، فضلا عن رشاقة أسلوبه الزخرفي والحيوية الكبيرة التي نفذت بها مناظر الصيد. واجمالا فان الشمعدان على صغر حجمه لم يغادر أنواع الزخارف الاسلامية الا واقتبس أكثرها شيوعا فمن الزخارف الكتابية اعتمد الصانع على الخطين الكوفي والنسخي كما استعار بعض الزخارف الهندسية ورسوم الحيوانات الى جانب زخارف التوريق العربية، وجميعها من العناوين العريضة للفن الاسلامي. ولا مراء في ان جهدا خلاقا كان وراء خروج هذا الشمعدان ليس فقط في الشكل الثماني الشديد التوازن ولكن أيضا في الدقة والبراعة التي يتسم بها دوما أسلوب التكفيت وتجدر الاشارة الى ان زخرفة المعادن بالتكفيت قد انتقلت من الموصل الى العديد من أرجاء العالم الاسلامي، وخاصة في أعقاب الغزو المغولي لايران والعراق، حيث فر الصناع من الموصل باتجاه الشام ومصر عقب نجاح المغول في الاستيلاء على بغداد عام 656هـ «1258م». ومما يؤكد ذلك أننا نجد على بعض الأواني النحاسية التي صنعت في مصر المملوكية توقيعات لصناع ينتسبون الى مدينة الموصل. وقد كان هؤلاء «المواصلة» وراء نشأة «سوق الكفتيين» الشهير بالقاهرة. د. أحمد السيد محمد