هو عبد الله أبو العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين ومئة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول وهي الليلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه، وأمه أم ولد اسمها مراجل ماتت في نفاسها به وقرأ العلم في صغره. سمع الحديث من أبيه وهشيم وعباد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وإسماعيل بن علية وحجاج الأعور وطبقتهم. وأدبه اليزيدي وجمع الفقهاء من الآفاق وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن. روى عنه: ولده الفضل، ويحيى بن أكثم، وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي والأمير عبد الله بن طاهر وأحمد بن الحارث الشيعي ودعبل الخزاعي وآخرون، وكان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة لولا ماأتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن ولم يتول الخلافة من بني العباس أعلم منه وكان فصيحاً مفوهاً وكان يقول: معاوية بعمره وعبد الملك بحجاجة وأنا بنفسي وكان يقال:لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة فالفاتحة السفاح والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد وقيل: إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثاً وكان معروفاً بالتشيع وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى علي الرضى. وكان المأمون أماراً بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء وعن الرشيد قال: إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور ونسك المهدي وعزة الهادي ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع - يعني نفسه - لنسبته وقد قدمت محمداً عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء والنساء ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه. استقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وهو بخراسان واكتنى بأبي جعفر. قال الصولي: وكانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كني بها كالمنصور والرشيد، وفي سنة إحدى ومئتين خلع أخاه المؤتمن من العهد وجعل ولي العهد من بعده علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل: إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه وهو الذي لقبه الرضى وضرب الدراهم باسمه وزوجه ابنته وكتب الآفاق بذلك وأمر بترك السواد ولبس الخضرة فاشتد ذلك على بني العباس جداً وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدي ولقب «المبارك» فجهز المأمون لقتله وجرت أمور وحروب وسار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب علي الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم مانقموا عليه إلا ببيعته لعلي وقد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياماً وبقي في اختفائه مدة ثماني سنين. وأسند الصولي أن بعض آل بيته قالوا: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم فقال: إنما فعلت مافعلت لأن أبا بكر لما ولي لم يول أحداً من بني هاشم شيئاً ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولي علي فولى عبد الله بن عباس البصرة وعبيد الله اليمن ومعبداً مكة وقثم البحرين وماترك أحداً منهم حتى ولاه شيئاً فكانت هذه منه في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت. وفي السنة العاشرة والمئتين تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل وبلغ جهازها ألوفاً كثيرة وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوماً وكتب رقاعاً فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها ونثر صينية ملئت جوهراً بين يدي المأمون عندما زفت إليه. وفي سنة إحدى عشرة ومئتين أمر المأمون بأن ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وفي سنة خمس عشرة ومئتين سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة وحصن ماجدة ثم سار إلى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة ومئتين إلى الروم وافتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر ودخلها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين ثم عاد في سنة سبع عشرة ومئتين إلى دمشق والروم. وفي السنة الثامنة عشرة والمئتين امتحن الناس بالقول بخلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتاباً يقول فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوة الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين ماأنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال الله تعالى (إنا جعلناه قرآناً عربياً) فكل ماجعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى: (وجعل الظلمات والنور ) وقال: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال: (أحكمت آياته ثم فصلت ) والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطاعوا بذلك أن يغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظاً وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمي عن شده وحظه من الإيمان بالله وبالتوحيد وكان عمّا سوى ذلك أعمى وأضل سبيلاً ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فأجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن عملهم في القرآن وترك شهادة من لم يقرأ أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك. وكتب المأمون إليه أيضاً في أشخاص سبعة وهم: محمد بن سعد كاتب الوقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون، وإسماعيل بن داود، وإسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولاً ثم أجابوه تقية. وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون: أجبنا خوفاً من السيف. ثم كتب المأمون كتاباً آخر من جنس الأول إلى إسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل، وبشر بن الوليد الكندي، وأبو حسان الزيادي، وعلي بن أبي مقاتل، والفضل بن غانم، وعبد الله بن عمر القواريري، وعلي بن الجعد، وسجادة، والذيال بن الهيثم، وقتيبة بن سعيد، وسعدويه الواسطي، وإسحاق ابن أبي إسرائيل، وابن الهرس، وابن علية الأكبر، ومحمد بن نوح العجلي، ويحيى بن عبد الرحمن العمري، وأبو نصر التمار، وأبو معمر القطيعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم، وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال لبشر بن الوليد: ما تقول؟ قال: قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال: والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال: أقول: كلام الله قال: لم أسألك عن هذا أمخلوق هو؟ قال: ماأحسن غير ماقلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلي بن أبي مقاتل: ماتقول؟ قال: القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل: ماتقول؟ قال: كلام الله قال: أمخلوق هو؟ هو كلام الله لا أزيد على هذا ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم وقال ابن البكاء الأكبر:أقول: القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق؟ قال: فالقرآن مخلوق؟ قال: لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون. فورد عليه كتاب المأمون: بلغنا من أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسوا الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى ويقول في الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاد فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القاتل لأمير المؤمنين: إنك تحلل وتحرم؟ وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله: إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل بحسن الجواب وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وأفنه بها وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر ومااكتسب من الأموال في أقل من سنة - يعني في ولاية القضاء وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلاً ولاء أول دعي فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه وإنما قيل له «الزيادي لأمر من الأمور قال: وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح والمعروف بأبي معمر وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشغولون بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم ومانزل به كتاب الله في أمثالهم لا ستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الأبرياء شركاً وصاروا للنصارى سبهاً.