في ربوع العالم الإسلامي هناك العديد من المدن التراثية، مثل المدينة المنورة والقدس والفسطاط والقيروان وإسطنبول وبخارى وحلب، وهذه المدن وأن كانت تختلف عن بعضها البعض في الكثير من الخصائص المعمارية والحضارية والتاريخية، فإنها قد تأثرت بلاشك بالمدينة المنورة التي شهدت بداية البنيان المعماري والحضاري الإسلامي. وحول المدن التراثية في العالم الإسلامي يدور الكتاب الجديد للباحث خالد عزب، حيث ناقش بشيء من التفصيل المدينة المنورة وعمارتها في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام، والقدس المدينة وتراثها المعماري، والفسطاط أولى عواصم مصر الإسلامية والقيروان المدينة والمسجد، واسطنبول المدينة التي بشر بفتحها رسول الله، وبخارى الشريفة وحلب لؤلؤة بلاد الشام، وقد حمل الكتاب عنوان المدن التراثية في العالم الإسلامي. ملكية خاصة اختار المؤلف أن يبدأ بالمدينة المنورة والذي يوم أن دخلها الرسول عليه السلام بركت ناقته عند موضع مسجده، وكان هذا المكان مربدا لسهل وسهيل وهما غلامان يتيمان من الأنصار، فقام الرسول في هذا المكان فقال الغلامان نهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وبنى الرسول مسجده، والذي كان في البداية، مجرد مكان للصلاة ثم أصبح مركزا سياسيا واجتماعيا وحضاريا وملتقى علميا وبذلك صار المسجد مركز الثقل في المدينة وحوله تبلورت الأنشطة الاقتصادية، وفي اختيار مكان المسجد دروس معمارية عديدة منها أنه عند اختيار الأراضي التي تبنى عليها المساجد والتي تكون ذات ملكية خاصة فيجب أن تؤخذ موافقة أصحابها وأن يتم تقدير ثمنها، والدرس الثاني تجهيز الموقع وإعداد مواد البناء، والدرس الثالث يتمثل في مشاركه الرسول الكريم وصحابته في عملية البناء وبإستخدام المواد المتوافرة في بيئة المدينة المنورة من جذوع النخيل والجريد، والدرس الأخيرة يتمثل في اقرار الرسول لفعل تميم الداري حينما أسرج المسجد النبوي بالقناديل وبذلك شجع الرسول أي عنصر معماري جديد يمكن أن يضاف إلى المسجد ويسهل من أداء وظيفته. دور للضيافة كما بنى الرسول مساكنه إلى جوار المسجد ومن نفس مواد البناء الموجودة في بيئة المدينة المنورة، وقد باشر الرسول بعد ذلك الأحوال السكانية والقبلية لسكان المدينة فعمد إلى توزيع السكان وفقا لسياسة تقوم على تجميع سكان كل قبيلة في مكان معين وروعى في ذلك النظرة المستقبلية لإمتداد العمران، كما حدد صلى الله عليه وسلم موضع السوق لعلمه أن الإستقرار لا يقوم إلا به، فهو مصدر التكسب والتجارة والحرف، وقد خصصت بالمدينة المنورة على عهد رسول الله دور للضيافة واستقبال الوفود كان من أهمها دار عبد الرحمن بن عوف الكبرى، وأخيرا حرص الرسول الكريم على تحصين المدينة من أضعف الجهات وهي الجهة الشمالية. أما فيما يتعلق بمدينة القدس فقد ورد في الكتاب أن مساحتها بالأسوار تبلغ كيلو مترا مربعا واحدا وتمتاز طرقها بأنها ضيقة ومخصصة للمارة وبعضها مغطى ببائكات معقودة، وبنيت المدارس والزوايا والسبل للسقاية على جانبي الطريق، وجميع أبنية القدس من الحجر، إستخدم في بنائها مونة الجير، وشبابيك الأبنية صغيرة المساحة ومفتوحة في جدران سميكة لتؤمن التهوية والإضاءة وتمنع دخول الأشعة المباشرة في نفس الوقت، وتتجلى بساطة التصميم في المساكن بتوفير الساحات الداخلية المكشوفة، الصحن أو الفناء، والتي تعد من أهم مميزات العمارة الإسلامية. ويوجد بالمدينة الكثير من الآثار الإسلامية الخالدة وخاصة المسجد الأقصى والذي يقع في الجهة الجنوبية من الحرم الشريف وقد بناه الخليفة عبد الملك بن مروان سنة 693م كانت أبوابه زمن الأمويين مصفحة بالذهب والفضة، وعندما احتل الصليبيون المدينة جعلوا قسما من المسجد كنيسة واتخذوا القسم الثاني مسكنا لفرسان الهيكل ومستودعا لذخائرهم، ولكن عندما استرد صلاح الدين الأيوبي المدينة أمر بإصلاح المسجد وحدد محرابه وكسا قبته بالفسيفساء. وعن مدينة الفسطاط أولى عواصم مصر الإسلامية يقول المؤلف : تضاربت أقوال الباحثين حول سبب إطلاق اسم الفسطاط على مدينة المسلمين الجديدة في مصر وأن أقرب الاقوال صحة هو أن التسمية معناها المخيم وقد أخذت من المخيم الذي كان قد نصبه جيش عمرو بن العاص عند محاصرته حصن بابليون، وقد بدأ عمرو بن العاص أولى خطواته في تخطيط المدينة بتشييد مسجده الجامع الذي سمى في بعض الأحيان بالجامع العتيق، وفي أحيان أخرى بجامع الفتح وتاج الجوامع، ورغم صغر حجم الجامع إلا أنه كان أساس التنظيم العمراني للمدينة، حيث التفت حوله بقية مراكزها العمرانية، كما كان يسيطر على حياة المدينة اجتماعيا واقتصاديا لوقوعه على النيل وإحاطته بالاسواق وقد قام عمرو بن العاص بتقسيم المواضع المحيطة بالمسجد على القبائل العربية حتى لا ينشب نزاع بينها، وقد تميزت المباني في تلك الأيام بأخذها بالنظام الإسلامي، فالخطط في بنائها قد صارت محكومة بأسس الدين وقواعد الأخلاق . وقد ظلت الأحوال المعمارية والمعيشية في مدينة الفسطاط تتقدم بمرور الأيام حتى خربت وقد حدد المقريزي سببان لخرابها، الأول الشدة العظمى التي حلت بالبلاد في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، والثاني حريق الفسطاط في عهد وزارة شارو بن مجيد السعدي عام 1168م، في حين يرى بعض الباحثين أن تأسيس القاهرة إلى الشمال منها قد ساهم في تدهور أحوال المدينة . سوق العطارين ومن أقدم المدن التراثية في العالم حلب وهي من أعظم ممالك الهلال الخصيب، وقد فتح المسلمون حلب سنة 636م بقيادة أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وإزدهرت حلب في العصر الأموي والعصر العباسي، وقد بلغت ذروة مجدها أيام سيف الدولة الحمداني، وكان له فضل كبير في قيادة الحروب التي دارت رحاها بين المسلمين والروم، وحين زحف الصليبيون على سوريا واستولوا على إنطاكية سنة 1098م سعى رضوان أمير حلب السلجوقي مع سائر الأمراء المسلمين إلى استعادة أنطاكية فلم يفلح، وقد حاصر الصليبيون حلب مرارا وفرضوا الجزية عليها، ثم استولى المغول سنة 1260م على المدينة وقد احرقوها وسبو سكانها، وقد خرجوا بعد إنتصارات المماليك عليهم في عين جالوت. وقد عرفت حلب بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة ومنها سوق النحاسين وسوق العطارين والحدادين وسوق البن، والجمال، والحرير، والحصارين والخشابين، الخضرية، وسوق الخيل وسوق الزجاجين، وسوق الصرماتية، وبالمدينة جامع حلب الكبير وتم بناؤه في العصر الأموي على هيئة جامع دمشق في أيام الخليفة سليمان بن عبد الله ثم تهدم أكثر من مرة كانت الأولى حين غزا الامبراطور نقفور فوكاس مدينة حلب وضربها، والأخيرة كانت على يد تيمور لنك، وأقدم شيء في المسجد مئذنته الرائعة وهي مربعة الشكل ويشتهر أيضا بمنبره الخشبي المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج صنع في أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون في القرن الثامن الهجري. ولاتزال مدينة حلب تحتفظ بجزء من أسوارها الحصينة وعدد من بواباتها الضخمة وقد تهدم سورها مرات عديدة خلال الغزوات التي إجتاحت المدينة في أيام الروم والتتار ثم أعيد ترميمه وما يشاهد منه الآن يرجع إلى العهدين الايوبي والمملوكي وأهم أبواب السور الباقية، باب النصر، باب الحديد، باب أنطاكية، وباب قنسرين، وفي المدينة أيضا قلعة حلب التي شيدت في العهد الهلنسنتي فوق مرتفع طبيعي يتوسط المدينة وأهم شئ في القلعة الآن خندقها العميق الواسع الذي يبلغ قطره الكبير أكثر من 500 متر وعرضه 26 مترا. القاهرة ـ مكتب «البيان»