من الفقه المطلوب: تقدير مستويات الناس وظروفهم واعذارهم وضعف احتمالهم في مواجهة القوى الضاغطة عليهم. فمن الخطأ ان نطالب عموم الناس ان يلحقوا بجوار سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب فيقوموا الى ائمة الجور وطواغيت الحكم فيأمروهم وينهوهم ويأخذوا على ايديهم ليظفروا بالشهادة في سبيل الله وهي اعلى واغلى ما يتمناه مسلم لنفسه، فهذه المنزلة فضيلة لا يقدر عليها إلا اولو العزم وقليل ما هم وليست فريضة يطالب الناس بها ويحاسبون عليها. وقد يكتفي بعض الناس بأن يقول كلمة الحق من بعيد وقد يلتزم الصمت لانه لا يرى فائدة من الانكار باللسان بعد ان رأى شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة واعجاب كل ذي رأي برأيه ورأى امراً لا يدان له به، كما جاء في حديث ابي ثعلبة الخشني ـ فعكف على خويصة نفسه وترك عنه العوام وقد يرى فائدة الانكار ولكنه يعجز عن تحمل نتائجه فيقتصر على التغيير بقلبه وذلك اضعف الايمان. وقد يرى البعض ان التغيير انما يبدأ من القاعدة لامن القمة وان الاصلاح يجب ان يتجه الى الافراد اولا، فاذا صلحوا صلحت بهم ومعهم الجماعة. وان من الجائز شرعا السكوت على المنكر مخافة وقوع منكر اكبر منه احتمالاً لاهون الشرين وارتكابا لاخف الضررين كما تقرر ذلك القواعد الشرعية ومن الادلة الخاصة لذلك ما ذكره القرآن الكريم عن نبي الله هارون اخي موسى وشريكه في الرسالة الى فرعون وقومه فقد ترك موسى اخاه هارون عليهما السلام خليفة في قومه وذهب لمناجاة ربه وكان ما كان من امر السامري وعجله الذهبي الذي فتن به بني اسرائيل حتى عبدوه: «ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعوني واطيعوا امري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى» وسكت هارون على هذا الانحراف الخطير واي انحراف اكبر من الشرك وعبادة عجل لا يرجع اليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولا يهديهم سبيلا؟ ولما رجع موسى الى قومه غضبان اسفا لما احدثه قومه من بعده قائلا: بئسما خلفتموني من بعدي والقى الواح التوراة واخذ برأس اخيه يجره اليه في حدة وغضب: «قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن افعصيت امري» فماذا كان جواب هارون: «قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي». فهنا يعتبر هارون عليه السلام الحفاظ على وحدة الجماعة حتى يعود زعيمها الاول حجة له في السكوت على ضلال القوم حتى لا يقول قائل: انه تعجل القرار وفرق الجماعة ولم ينتظر عودة موسى. ومن ذلك حديث السيدة عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «لولا ان قومك حديثو عهد بشرك لبنيت الكعبة على قواعد ابراهيم» اي انه عليه الصلاة والسلام ترك فعل ما يرى انه مطلوب خشية ان يثير فتنة عند قوم لم يتمكن الاسلام من انفسهم بعد بسبب هدم الكعبة وبنائها من جديد. ومن ذلك امره صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الائمة اذا لم تكن هناك قدرة على خلعهم واستبدال آخرين صالحين بهم مخافة فتنة اكبر ومفسدة اعظم تراق فيها الدماء وتنتهك الحرمات وتذهب الاموال ويتزعزع الامن والاستقرار دون ان يتحقق تغيير. ومن هنا يتبين لنا خطأ المثاليين الحالمين الذين يطالبون الناس بالاسلام الكامل في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم واخلاقهم وآدابهم او يتخلوا عن الاسلام بالكلية فلا وسط عندهم ولا درجات فإما اسلام تام مطلق او لا اسلام، حصر هؤلاء تغيير المنكر في مرتبة واحدة هي التغيير باليد واسقطوا المرتبتين الأخيرتين وهما: التغيير باللسان والتغيير بالقلب حسب استطاع المكلف ووسعه. ونسي هولاء ان التكليف في شرع الاسلام بحسب الطاقة والوسع وان طاقات الناس تتفاوت وظروفهم تختلف ولهذا راعى الشرع الاعذار والضرورات وجعل لها احكامها الخاصة حتى انه ليبيح بها المحظورات ويسقط الواجبات وما اعدل ما قاله الامام ابن تيمية في ذلك: ان الله تعالى قد اخبر في غير موضع انه لا يكلف نفسها إلا وسعها كقوله: «لا يكلف الله نفسها إلا وسعها» وقوله تعالى «والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها» وقوله: «لا تكلف نفس إلا وسعها» وقوله تعالى«لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها» صدق الله العظيم. وبالله التوفيق