في عام 1866 قرأت روسيا القيصرية هذه الرواية التي تتميز بطابعها التحليلي لأدق النوازع التي تراود النفس البشرية. وقد وقعت حوادثها كما اختار المؤلف في سوق الحبوب بأحد الاحياء الفقيرة الشعبية في مدينة سان بطرسبورج وان كانت مقدمة الرواية قد استقيت من سيبيريا حيث المنفى الملبد بالغيوم والمحاط بالجليد والبرد القارس والشعور المؤلم بالاغتراب. رواية «الجريمة والعقاب» لا تستغرق وقائعها سوى بضعة ايام لا تزيد على اصابع اليد الواحدة من شهر يوليو في سنة من سنوات أواسط الثمانينيات من القرن التاسع عشر ومعظم هذه الوقائع يتم في ساعات الليل في ذلك الحي المفعم بروائح التبغ والغلال والفقر.. والجريمة. المبدع فيدور دوستوفسكي من اعلام فن الرواية في العالم مولود في موسكو عام 1821 (رحل عن الدنيا عام 1881) وقد احرز نجاحا وشهرة في سن الخامسة والعشرين حين نشر أولى رواياته بعنوان «الفقراء» عاش حياة في غاية الشظف والاضطراب وذاق صنوفا من المعاناة بسبب آرائه السياسية المعارضة ومشاركته في الحركات الليبرالية ومن ثم تلقى حكما بالاعدام ولكن خفضوه في اللحظة الاخيرة الى النفي مع الاشغال الشاقة في فيافي سيبيريا الجليدية. وعندما افرجوا عنه عام 1859 كان دوستوفسكي مريضا وفقيرا ولذلك عاش بسيطا زاهدا اقرب ما يكون الى مشاركة البشر الفقراء البسطاء ما يكابدون من ألم المعاناة وقسوة الحرمان.. ويعد في الطبقة الاولى مع معاصريه من آباء فن الرواية في الادب الروسي وفي العالم وفي مقدمتهم نورجنيف وتولستوي. ومن اهم اعماله الاخرى ـ كما هو معروف ـ رواية «الاخوة كارامازوف» ورواية «الأبله». أصل الحكاية راسكولينكوف بطل الرواية انسان فقير وحيد رغم انه لا يزال شابا له طلعة جذابة هو طالب سابق لا لكونه يكره العلم ولكن لانه لا يجد من الدراهم ـ عملة الكوبيكات الروسية ـ ما يعنيه على مواصلة الدراسة حيث لم يعد يجد من يعينه.. لا والدته ولا شقيقته هذا هو الفقر الكريه المقيت الذي يكاد يكون كغراء الفقر الذي يزين للانسان طريق الانحراف وسبيل الاجرام.. وها هو بطل الرواية يفكر في الجريمة ولكن لا يدري اين ولا كيف يقدم على ارتكابها. تقوده خطواته اليائسة في الشوارع القبيحة ذات الروائح العفنة الى حيث يرهن ساعته ـ آخر ما يمتلك ـ كي يحصل على بعض النقود، في دكان الرهونات تقبع «اينانوفا» المرابية العجوز التي تتعامل معه بأسلوب يولد في نفس صاحبنا شعورا هو مزيج من الازدراء والاضطراب. يلقاه في بعض الطريق مخلوق تاعس آخر هو مار ميلادوف.. ضاع صوابه من فرط احتساء الشراب الرخيص.. يقوده الى بيته فتلقاه الزوجة ساخطة فقد أضاع نقوده على الشراب ودفع ابنته الى البغاء كي تعيش الاسرة من امواله الحرام.. ها هو بطلنا يضع يده في جيبه ويترك الاسرة لتعسه كل ما حصله ـ لقاء الساعة ـ من أموال الرهونات. في اليوم التالي تصله رسائل من الام والاخت والاخبار لا تسر القلب ولهذه تبث على الأمل هنالك يستقر على ارتكاب جريمته.. ويمضي ليلته رهين الكوابيس ولانه تلقى قسطا من التعليم يبدأ في «فلسفة» الجريمة: ان العالم لا يفيد شيئا من المرابية الجشعة العجوز بل ان وجودها يضر البشر ويشوه وجه الحياة لو قتلها وأخذ اموالها فسوف يستخدم الأموال لخدمة الانسانية. بعد هذا «التبرير» يلتقط بلطته ويتوجه في المساء الى اينانوفا وما ان تفتح بابها يعاجلها بضربة على رأسها فتسقط جثة هامدة بيدين ملطختين بالدماء يستولى على قطع ذهبية ونقود، المفاجأة هي دخول شقيقتها الطيبة ليزافيتا على غير انتظار.. وقد دخلت لحتفها فقد قتلها بدورها ومضى كالمحموم. اسلمته الحمى الى المرض واجهدته اسئلة محققي الشرطة وافلت من هذا كله ليسمع ان النيابة وجهت تهمة القتل الى رجل غلبان يعمل في طلاء البيوت. بطلنا يحاول ان يواصل حياته كالمعتاد يشهد الحفلات.. يتودد الى دونيا الجميلة لعلها ترضى به زوجا... يفاجأ في جلسة سمر بوجود محقق الشرطة «فتروفتش» ويدور الحديث عارضا عن انواع الجرائم وانماط البشر هنالك يكشف بطلنا عن نظريته «التي تقتل فإن الناس نوعان: الاستثنائيون الذين يحق لهم كل شيء وغمار الناس الذين لا يعتد بهم في شيء.. لا في العير ـ كما يقال ـ ولا في النفير ـ بل يمكن «ازالتهم» عند الضرورة ومن الاساس في ثنايا الرواية تتحرك شخصيات شتى الى حتفها الاخير ـ القاريء يتابع ويعايش مصائر البشر التعساء المساكين.. منهم من تصدمه عربة طائشة ومنهم من ينتحر بعد ان وصل الى حافة الانكسار النفسي ـ لكن المؤلف يعمد الى اطالة عذاب البطل وقد ناء كاهله بوقر الجريمة التي ارتكبها ويغوص المؤلف في تلافيف التكوين السيكلوجي لبطل روايته وهو يحاور المحقق الذي اصبح مقتنعا ان «راسكولينكوف» هو القاتل دون ان يملك ازاءه دليلا دامغا لتوجيه الاتهام. ولم يكن محقق الشرطة بحاجة الى دليل لقد تراكمت الوساوس والهواجس والكوابيس ومطارق تأنيب الضمير على كاهل بطل الرواية فما كان منه سوى ان توجه يوما الى مقر الشرطة واعترف بأنه القاتل. بعدها ينتقل الحدث الى سيبيريا وقد انقضى من زمن الرواية 18 شهرا هنالك نعرف ان البطل قد حوكم وفي مقابل الاعتراف تلقى حكما مخففا مدته 8 سنوات.. ماتت امه وتزوجت شقيقته ولم يبق له في الدنيا سوى حبيبته التي تزوره في منفاه البعيد، حين يراها يبكيان من سعادة اللقيا يشعران ان الماضي قد اصبح من ورائهما ومن ثم يتطلعان الى انبعاث جديد لا يملكان سوى دفاتر الاعزاز وعمق المحبة يشعران ان هذا يكفي من اجل حياة جديدة... ربما... ربما تكون افضل. الافكار.. الرموز.. الدلالات ويدعو الانسان بالشر دعاؤه بالخير.. نعم فالانسان ليس ملاكا مجسدا للخير ولا هو بشيطان مريد يجسد الشر على طول الخط ان بطل الرواية فيه نزعة الخير ورذيلة الشر يعطي ما في جيبه لمن يحتاج.. ثم لا يتورع عن ازهاق نفس بشرية متذرعا بتبريرات لا تنطلي على احد رغم هذا الشر فقد ظل مؤرقا معذب الضمير من فرط الندم على فعلته الشنعاء.. ورغم ان السلطة اتهمت غيره فقد اثر ان يقدم نفسه طوعا على مذبح الاعتراف. .. الالم هو الطريق الى السعادة.. بمعنى المعاناة وقسوة الشظف.. وكأن الالم هو النار التي تصهر معدن النفس البشرية ومن ثم تطهرها من ادران الحقد والشر والانحراف ولقد تآلم البطل من قسوة الفكر وزاد الألم من تأنيب الضمير واتسع نطاقه بين عذابات المنفى في سيبيريا لكن ظل الالم هو طريق التطهر والخلاص وهو المفضي الى الامل في حياة افضل. .. الاغتراب الروحي والنفي النفساني وقد تجلى هذا كله في حياة البطل الذي قرر ان يعزل نفسه عن المجتمع بل حاول ان يرفع نفسه وتصرفاته عن القانون والعرف السائد فكان في ذلك سقوطه في هاوية الانحراف ولقد ظل البطل سجين عزلته واغترابه وكانت عزلة نفسية.. أودت به الى السجن المادي والنفسي الحقيقي بين غياهب الثلوج في سيبيريا. يلاحظ النقاد ان الرقم (ثلاثة) يخيم على اجواء العمل الفني مثل شبح اسطوري.. (ربما كان موضع تشاؤم من مؤلف الرواية) المهم ان المؤلف يستخدم العدد (3) رمزا للهلاك: القتل يحدث في الزيارة الثالثة للمرابية والبطل يتردد على بيت مسرح الجريمة ثلاث مرات وفي اول زيارة لقسم الشرطة يلقي امامه ثلاثة ضباط وحين يتوجه الى ارتكاب الجريمة يدق الباب ثلاث دقات... الراوي يسرد الاحداث من موقع الشخص الثالث ـ المراقب المحايد لا يتعاطف مع احد ولا يتحيز ازاء احد الاسلوب (في الترجمة الانجليزية والعربية) مباشر.. له ايقاع سريع.. لا يتوقف عن الوصف المتأني ليظهر الجمال او يصور القبح في هذه الرواية او هذا المعمار من مدينة بطرسبورج هو اسلوب انطباعي وليس بلاغيا بالغ التكثيف لا تعنيه تفاصيل البيئة الخارجية بقدر ما يهمه استقصاء النوازع والخلجات الداخلية للنفس البشرية مع ذلك فالمؤلف تمكن من حرفته يرسم صورة نابضة بالحياة اقرب ما تكون الى الصورة الصحفية الحيوية للمدينة.. ازقتها الضيقة.. غرفاتها المزدحمة بالساكنين ـ الفقر المخيم على ارجائها التدهور الذي اصاب سوق الحبوب حركة المارة الاصوات... الروائح تقلبات الطقس. اما الحوار فيحرص فيه المؤلف على ان يكون مطابقا لطابع الشخصية.. صاحبة بيت من اصل الماني تتكلم الروسية برطانه المانية.. صاحب العمل الذي درس في الجامعة تتخلل احاديثه تعبيرات فرنسية (لغة الارستقراطية والمتعلمين والمثقفين في روسيا في تلك العهود). في ذاكرة الانسانية رأى النقاد في رواية «الجريمة والعقاب» تصويرا وثيقا لأحوال روسيا عند منتصف القرن التاسع عشر وان كانوا يلاحظون في الوقت نفسه ان مبدعها فيدور دوستوفسكي لم يقف كثيرا عند الاوصاف الخارجية المادية كما قد نصفها للشخصيات بل كان جل اهتمامه منصبا او يكاد على التحليل النفساني للشخصية افكارها نوازعها.. صراع الخير والشر المعتمل بل المتصارع بين جوانحها وربما يرجع التركيز على صراع الخير مع الشر الى ان المؤلف كان عميق التدين وكانت تعنيه قضية الصراع بين البشر وهمزات الشيطان. ومن عجيب ان يلاحظ محللو الرواية ان المؤلف قدم بطلها على الصورة التي يبغضها دوستوفسكي نفسه (المؤلف يكره بطل العمل الذي ابدعه) ذلك لان البطل يمثل جيلا كان جديدا وقتها من ابناء الغرب ممن كانوا يؤمنون بفكرة الانسان الافضل او الفئة الاعلى ـ سوبرمان ـ من البشر ممن يحق لهم ان يفعلوا ما يحلو لهم.. هذا المغرور الاستعلائي يمكن ان يدمر حياة الفرد بل يمكن ان يدمر نسيج مجتمعات بأسرها وهناك من النقاد الذين يضفون على رواية دوستوفسكي طابعا سياسيا حين يقولون انه كان يبغض الافكار الاشتراكية والفلسفات التي كانت قد بدأت تشيع في عصره (رواية الجريمة والعقاب نشرت بعد اقل من 20 سنة من نشر «البيان الشيوعي» الشهير الذي اصدره ماركس ورفيقه انجلز في عام 1848 وبعد 8 سنوات فقط من صدور كتاب «اصل الانواع» نظرية التطور التي جاء بها دارون). الفلسفات الجديدة كانت تقول ان الانسان صانع مصيره.. وان القول طريق الخلاص فيما كان دوستوفسكي يؤمن بأن سبيل الخلاص وتطهير النفس البشرية يمر بمحطات الألم والمعاناة والعذابات. وغدا نواصل