القلوب تصدأ كا يصدأ الحديد ولابد لها من جلاء وقيام الليل من أعظم الاعمال التي تجلو صدأ القلوب، فالقلوب تحيا بقيام الليل والتهجد. لقد وصف الله تبارك وتعالى عباد الرحمن الذين كرمهم بأن نسبهم الى نفسه فقال مما وصفهم به: «والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما» وقال في وصف المؤمنين: «تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون» وقال تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بعد ان انزل عليه الوحي ليهيئه لحمل تبعات الرسالة: «يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه او انقص منه قليلا او زد عليه ورتل القرآن ترتيلا». فكان هذا النداء من الله عز وجل ملاحظة لرسوله صلى الله عليه وسلم وتطمينا لقلبه ثم كانت هذه السورة توجيها له صلى الله عليه وسلم إلى قيام الليل وما في القيام من رياضة للنفس وعبادة لله تعالى وفي فضل قيام الليل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل» ففي الليل تصفو النفوس من مشاغل الحياة فيكون اقبالها خالصا على الله انها لتجد في ظلام الليل نور الله يتجلى على عباده فتطيب القلوب بمناجاته وتشرق الوجوه باجتلاء آياته. قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟ فقال: «لانهم خلوا بالرحمن فالبسهم نورا من نوره». وقيام الليل مع ما يبذله الانسان من جهد في هذه الحياة والعمل المتواصل بالنهار يحتاج الى تنظيم وحسن تدبير حتى لا يؤدي الى الارهاق وتعطيل الانسان عن معاشه وأول ما يجب تدبره في ذلك ان يحسن الانسان تقسيم اليوم والليلة بين العمل والنوم والراحة ويكره قيام الليل حتى صلاة الفجر لان ذلك يترك اثره على نشاط الانسان فيغدو على عمله وهو معرض للنعاس ولقد كان صلوات الله وسلامه عليه يقوم الليل ما شاء الله ان يقوم ثم ينام حتى يؤذن بلال للصلاة. وان من قيام الليل ما لا يشق على أحد مهما كانت ظروفه ذلك هو احياء ما بين المغرب والعشاء روى الحسن رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المراد بقوله تعالى: «تتجافى جنوبهم عن المضاجع» فقال: الصلاة بين العشاءين (المغرب والعشاء) ثم قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصلاة بين العشاءين فإنها تذهب بملاغاة النهار وتهذب آخره» وان ما يعين على قيام الليل امورا منها: الاقلال من الطعام والشراب عند تناول العشاء وان يعتاد الانسان النوم بعض الوقت في النهار وقبل هذا وذلك ان يستشعر الخوف من الله والرجاء في رحمته. يقول الامام الغزالي رحمه الله: روي عن بعض السلف ان الله اوحى الى بعض الصديقين ان لي عبادا من عبادي يحبوني واحبهم ويشتاقون الى واشتاق اليهم ويذكروني واذكرهم وينظرون الي وانظر اليهم فإن حذوت طريقهم احببتك وان عدلت عنهم مقتك قال يا ارب وما علاماتهم؟ فذكر من علاماتهم انهم يحنون الى غروب الشمس كما يحن الطائر الى وكره عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش نصوا الي اقدامهم وافترسوا الى وجوههم وناجو لي بكلام وتملقوا الي بأنعامي فهم بين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد بعيني وما يتحملون من اجلي اول ما اعطيهم ثلاث: اقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما اخبر عنهم والثانية لو كانت السماوات والارض وما فيهما من موازينهم لاستقللتها لهم والثالثة: اقبل بوجهي عليهم ومن اقبلت عليهم بوجهي لا يعلم احد ما اريد ان اعطيهم. احمد عبدالتواب أحمد