حينما التقى العرب بالفرس تحت مظلة الإسلام ترك الفرس حضارة أجدادهم المجوس ونظروا إليهم على أنهم كانوا في ضلال واتجهوا إلى الإسلام وإلى القرآن الكريم يطبقون تعاليمه في مختلف نواحي الحياة وقد تأثر الشعراء الإيرانيون بالإسلام والثقافة العربية، وتباروا في نظم القصة المستوحاة من معاني القرآن الكريم واستعانوا على ابراز معانيهم وتوضيح مراميهم وتقوية حجتهم وشرح قضاياهم بالحكايات الدينية التي تروى عن الأنبياء والأماكن المقدسة وأولياء الله الصالحين. وتحمل تلك الحكايات العديد من الأفكار والإرشادات والتلميحات ويلجأ إليها الناس في مختلف المناسبات وتجرى على ألسنتهم مجرى الحكم والأمثال. وتأتي تلك الدراسة للدكتورة نجلاء محمد جمعة المدرس بقسم اللغة الفارسية وآدابها جامعة الأزهر بعنوان: القصص القرآني واثره في الشعر الإيراني لترصد تأثير هذا القصص على الشعراء الإيرانيين وما جاء به قرائهم نتيجة لهذا التأثير. وتشير الباحثة إلى تأثير القصص القرآني في الشاعر الإيراني الخاقاني الذي توفي في عام 1195م وهو من كبار الشعراء الإيرانيين والذي تضمنت أشعاره العديد من الأفكار والمعاني المستوحاة من القصص القرآني فهو على سبيل المثال يمتدح حفظة القرآن ويقول: لقد تعلموا مثل آدم علم الأسماء.. لكنهم لم ينسوا مثل «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» أما الشطر الثاني فهو إشارة إلى قوله تعالي: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما». وتضيف أن الخاقاني تأثر أيضا بموقف إبليس حينما خاطب ربه قائلا يقارن بين نفسه وبين آدم عليه السلام: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين» وينشد الخاقاني داعيا إلى التواضع قائلا: ذلك الذي وضع على رأسه تاج الجاه إذا يكون له تاج من الطين، فإلى متى السجود على باب الغير وما أكثر من قال أنا خير ولا خير فيه كذلك تأثر الخاقاني بقصة موسى عليه السلام فأنشد يقول: عندما رأى موسى الآيات التسع مضى من التيه إلى طور الغايات وأظهر للخلق بسهولة الثعبان من العصا الخضراء. وتناول الخاقاني قصة العبد الصالح الخضر - مع موسى عليهما السلام وأخذ يمدح الخضر قائلا: خضر العلوم كليم ميقات التقى.. روح البيان خليل كل بناء ثم يوجز المعجزات التي حدثت على يديه ووردت في سورة الكهف فيقول: كان قلبي في غاية الألم فحطم الجدرا الذي تحته الكنز فهو يجعل بأقل إشارة الجدار المحطم مشيدا وكل سفينة استولى عليها طمعي مزقها مثل ورقة البرعم فريد الدين العطار وتتطرق الدراسة إلى الشاعر والمفكر الكبير فريد الدين العطار والذي وردت في أشعاره ومؤلفاته الكثيرة عبارات والفاظ قرآنية وكان يقتبس من القصص القرآني ما يعالج به المقامات العرفانية العالية والمعاني الإنسانية السامية ومن ذلك قصة أدم وحواء، وغواية إبليس لهما وهي من القصص الرمزي الذي يرمز إلى إستمرار الصراع في كل زمان ومكان فآدم عليه السلام وحواء هما رمز للإنسان والشيطان وهو رمز للشر وقدم العطار وصفا دقيقا للحزن الذي أصاب آدم وحواء بعد أن غضب الله عليهما لأنهما أكلا من الشجرة وأطاعا الشيطان أيضا قدم وصفا عميقا عن كيفية غواية الشيطان ووسوسته للإنسان فيقول : أن مقصدي دائما أن استقر في داخل آدم. وعندما كان لي الإستقرار بداخله سيصبح ابن آدم ضعيفا أحيانا أضع في صدره العديد من الرذائل من الوسواس الخناس وأحيانا أشير بداخله مئات من أنواع الشهوات وأجري في عروقه كالدم وأحيانا أدعوه إلى الطاعة بطريقة خاصة وأطلب منه من خلالها الرياء وعدم الإخلاص. وأزين له آلافا من ألوان السحر حتى أخرج الناس عن جادة الطريق وهذه الأبيات تم اقتباسها من آيات كثيرة في سورة مختلفة في القرآن الكريم. وتوضح الباحثة أن العطار تأثر بما جاء في القرآن من ذكر عدد كبير من الأنبياء في سورة واحدة مثل سورة الأنبياء وكذلك سورة هود وكتب قصائد يضمنها بعض الأنبياء يقول فيها : انظر إلى نوح وأمر الذين غرقوا حتى تتدبر ما تكبده من الكافرين في ألف عام. وانظر إلى إبراهيم العطوف وقد صار منزله عندهم المنجنيق والنار وانظر إلى إسماعيل المصاب وقد جعل نفسه قربانا أمام الحبيب وانظر إلى يعقوب الحزين وما حدث لعينيه من شدة قلقه على ابنه. وأنظر إلى يوسف في المحكمة وهو في البئر والسجن والعبودية والملك. وهكذا يعرض العطار للرسل والأنبياء حتى يصل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ويقول عنه: ثم نظر إلى سيد الرسل كم تكبد من جفاء وألم به من الكافرين. قصة موسى عليه السلام وتشير الباحثة إلى أن العطار يؤكد من خلال هذا الاستعراض أن الله ينصر رسله وعباده المؤمنين موضحة أن قصة موسى - عليه السلام - من أكثر القصص القرآنية التي تأثر بها الشعراء الإيرانيون وتناولوها في أشعارهم مثل فريد العطار حيث نجد له أشعارا متفرقة يوظف فيها ما ورد من شأن موسى من آيات في سياقات متعددة فهو يقول على سبيل المثال: إنك أحيانا تلقي تابوتي في البحر وأحيانا تجلسني على عرش فرعون. ويقول أيضا: وابتعد عن النفس الفرعونية الحيوانية.. وتعالي في الميقات وحلق يا طائر الطور وفي بعض القصائد يقدم العطار حكايات يهدف من خلالها بث فكرة الصوفي ويجعل موسى - عليه السلام - بطلا لتلك الحكايات لأنه كليم الله. وتؤكد الدراسة أن قصة موسى - عليه السلام كانت من القصص المثيرة التي افتتن بها الشاعر جلال الدين الرومي وتفنن في عرض جوانبها المختلفة فهو يتناول الرؤيا التي رآها فرعون ويقول: لقد ظهر له في النوم مقدم موسى وأن على يده سيكون هلاك فرعون ومهلكه ويستطرد في شرح تداعيات هذه الرؤيا حيث اجتمع فرعون بالمفسرين والمنجمين وفي النهاية قرر قتل الابناء الذكور الذين يولدون في بني إسرائيل. حيلة فرعونية ويذكر الرومي الحيلة التي لجأ إليها فرعون لتحقيق هدفه فيقول على لسانه: هيا أيتها النسوة إن الإقبال لكن هذا العام لتحظى كل واحدة منكن بالشئ الذي تريده، فإنني سوف أمنح للنسوه الخلع وأضع التيجان الذهبية على رؤوس الأطفال، وكل من وضعت هذا الشهر فلتسرع لتحصل على الكنوز مني فهذا الأمر أكيد بلا أدنى شك، فخرجت النسوة يحملن أطفالهن وهن في سعادة غافلات عن مكر الملك، وخرجت كل إمرأة وضعت حديثا من المدينة واتجهن صوب الميدان وهن غافلات عن قصة القهر، وعندما تجمعت النسوة التعيسات أخذوا كل مولود ذكر من أمه وقطعوا رأسه.. فإن هذا من باب الاحتياط حتى لا يولد الخصم ولايزيد الاضطراب ويمضى الرومي في قصته حتى نجاة موسى وتربيته في بيت فرعون نفسه ونزول الوحي عليه ودعوته لفرعون إلى عبادة الله ويصف العصا التي انقلبت إلى حية معجزة لموسى فيقول: وكان يمشي والحية خلفه كأنها كلب الصياد المدرب والمحبب لصاحبه تلتهم الحجارة والحديد ويظهر الحديد من فمها وقد مزق قطعا وتعلي بنفسها في الهواء فيصبح إرتفاعها كالبرج فبها كانت هزيمة الروم والكرج فاتكأ عليها وقال واعجباه هي أمامنا شمس وأمام الخصم ليل. الشيرازي وتعرض الدراسة تأثير القصص القرآني في شعر سعدي الشيرازي الذي يعد أستاذ الأدب التعليمي والذي كتب حكايات شعرية كثيرة مستوحاة من القرآن فهو يعرض لفضل جبل الطور في حكاية يقول فيها: سمعت أن كان لملك ابن قصير القامة ضئيل الجسم، وكان أخوته أكثر منه طولا وجمالا، وذات مرة نظر والده إليه بإستخفاف ففطن الغلام لذلك بفراسته وقال: يا أبي القصير العاقل خير من الطويل الجاهل فليس كل ذي قامة كبيرة ذوي قيمة عظيمة فإن أقل جبال الأرض (طور) وأنه لأعظم عند الله قدرا ومنزلا فقد نال ذلك الجبل من الأنوار والتجليات والفيوضات الإلهية ما جعله مكانا وبقعه مباركة على سائر الجبال. أيضا يقدم الشيرازي قصة أخرى يوضح فيها أهمية الحكمة فيقول: كان لقمان الحكيم يسير في صحبة قافلة قد أغار عليها قطاع الطريق وسلبوها ولم يتركوا لها شيئا فحدثه بعض رفاقه وقال له: قل لهم بعض الحكم والمواعظ لعلهم يرقون لحالنا ويتركون لنا جزءا من أموالنا فقال لقمان: وا أسفاه على الحكمة والموعظة مع هؤلاء القوم وإذا أكل الصدأ جسم الحديد لايمكن أن يتجلى هذا الصدأ مهما صقل فما فائدة القول والوعظ مع القلب المظلم فإن المسمار الحديدي لا يثبت في الصخر. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد