قصة سيدنا سليمان مع ملكة سبأ هي قصة حافلة بالحركة والمشاعر والمشاهد تحمل التوجيه الوجدانى المقصود وتحقق العبرة التي من أجلها تساق القصة في القرآن الكريم. ولما كان افتتاح الحديث عن سليمان قد تضمن الإشارة إلى نعمة العلم فإنها تحتوي على دور لكل من الجن والطير. ويبدأ المشهد الأول باستعراض سليمان لجنده وغياب الهدهد وتوعد سليمان له أو أن يأتية (بسلطان مبين) ويحضر الهدهد مع مفاجأة يقدم لها بقوله (أحطت بما لم تحط به) فهو يعرف حزم الملك وشدته ولذا يبدأ حديثه بمفاجأة تغطي على موضع غيبته ويزيد من التقديم للمفاجأة بقوله (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) وهنا أصغى الملك بعد هذا التقديم للمفاجأة ليعرف تفصيل النبأ الذى حمله الهدهد. فمملكة سبأ التى تقع في جنوب الجزيرة العربية باليمن تحكمها امرأة (أوتيت من كل شيء) وهنا كناية عن عظمة ملكها وتراثها وتوافر أسباب الحضارة والقوة لها ثم أضاف الهدهد قوله (ولها عرش عظيم) أى سرير ملك فخم. يدل على الغنى وارتفاع الثراء ثم ذكر الهدهد أنه وجد الملكة وقومها يسجدون للشمس من دون الله وهنا يعلل ضلال القوم.. والهدهد يقف موقف المذنب الذى لم يقض في أمره بعد فهو يلمح في ختام الكلام الذي يقصه إلى الله الملك القهار رب العرش العظيم رب الجميع كي يقارن الملك من عظمته الإنسانية أمام هذه القصة الإلهية (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) وبذلك يلمس قلب الملك سليمان في سياق التعقيب على صنع الملكة وقومها بهذه الإشارة العظيمة الخفية... ولا يتسرع سليمان في حكمه أمام ذكاء الهدهد وتصديقه أو تكذيبه فيقول (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون) (النمل من 27-28) ولا يعلن في هذا الموقف فحوى الكتاب فيظل مغلقاً على مافيه حتى يفتح ويعلن هناك حيث تقرأه الملكة وتعرض المفاجأة في موعدها المناسب. ولما قرأت الملكة الكتاب قالت (ياأيها الملأ إني ألقي إلى كتاب كريم إنه من سليمان ، وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) (النمل من 29،30،31) فهى تعلن في المجلس أنها ألقي إليها الكتاب الذي لا تعرف أول الأمر ممن ثم تصف الكتاب انه كريم وهذا الوصف ربما خطر لها من شكله أو خاتمه أو محتوياته التي أعلنت على الملأ (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم). كانت ملكة سبأ لا تعبد الله ولكن خبر سليمان كان ذائعاً في هذه الرقعة وبعد أن ألقت الملكة بفحوى الرسالة على الملأ من قومها أو مستشاريها استأنفت حديثها تطلب مشورتهم وتعلن إليهم أنها لاتقطع في الأمر إلا بعد هذه المشورة برضاهم وموافقتهم. قالت:(ياأيها الملأ أفتوني في أمري ماكنت قاطعة أمرا حتى تشهدون). وهنا تبدو سمة الملكة الذكية فواضح أنها أخذت منذ اللحظة الأولى بالكتاب الذى ألقي إليها من حيث لا تعلم والذى يبدو فيه الحزم والاستعلاء وقد نقلت هذا الأثر إلى نفس الملأ من قومها وواضح أنها لا تريد المقاومة والخصومة ولكنها لا تقول هذا وإنما تمهد له وعلى عادة رجال الحاشية أبدوا استعدادهم للعمل ولكنهم فوضوا للملكة الرأى قالوا (نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين). هنا تظهر شخصية المرأة من وراء شخصية الملكة المرأة التى تكره الحرب والتدمير والتي تأخذ بسلاح الحيلة والمداهنة والملاينة قبل أن تأخذ بسلام القوة والمخاشنة قالت:(إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) فكرت الملكة في الهدية ترسل بها إلى سليمان فهى تلين القلب وتعلن الود وقد تفلح في دفعه عن القتال وهي تجربة في ذات الوقت إن قبلها سليمان فهو ليس بنبى مرسل وإن رفضها فهو نبي الله الذي لا تعرف عن عقيدته منحاً أو هدايا ولا غرضا من أغراض الدنيا. وإذا سليمان ينكر عليهم تجاهلهم ومحاولة شرائه بالمال أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام ويعلن في قوة واصرار وعيده الأخير ويرد عليهم (أتمدونن بمال فما آتان الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ، ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لأقبل لهم بها ، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون). ثم إن سليمان عليه السلام يدرك أن هذا الرد سينهي الأمر مع الملكة التي لا تريد العداء كما تبدو من مقابلة رسالته بهدية ويرجح أنها ستجيب دعوته ولذا قال: (ياأيها الملأ أيكم يأتينى بعرشها قبل أن يأتونى مسلمين) وبعد أن جيء به قال غيروا معالمه المميزة لنعرف إن كانت فراستها وفطنتها تهتدى إليه. ولعل هذا كان اختيار من سليمان لذكائها وتصرفها أثناء مفاجأتها وسألها حين جاءته (أهكذا عرشك قالت كأنه هو). والرد في غاية الذكاء والثقة في النفس لأن السؤال هكذا عرشك ؟ لا أهذا عرشك ؟ لئلا يكون إرشاد إلى جواب فيفوت المقصود من اختيار الملكة وحسن التصرف. ولاشك أن هذا القول يدعوها إلى الدهشة والمفاجأة بما لم يكن في حسبانها وإلا فأين هي من عرشها الذي تركته خلفها وبينهما مسافة بعيدة تقدر بعشرات المئات من الأميال ولكن ذكاءها جعلها تقول (كأنه هو) فكانت الإجابة لا هي بالتصديق ولا بالنفى.. ثم تأتي المفاجأة الثانية لها تتمثل في قوله تعالى (قيل لها ادخلى الصرح فلما رأته حسبته لجةً). وبعد ذلك يذكر القرآن الكريم (وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) هكذا كانت بلقيس امرأة كاملة ترفض الحرب والتدمير وتستخدم الحيلة والملاطفة بدل المصادمة وهى لا تسلم لأول وهلة حتى بهرتها الأدلة والمفاجآت ورأت أن سليمان مؤيد بقوة غير بشرية وأن وراءه مدداً من الله وكما أنها أحست بغريزتها أن إعداد المفاجآت لها دليل على عناية الرجل بها ولذا ألقت السلاح وأسلمت مع الرجل الذى أقنعها وبهرها وأبدى اهتماماً بها بعد الحذر الأصيل في طبيعة المرأة. وبإعلانها إسلامها لرب العالمين مع سليمان جعلت من نفسها نداً بالرغم مما واجهها به من معجزات وخوارق. لقد اهتدى قلبها فعرفت أن الإسلام ليس استسلاماً لأحد من خلقه ولو كان سليمان النبى الملك صاحب المعجزات ولكن الإسلام إسلام لله رب العالمين.