لقد تحدث القرآن الكريم عن نماذج طيبة من الأمهات اللائي كان لهن شأن في عهود الرسالات الإلهية وذكر عن مريم أم عيسى عليه السلام وجدته امرأة عمران وعن ام موسى (وأوحينا إلى أم موسى ان أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) «القصص 713»، وفي التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة برزت فيها مواهب الأمهات في حسن الرأي وحصانة العقل ودفعهن أبناءهن إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله تعالى ورفعة دينه والدفاع عن الحق ضد أعداء الله تعالى وأعداء الانسانية. ومن الأمثلة التاريخية لمواقف بعض الأمهات المسلمات السيدة أسماء أم عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنها، فإنها لما اشتد الحصار على عبدالله بن الزبير قبل قتله بعشرة أيام دخل عليها وهي مريضة وقال لها ان في الموت راحة، فقالت: له لعلك تمنيته لي ما أحب ان أموت حتى يأتي على أحد طرفيك إما قتلت فاحتسبك وإما ان تظفر فتقر عيني فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها فقالت له: يا بني لا تقبلن منهم حطة تخاف فيها على نفسك الذل مخافة القتل، فوالله لضربة بسيف في عز خير من ضربة بسوط في ذل. ولنذكر موقف الخنساء فإنها شهدت موقعة القادسية ولها أربعة بنين فقالت لهم أول الليل يا بَنيّ إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد، كما انكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا ان الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم ستنصرن وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطربت لظى على سياقها وجللت ناراً على أوراقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة تحرج بنوها قابلين نصيحتها وتقدموا فقاتلوا وهم يرتجزون وأبلوا بلاءً حسنا، واستشهدوا جميعاً، فلما بلغها الخبر قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي ان يجمعني بهم في مستقر رحمته. وعن عبدالله بن زيد قال: جرحت يوم أحد في عضدي اليسرى، فضربني رجل كأنه الرتل (طويل) ولم يعرج علي ومضى عني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعصب جرحك» فتقبل أمي إلي ومعها عصائب في حقوها (الحقو الإزار) قد أعدتها للجراح فربطت جرحي والنبي صلى الله عليه وسلم واقف ينظر إلي ثم قالت: انهض بني فضارب القوم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ قالت: فأعترض له فضرب ساقه؟ (فاستناخ) قالت: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم وقال صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي ظفرك وأقر عينك من عدوك وأراك ثأرك بعينيك». وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا وبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت: ما حسبك قلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، قالت: ما حاجته قلت: انها سر قالت: لا تحدثن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً. ولما أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي ودخل على أمه أروى بنت عبدالمطلب وقال: اتبعت محمداً وأسلمت فقالت له أمه: إن احق من وازرت وعضدت خالك، فقال لها: طليب فما يمنعك يا أمي من ان تسلمي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة، فأسألك بالله الا اتبعتيه، فسلمت عليه وصدقته وشهدت ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم كانت تعضد النبي صلى الله عليه وسلم بلسانها وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره ولما قيل لها ألا ترين ان ابنك قد صير نفسه غرضاً دون محمد، فقالت: خير أيامه يوم ندب عن ابن خاله وقد جاءنا بالحق من عند الله تعالى. وفي كتاب الاصابة تقول نفيسة: فأرسلتني خديجة دسيساً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقلت له ما يمنعك ان تتزوج فقال: ما في يدي شيء، فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة، قال: ومن، قالت: خديجة، فأجاب بالقبول. وفي كتاب الطبقات: فأرسلت خديجة إلى عمها عمرو بن أسد لأن أباها كان قد مات وحضر عمها ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فزوجه أحدهم فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة وهي بنت أربعين سنة، وكان مهرها اثنتي عشرة أوقية، وكذلك كانت مهور نسائه. وفي سيرة ابن هشام: وأصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله تعالى عنها. آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقته بما جاءه من عند الله تعالى وآزرته على أمره وكانت تخفف عنه ما يكرهه من رد أهله عليه وتكذيبهم له وتهون عليه أمر الناس وتعينه بمالها وجاهها رضي الله تعالى عنها وهي أول من أسلم من النساء. وقال ابن اسحاق: ان السيدة خديجة ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا ابراهيم ويقول ابن هشام أكبر بنيه القاسم ثم الطيب وهو الطاهر وهو عبدالله سمي بذلك لأنه ولد في الاسلام وأكبر أولاده رقية ثم زينب ثم ام كلثوم ثم فاطمة، وكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم، ويقول علي بن أبي طالب في فضل السيدة خديجة وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وحبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد وأشار وكيع راوي الحديث إلى السماء والأرض، وأراد بهذه الاشارة تغير الضمير في نسائها، وان المراد به جميع نساء الأرض، أي كل من بين السماء والأرض. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة لقد هلكت قبل ان يتزوجني بثلاث سنين لما كنت أسمعه يذكرها ولقد أمره ربه عز وجل ان يبشرها ببيت من قصب في الجنة، وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى الله تعالى عنه وعن سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. الشيخ علي محمد عثمان الضبع _ رئيس قسم الفتوى بأوقاف دبي