رغم ذلك كان هؤلاء الصعاليك لا يشكلون مصدر خطر يتهدد سلطة الدولة أو مركز الخلافة، إلا أن الظاهرة بدأت تلفت نظر المؤرخين منذ فتنة الأمين والمأمون، فما كادت جيوش المأمون بقيادة طاهر بن الحسين تقترب من بغداد سنة 196هـ ابان الفتنة الكبرى بينه وبين الأمين، وهي الحرب التي استمرت أربعة عشر شهراً، حتى ثار العامة في بغداد دفاعاً عن الخليفة الشرعي. وقد ثار عليهم الشطّار، لتخاذلهم في نصرة الخليفة الأمين، وما كادت جيوش المأمون تحاصر بغداد وترميها بالمجانيق سنة 197هـ حتى دب الخراب فيها، قتلاً وهدماً وحرقاً، حتى هرب معظم قواد الأمين، وتخاذل جنده واستأمن معظمهم، ولم يصمد في هذه المعركة إلا عامة بغداد، وعجز طاهر بن الحسين عن دخول المدينة بسببهم، فظل يقاتلهم فكانت بينه وبين العيارين أشرس معركة وقعت آنذاك. ويعود الدكتور من جديد وينظر إلينا ويتساءل.. ترى هل أسرفت في نقل الرواية التاريخية هنا عن الشطّار والعيارين؟ ويصمت لحظة، ثم يجيب: نعم لقد أسرفت.. لعل التاريخ نفسه يصحح بنفسه تاريخ هذه الطبقة الاجتماعية التي قدّر لها أن تعيش خارج التاريخ، أو على هامش المجتمع، فئة خارجة على القانون ولكنها تعيش حية داخل الوجدان الشعبي، في موقع القلب منه، رمزاً بطولياً ثائراً متمرداً، الأمر الذي يعكسه بوضوح ما أثر عن هؤلاء الشطار والعيارين من قصص وبطولات وحكايات في تراثنا الأدبي. نظر هانز في وجه الدكتور مليّاً متفحّصاً مدى التأثر والتعاطف مع تلك الطبقة التي عاشت على هامش المجتمعات والحضارات المتعاقبة ومازالت حتى يومنا هذا تمارس تفاصيلها الصغيرة وصعلكتها ومشاغباتها، خاصة تلك الفئات المتناثرة في المجتمعات الأوروبية، التي وجد هانز انها لا تختلف في نشأتها وقوتها واضمحلالها وتواصلها وانطفائها وتوهجها وسلوكها عن تلك حدثت منذ أزمنة قديمة. وكأن هانز أراد أن يقول للدكتور شكراً على هذا الاعتناء والوقت والجهد الذي حاولت من خلاله إعادة صياغة أوراق مهملة من دفاتر التاريخ الانساني.. أو إعادة النظر في تاريخ ثورات العامة وانتفاضاتها وحركاتها الشعبية وبخاصة تلك التي تزعمها الشطار والعيارون واشباههم الذين ظلوا يعيشون على هامش المجتمع، وفي سفح الكيان الاجتماعي أو خارج التاريخ من الخارجين على القانون الوضعي في عرف السلطة، والطبقات العليا، فهم ليسوا لصوصا بالمعنى التقليدي الشرير، وإنما هم متمردون. فهؤلاء أصحاب قضية سدّت في وجوههم السبل الشرعية أو المشروعة، فلم يجدوا إلا اللصوصية والشطارة والعيارة وقطع الطريق سبيلاً للتعبير عن أنفسهم وقضيتهم. ـ قال الدكتور النجار بعد أن رأى تلك النظرة الغريبة المرتسمة في عيون هانز، يبدو أنك مازلت مصراً على الخوض في عالمهم والتواصل معهم ومعايشتهم؟ ـ نعم يا دكتور فما قرأته عن هؤلاء وخاصة في أدبكم الشرقي أثار فضولي، فلقد سحرتني شهر زاد في ألف ليلة وليلة، بل وجعلتني واحداً منهم، فما أقدمت عليه ليس إلا انعكاساً واضحا وتأثيراً مباشراً من القراءات المتلاحقة عن هؤلاء، وبخاصة ما حمله إلينا الفرنسي انطوان جالان وتأثيره المباشر على الكتابات الأخرى التي توجهت في نفس الاتجاه والاطار. ـ رغم معرفتي الشخصية والاكاديمية بهذا التأثير الذي نقله إليكم انطوان جالان بكتاباته وقلمه الساحر المثير والمؤثر أنصحك بالعودة الى الدكتورة سهير القلماوي التي ابدعت في هذا الجانب الثري والمهم، فهي حتماً ستكون أكثر إبحارا ومعرفة بتلك العوالم الخفية، على أن تعذراني الآن، لأنني مرتبط بمحاضرة، وسأعود إليكما متى ما سمحت ظروفي، ومتى ما احتجتم إلى ابحار آخر في عوالم الشطار والصعاليك. وبلمحة خاطفة اختفت صورة الدكتور، فأسرع هانز طالبا استدعاء اسم الدكتورة سهير القلماوي من دائرة البحث، فأيدته على هذا الطلب، وما هي إلا ثوان معدودات حتى وجدنا أنفسنا أمام الدكتورة القلماوي. ـ قلت للدكتورة أرى الزمن قد عاد بنا إلى الوراء، ففي اي عام نحن الآن؟ ـ انتما الآن في شهر أغسطس من العام 1960 وغدا نكمل